ريتشارد نيوبل

الولايات المتحدة تنضمّ إلى المعركة المناخية مجدداً

26 آب 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

الرئيس الأمريكي جو بايدن يوقع قانون خطته للاستثمار في المناخ والصحة مع السيناتور جو مانشين (على اليسار) | واشنطن، 16 آب 2022
وقّع الرئيس الأميركي جو بايدن على مجموعة جارفة من المبادرات المرتبطة بالتغير المناخي لتحويلها إلى قانون رسمي هذا الأسبوع، فجدّد بذلك زخم التحركات المناخية الأميركية على الساحة العالمية. يحمل هذا التشريع اسم "قانون خفض التضخم"، وهو يخصص حوالى 370 مليار دولار لمعالجة التغير المناخي: إنه أكبر استثمار في المبادرات المناخية في تاريخ البلد. قد يسمح هذا التمويل الهائل للولايات المتحدة بتخفيض انبعاثات غازات الدفيئة وتسهيل استرجاعها دورها القيادي في المعركة العالمية ضد التغير المناخي: إنه الدور الذي تخلّت عنه إدارة دونالد ترامب حين انسحبت من اتفاق باريس وتراجعت عن القوانين المناخية. قبل الإعلان المفاجئ عن التوصل إلى اتفاق حول مشروع القانون الجديد من جانب الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، في أواخر شهر تموز، بدت فرص التزام الولايات المتحدة بواجباتها المناخية الدولية ضئيلة.

بدأ الوضع يتغير في المرحلة اللاحقة. بفضل "قانون خفض التضخم"، ستتمكن الولايات المتحدة من تخفيض انبعاثاتها، وستثبت في الوقت نفسه قدرتها على الاضطلاع بدور دولي رائد في الملف المناخي. لكن لا يؤثر القانون الجديد على المشهد المناخي في الولايات المتحدة فحسب، بل إنه يفرض تدابير مكثفة لدعم الصناعة الأميركية المحلية، بما في ذلك إنتاج معدات الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والبطاريات، والمعادن المطلوبة لتصنيعها، تمهيداً لمضاهاة العمليات التجارية مع الصين وتسهيل الوصول إلى المواد الخام الأساسية. لهذا السبب، لم تكتفِ الولايات المتحدة بتحوّل واحد بل أحدثت تعديلَين مختلفَين في موقفها الدولي، فجدّدت دورها القيادي في ملف المناخ، وطرحت سياسة صناعية تهدف إلى خوض المنافسة مع الصين وتعزيز أمن الطاقة في الولايات المتحدة. قد تكون الحسابات الاقتصادية والسياسية لإضافة بنودٍ تدعم النمو الاقتصادي المحلي واضحة، لكن قد ينعكس هذا القرار على السياسة الخارجية أيضاً، فيعيق جوانب من التعاون على الساحة العالمية، بدءاً من المفاوضات المناخية وصولاً إلى التجارة الدولية.

نحو تغيير مستوى الإنبعاثات

يطرح "قانون خفض التضخم" خليطاً من استثمارات كبرى وجديدة في مصادر الطاقة النظيفة، وحوافز ضريبية، وبرامج إقراض، وآليات سياســية أخرى لتخفيـض انبعاثات الكربون. كذلك، يسرّع هذا التشريع استعمال الكهرباء والمركبات النظيفة عبر تشجيع الأُسَر والشركات على انتقاء خيارات الطاقة النظيفة بدل المصادر التي تُسبب تلوثاً حرارياً. تُشجّع هذه المبادرة أيضاً على احتجاز الكربون: إنها العملية المستعملة لجمع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة ومصادر صناعية أخرى وضخّها تحت الأرض بدل الغلاف الجوي. حتى أنها تموّل جهود تخفيض الانبعاثات في قطاعَي الزراعة والصناعة، لا سيما تلك التي تنتجها مصانع الفولاذ والمواد الكيماوية والإسمنت، وتقدّم إعفاءات ضريبية وحوافز مباشرة للمستهلكين قد تتراوح بين حسومات على السيارات الكهربائية، وتقديم حزم تمويلية جديدة لتحسين كفاءة الطاقة، وتحديث شبكات الكهرباء، وتركيب ألواح شمسية في المنازل.

تهدف هذه البنود وسواها إلى تغيير مستوى الانبعاثات في الولايات المتحدة. تكشف تحليلات فِرَق بحثية رائدة أن "قانون خفض التضخم" قد يُخفّض الانبعاثات بنسبة 40% تقريباً بحلول العام 2030، مقارنةً بالمستويات المسجلة في العام 2005. إنه تراجع كبير وقد ينجم بشكلٍ أساسي عن تخفيض الانبعاثات في قطاع الكهرباء بنسبة تتراوح بين 70 و75% مقارنةً بمستويات العام 2005. باختصار، سيكون هذا التشريع كفيلاً بتقريب الولايات المتحدة من تنفيذ التزامها الدولي: يعكس هذا الوضع تغيّراً جذرياً عن الظروف التي كانت قائمة منذ بضعة أسابيع.

يُعتبر "قانون خفض التضخم" انتصاراً للإدارة الأميركية في مجال السياسة الداخلية، لكنه يصبّ أيضاً في مصلحة الدبلوماسيين الأميركيين الذين يسعون إلى تحسين سمعة الولايات المتحدة على الساحة الدولية. أثار جمود الإدارة السابقة في الملف المناخي استياء الحلفاء الدوليين، وزاد احتمال أن تدوم الأضرار المناخية لفترة طويلة. لكن قد يعطي تمرير هذا البرنامج المناخي الجارف في الولايات المتحدة أثراً معاكساً اليوم، فيُشجّع بلداناً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، ويدعم التقنيات المتاحة بكلفة معقولة لكل من يسعى إلى تخفيض الانبعاثات.

سيكون هذا القانون الجديد إيجابياً على المستوى البيئي طبعاً، لكن لن تتّضح جميع آثاره على الساحة الدولية قبل مرور بعض الوقت. عملياً، قد تطرح التدابير الجارفة التي تهدف إلى دعم الصناعة الأميركية تعقيدات جديدة وغير متوقعة على الأرجح. لنفكر مثلاً بضرورة أن تُجمَع السيارات الكهربائية التي تنطبق عليها الإعفاءات الضريبية (تصل قيمتها إلى 7500 دولار بموجب القانون) داخل أميركا الشمالية، وأن تتكل بشدة على المعادن الأساسية الموجودة في أميركا الشمالية أو بلدان تقيم معها الولايات المتحدة اتفاقيات تجارية عادلة. كذلك، تُمنَع المركبات المؤهلة صراحةً من استعمال عناصر أو معادن أساسية مصدرها الصين أو روسيا بعد العام 2024.

على صعيد آخر، لن تكون هذه البنود عابرة. يسمح قانون "خلق حوافز مفيدة لإنتاج أشباه الموصلات"، الذي وقّع عليه بايدن في الأسبوع الماضي، بدعم قطاع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة عبر الاستثمار في مجالات التصميم والتصنيع والأبحاث، تزامناً مع تقوية سلاسل الإمدادات ذات الصلة. ينص هذا القانون أيضاً على امتناع الشركات التي تستفيد من البرنامج من توسيع إنتاجها في الصين و"بلدان مقلقة" أخرى. باختصار، تتزامن الطموحات المناخية الأميركية المتجددة مع تصميم سياسة صناعية أميركية أكثر دعماً للصناعة المحلية ومبادرات تطوير المجتمع وأكثر عدائية تجاه المنافسة الدولية، لا سيما مع الصين. لم تتّضح بعد طبيعة الرد الصيني، مع أن المسؤولين الصينيين سارعوا إلى إلغاء مجموعة العمل المناخية المشتركة بين الولايات المتحدة والصين بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان.

قد توحي الظروف القائمة بأن الطموحات المناخية تتعارض مع المصالح التجارية الدولية، لكن لا داعي لحصول ذلك. قد يؤدي ربط تلك الظروف صراحةً واستراتيجياً بجوانب من السياسة التجارية إلى تعزيز قدرة الدول على تحقيق طموحاتها وتنفيذ سياسات مناخية فاعلة بطريقة تتماشى مع المنافسة التجارية الدولية. قد لا يشمل "قانون خفض التضخم" بنوداً تجارية صريحة، مثل آليات تعديل حدود الكربون (فرض رسوم على الواردات للتعويض عن انبعاثاتها) أو اتفاقيات مناخية دولية وقائمة على قطاعات محددة، إلا أنه يعكس جزءاً كبيراً من المصالح المهمة.

لنفكر مثلاً ببدء نقاشات "منتدى المناخ" في مجموعة السبع حديثاً، حيث تشكّل الدول التي توافق على مستوى معيّن من الأداء البيئي تحالفاً يفيد الأعضاء تجارياً. في المقابل، تخضع البلدان خارج التحالف لرسوم تجارية أو قيود أخرى. يعكس هذا النوع من الاستراتيجيات زيادة أهمية المناخ تزامناً مع تطوير ترتيبات تجارية خاصة بالفولاذ والألمنيوم ومنتجات كثيفة الكربون بين الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجهات أخرى، ما يعكس "التزاماً مشتركاً باستعمال السياسة التجارية لمواجهة تهديدات التغير المناخي". لا تزال هذه الجهود في بدايتها، لكنها تؤكد توسّع التبادلات المشتركة التي تربط المناخ بالتجارة عمداً.

خــــطــــوة مــــهــــمــــة مــــن رحــــلــــة شــــاقــــة

رغم سريان مفعول "قانون خفض التضخم" بالكامل، سيتابع المجتمع الدولي مراقبة الجهود الأميركية الرامية إلى تنفيذ الالتزام الأميركي بتخفيض غازات الدفيئة، بدءاً من الاستراتيجيات اللازمة لسد الفجوة في العشرة بالمئة المتبقية من التراجع المطلوب في المساهمة المحددة وطنياً، وصولاً إلى قدرة "قانون خفض التضخم" على تحقيق النتائج المتوقعة. للتمسك بهذا الهدف في المرحلة المقبلة، تفكر الإدارة الأميركية بمجموعة واسعة من الخيارات، بدءاً من تنظيم قطاع الطاقة والسيارات وانبعاثات الميثان بموجب "قانون الهواء النظيف"، وصولاً إلى الاستثمار في مجالَي الحراجة والزراعة اللذين يُخفضان الانبعاثات ويمتصان الكربون. كذلك، أصبحت السياسات على مستوى الولايات مطروحة للتفاوض.

لو كانت كل ولاية بلداً بحد ذاته، كانت كاليفورنيا لتحتل المرتبة الخامسة ونيويورك المرتبة العاشرة من بين أكبر اقتصادات العالم. قامت هاتان الولايتان وسواهما باستثمارات مكثفة في المبادرات المناخية رغم تعثر الحكومة الفيدرالية في الماضي، وستتلقى هذه المناطق دعماً مالياً إضافياً لتنفيذ المبادرات بموجب القانون الجديد.

تكثر الخطوات المطلوبة في المرحلة المقبلة، لكن يُفترض أن يُعتبر تحويل "قانون خفض التضخم" إلى تشريع أميركي رسمي خبراً إيجابياً للدول الأخرى الملتزمة بالمبادرات المناخية. لا تكتفي الولايات المتحدة، ثاني أكبر مُسبّبة للانبعاثات في العالم، بتخصيص موارد طويلة الأمد للمرحلة الانتقالية نحو الطاقة النظيفة، بل يبقى هذا البلد أيضاً أكبر اقتصاد في العالم وهو رائد في مجال الابتكارات والقطاع المالي

لا مفر من حصد منافع مناخية حقيقية تتجاوز الحدود الأميركية بفضل تحسين الأداء وتخفيض التكاليف وطرح خيارات جديدة بعد تطوير كميات كبيرة من التقنيات منخفضة الكربون، وإثبات فعاليتها، واستعمالها على نطاق واسع، واستخلاص الدروس من هذه العملية. قد يؤدي ربط المبادرات المناخية بالتجارة إلى ظهور تعقيدات جديدة، لكن يتطلب أي تقدّم حقيقي اتخاذ خطوات جريئة عند الحاجة، بما يشبه "قانون خفض التضخم"، تزامناً مع متابعة الجهود لتحقيق المصالح المتداخلة والمتضاربة أحياناً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.