الحرب في أوكرانيا...

عندما يجرؤ الروس على معارضة بوتين

02 : 00

يتمتع الشعب الروسي بحسّ قومي عالٍ ويبدو أنه يدعم في معظمه الحرب في أوكرانيا. في المقابل، يتم إسكات كل من يجرؤ على التعبير عن معارضته لتلك الحرب في أسرع وقت: اعتُقِل آلاف المتظاهرين في بداية الصراع، وحُكِم على عدد كبير من النقاد بالسجن. لكن رغم هذه المخاطر، يتابع البعض استنكار "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا. هاجم ألكسي نافالني، أشرس معارِض لبوتين، تلك "الحرب الغبية" منذ احتجازه في المستعمرة العقابية التي يقضي فيها عقوبة بالسجن لتسع سنوات. لكنه ليس المعارِض الوحيد. بل تجرأ عدد صغير من الشخصيات البارزة على رفض تحركات الكرملين، لأسباب مختلفة، وأطلق البعض أحياناً محاولات يائسة للتعبير عن موقفه. في ما يلي التفاصيل...

يوري شيفتشوك: مقاوِم بموسيقى الروك






يستنكر مؤسس فرقة الروك DDT سوء استعمال السلطة في روسيا عبر أغانيه منذ أكثر من أربعين سنة، وهو يستهدف الرئيس فلاديمير بوتين منذ أكثر من عشرين سنة. خلال مقابلة متلفزة بين رئيس الكرملين وممثلين عن العالم الثقافي الروسي، في العام 2010، ضايق يوري شيفتشوك الرئيس بأسئلته حول الديمقراطية وحرية التعبير. يوم الثلاثاء 16 آب، حُكِم على هذا الرجل بدفع غرامة بقيمة 50 ألف روبل (800 يورو) لأنه شارك في "نشاط عام يهدف إلى مهاجمة قرار اللجوء إلى القوات الروسية المسلحة". تتعلق المشكلة الحقيقية بإقدامه على التعبير عن معارضته للحرب في أوكرانيا من خلال الغناء في حفل موسيقي في شهر أيار الماضي. في روسيا اليوم، لا يمكن الإفلات من العقاب عند قول عبارات مثل "الوطن والأصدقاء يستحقون الإشادة بدل تملّق الرئيس طوال الوقت"، أو "شباب أوكرانيا وروسيا يموتون بسبب خطط قيصرنا النابليونية". مع ذلك، لم يستسلم شيفتشوك في أي لحظة، فقال أمام المحكمة: "ما زلتُ أعارض الحرب في أي بلد وفي أي زمان". تُعتبر هذه الإدانة الأولى مجرّد تحذير له لأن هذا النوع من المواقف قد يكلّفه، إذا تكرر، حتى خمس سنوات من السجن. في هذا السياق، تقول غاليا أكيرمان، خبيرة في الشؤون الروسية بعد الحقبة السوفياتية: "يبدو الكرملين أكثر حذراً في تعامله مع الفنانين. هو يفضّل منعهم من العمل على سجنهم". ربما يهدف هذا الموقف المُخفّف إلى منع تسليط الضوء على ممارسات روسيا عالمياً، كما حصل حين استهدفت فرقة الروك النسائية الشهيرة Pussy Riot، في آب 2012.




مارينا أوفسيانيكوفا: الصحفية العنيدة

مارينا أوفسيانيكوفا هي «صحفية اللافتة» التي تجرأت على عرقلة النشرة المتلفزة على القناة الأولى الروسية، في 14 آذار. في ذلك المساء، وقفت أوفسيانيكوفا وراء المذيعة التي كانت تقدّم نشرة الأخبار، وحملت أمام الكاميرا لافتة كُتِب عليها بخط اليد عبارة باللغتَين الروسية والإنكليزية: «لا للحرب. لا تصدقوا الحملة الدعائية. هم يكذبون عليكم هنا». سرعان ما توقّف بث النشرة. قبل بضع دقائق على تلك الحادثة، قامت الصحفية التي كانت تسوّق أخبار الكرملين بطريقة إيجابية لفترة طويلة بنشر فيديو عبر حسابها على «تلغرام»، حيث تستنكر «حرب الإخوة التي أطلقها فلاديمير بوتين» وتدعو المواطنين الروس إلى التظاهر ضد الحرب. ثم اعتُقِلت أوفسيانيكوفا، وهي ابنة أب أوكراني وأم روسية، وخضعت للاستجواب طوال 14 ساعة. حُكِم عليها لاحقاً بدفع غرامة بقيمة 30 ألف روبل (250 يورو). سرعان ما سمع العالم أجمع بما فعلته، حتى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ذهب إلى حد عرض اللجوء السياسي عليها، لكنها فضّلت التوجه إلى ألمانيا.

ثم قررت أوفسيانيكوفا أخذ مجازفة كبرى والعودة إلى بلدها خلال هذا الصيف، حيث ضاعفت تحركاتها الهجومية. هي لم تتردد في رمي ثلاث دمى ملطّخة بالدم أمام الكرملين، في 15 تموز، تزامناً مع رفع لافتة كُتِب عليها: «بوتين قاتل والجنود فاشيون. 352 طفلاً ماتوا حتى الآن. أي عدد يجب أن يُقتَل بعد كي توقفوا ما تفعلونه»؟ في 9 آب، اعتُقِلت أوفسيانيكوفا ثم وُضِعت تحت الإقامة الجبرية لمدة شهرَين. هي تنتظر الآن المثول أمام القاضي.





يفغيني رويزمان: معارِض للغزو "المجحف"

سبق وحُكِم على يفغيني رويزمان بدفع ثلاث غرامات لأنه تكلم عن «غزو أوكرانيا»، لكنه لم يتراجع عن مواقفه حتى اعتقاله، يوم الأربعاء 24 آب، على يد عشرة رجال شرطة بِزيّ قتالي. هو لا يكف عن اعتبار التدخل في أوكرانيا «حرباً» فعلية عبر قناته على يوتيوب، ويتكلم منذ اليوم الأول عن إطلاق غزو «مجحف ووحشي ضد أشقاء البلد». بعد إطلاق سراحه في اليوم الذي تلا اعتقاله، لم يعد يُسمَح له بالمشاركة في مناسبات عامة أو التواصل مع أشخاص من خارج عائلته.

كان رويزمان، صاحب الشعبية الواسعة، عمدة مدينة «يكاترينبورغ»، حيث يقيم حتى الآن، بين العامين 2013 و2018.

غالباً ما يرتدي سترة جلدية ويحب جمع الأيقونات الأرثوذكسية. كان يحمل في مرحلة معينة حلماً بأن يصبح حاكم منطقة «سفيردلوفسك»، لكن وضع النظام فيتو عليه. تقول غاليا أكيرمان: «تظن الشخصيات المعروفة أن شهرتها كافية لحمايتها. لكنّ ظروف مغنٍ مثل شيفتشوك لا تنطبق على رجل سياسي مثل رويزمان». كان هذا الأخير متخصصاً في إطلاق «حملة دعائية مضادة ووحشية»، وقد حوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة لنشاطاته. هو أوضح في أحد الفيديوات، عبر حسابه على تويتر، أسباب اعتقاله فور خروجه من السجن، فأعطى السلطات مبرراً لاعتقاله مجدداً.





إيليا ياشين: متمرد دائم

سلّم إيليا ياشين نفسه للسلطات بعد اعتقاله، في شهر حزيران، بتهمة «عصيان الشرطة». هو نائب مستقل لرئيس بلدية منطقة إدارية في موسكو، وناقد لاذع للرئيس بوتين، ومعارِض للحرب في أوكرانيا.

بعد مرور بضعة أيام على اعتقاله، اتُّهِم «بنشر معلومات كاذبة حول الجيش الروسي» ووُضِع في الحبس الاحتياطي. على غرار صديقه ألكسي نافالني المسجون منذ شباط 2021، أصبح هذا الرجل البالغ من العمر 39 عاماً متأكداً من المصير الذي ينتظره، فهو خالف قراراً رسمياً صدر عن الكرملين حين وضع «العملية العسكرية الخاصة» في خانة «الحرب». لهذا السبب أيضاً، حُكِم على مسؤول مُنتخَب آخر في بلدية موسكو، ألكسي غورينوف، بالسجن لسبع سنوات، في 8 تموز.

لكن تتعلق أكبر تهمة في سجل ياشين بتأسيس الحزب الليبرالي «سوليدرنوست»، في العام 2008، بالتعاون مع الوزير والنائب السابق بوريس نيمتسوف وبطل الشطرنج غاري كاسباروف، بهدف إعادة إحياء حرية التعبير في روسيا. لكن تعرّض الحزب لضربة موجعة بعد نفي كاسباروف في العام 2013 واغتيال نيمتسوف في العام 2015. يخضع ياشين لرقابة مشددة من جانب الكرملين، وقد اضطر للاستقالة من منصبه كرئيس المجلس البلدي في صيف 2021، قبل أن توقفه السلطات هذا الصيف. لكنه أعلن خلال جلسة محاكمته في 13 تموز: «لا تخافوا من هؤلاء الأوغاد. روسيا ستتحرر»! لكن هل ستعطي تضحيته بنفسه أي أثر سياسي حقيقي؟




أوليغ ديريباسكا: أوليغارشي قلق على أعماله

يعارض أوليغ ديريباسكا الحرب في أوكرانيا لأسباب اقتصادية. هو لا يريد أن يتحدى سلطة فلاديمير بوتين الذي كان مقرباً منه وفق بعض المصادر. بعد أيام قليلة على بدء الغزو، دعا ديريباسكا إلى السلام عبر رسالة على "تلغرام". تجدر الإشارة إلى أن العقوبات التي فرضها الغرب على البلد بدأت تشلّ الاقتصاد الروسي، ما يعني أن تتأثر نشاطات شركة الألمنيوم العملاقة التي يملكها، Rusal. في نهاية شهر حزيران، وصف ديريباسكا الهجوم بعبارة "الخطأ الفادح". برأيه، لا مصلحة لروسيا في غزو أوكرانيا، وقد دمّرت هذه العملية خلال أسابيع قليلة "كل ما تحقق بعد العام 2000". تكثر المخاوف التي يحملها "ملك الألمنيوم" إذاً، بانتظار ما سيؤول إليه الوضع. منذ بداية الصراع، عُثِر على جثث عدد من الأوليغارشيين في ظروف غامضة، مع أنهم لم يعبّروا عن اعتراضهم على التدخّل في أوكرانيا علناً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.