جان نمّور

صناعة القادة... بشير الجميّل نموذج

15 أيلول 2022

02 : 00

بشير الجميل

على الرغم من مضي أربعين عاماً على استشهاد الرئيس الشهيد بشير الجميّل إلا ان حضوره يكبر سنة فسنة في جيل من الشباب لم يكن قد وُلِد عند استشهاده مما يشكل ظاهرة تستحق التعمق في دراستها، ولعل فقدان المجتمع لهذا القائد الحلم القادر على بناء الوطن المفقود هو الذي يجعل بشيراً حاضراً أكثر من أي وقت مضى.

تربى بشير في كنف والده الشيخ بيار الجميّل الذي يُعْرَف عنه شدة تنظيمه. فكان المنزل العائلي يدار بالتزام تربوي محدّد التوقيت، مما انعكس على شخصية أفراده وأكسبهم انضباطاً مرتفعاً لتحقيق الأهداف. إلى جانب الالتزام التربوي في البيت، كانت العائلة تتميز بالالتزام الديني الذي تجسد بدخول شقيقته إلى الدير في خدمة الأكثر ضعفاً وتهميشاً.

هذه البيئة الحاضنة أكسبت بشيراً العديد من الصفات التي يجب أن يتحلى بها القائد كالتواضع والخدمة والصدق والعمق الديني والالتزام السياسي والأخلاقي التي من دونها لا يمكن للقائد أن يقنع الآخرين بقضيته.

ذهب بشير للتدرب على السلاح مع رفاقه في حزب الكتائب وهذا التدريب قد نمّى لديه روح القيادة والعمل الجماعي، وبدأت تظهر على محياه صفة القائد الفذّ وقد فرض نفسه بهذه الصفة على أقرانه.

وكان الشيخ بيار الجميّل قد عهد "البشير" للسيد جان بسمرجي الكتائبي المخضرم الذي احاطه بالاهتمام اللازم للنجاح بالمهمة الموكولة إليه ألا وهي تسلمه أول مسؤولية حزبية كنائب لرئيس منطقة الاشرفية الكتائبية التي كان رئيسها آنذاك جان ناضر والذي استشهد الى جانبه. إن ما يميّز أسلوب قيادة البشير، القدرة على استنباط أكثر من أسلوب قيادة في الوقت عينه، وهذا الأمر لم يكن معروفاً منذ 40 سنة، فهو قادر على التشاور، واتخاذ القرار مع فريق عمل، وعند اللزوم يستطيع توجيه الأوامر الصارمة بفطنة وذكاء، كذلك التأقلم مع الأوضاع المختلفة والأشخاص بشكل سريع.

يروي القائد العسكري فؤاد أبو ناضر ان بشير وبعد كل معركة عسكرية كان يجمع فريق العمل ويطلب منهم مناقشة الخطط العسكرية المنفّذة وتقييمها، كما كان يذهب أبعد من ذلك بالطلب منهم التفكير بخطط عسكرية يمكن القيام بها. هذا الأسلوب في التفكير يعتبر خطوة متقدمة للقائد بتنمية التفكير النقدي (Critical Thinking) لدى فريق عمله وكان يطلب منهم كتابة هذه الأفكار (lessons learn) لتطوير الثقافة العسكرية للمقاومة اللبنانية عبر الممارسة العسكرية اليومية.

يروي الأستاذ أنطوان نجم ان بشير كان يتردد على منزل المفكر شارل مالك ويعقد معه جلسات طويلة كان يسميها دروساً على الرغم من مشاغله الكثيرة، وهذا يدلّ على حسن التنظيم عنده وانضباطه وقدرته على تحديد الأولوية والتعلم الدائم. أما الدروس عند شارل مالك فلم تكن الوحيدة فالبعض يقول إن بشير كان يتردد على باحثين بالفقه الإسلامي او الملمين بالتاريخ. كل تلك الدروس تعبّر عن نظرة متقدمة وحديثة للقيادة وتطوير لفكره السياسي عن طريق الإرشاد (Mentorship). من أهم صفات القائد أن يعرف كيف يختار فريق عمله وإسناد المهمات المتناسبة مع شخصية كل واحد منهم وخلفيته العلمية. وهذه الصفة كانت من أسرار نجاح بشير إذ استطاع مع فريق عمله أن يصل الى سدّة الرئاسة الاولى عن عمر لا يتجاوز 33 سنة وأن يصبح رئيساً للجمهورية. أما فريق عمله فكان يتسلّح بثقة بشير فجعل الكل يبدع في المهمة الموكولة اليه ويُفتح له المجال لاتخاذ المبادرات مع أعلى درجات الثقة والتحفيز والتمكين (Empowerment and motivation).

في مسيرة البشير يمكن اختيار أكثر من محطة تظهر روح القيادة والتي تجلت في قيادة معركة زحلة إذ ذهب شخصيّاً الى أرض المعركة (Leading by example) محفزاً وموجهاً للمقاتلين، وبعد خروجهم منتصرين وقف قائدهم جو إده في ساحة المجلس الحربي قائلا لبشير: "سيدي الرئيس نُفّذ الأمر".

يقول سجعان قزي إن بشير لا يولد مثله إلا كل مئة سنة، بالفعل فإن الظروف التي أحاطت به استطاعت أن تصقل كل صفات القيادة لديه ولا تستطيع مقالة من بعض الأسطر الإضاءة على جميع هذه الصفات. إلا ان العبرة التي يمكن استنتاجها أننا بحاجة لصناعة القادة عبر التوجيهات التربوية المنزلية والمدرسية والحزبية وقد أظهر العلم الحديث أن صناعة القادة أمر ممكن، لا يمكن للبنان أن يكون على الخارطة دونها وفي كافة المجالات ولنأخذ الصفات الأساسية من بشير ولنزرعها فينا وحوالينا لغد أفضل.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.