واين هسيه

أوروبا تبحث عن جوهرها في الصراع الروسي - الأوكراني

21 أيلول 2022

المصدر: newslines magazine

02 : 00

كتب الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، في رسالة علنية وجّهها إلى صحيفة "زود دويتشه تسايتونج" بعد بضعة أشهر على محاولة فلاديمير بوتين الفاشلة الاستيلاء على كييف، أن هدف السياسة الأوروبية يتوقف على عدم خسارة أوكرانيا هذه الحرب، ودافع في الوقت نفسه عن مواقف ألمانيا الحذرة وتشكيكها بالقوة العسكرية. برأي هابرماس، جاءت أزمة أوكرانيا لترسّخ بكل بساطة اقتناعه بحاجة الاتحاد الأوروبي إلى قدرات عسكرية مستقلة، بعيداً عن قوة الأميركيين غير الجديرين بالثقة. وفي مؤشر لافت على التوافق الفرنسي الألماني، أعلن الفيلسوف بيرنار هنري ليفي بكل حماسة أن فولوديمير زيلينسكي هو "الأب المؤسس الجديد لأوروبا، صاحبة المبادئ"، وأضاف أن "العالم الحر" بحد ذاته أصبح على المحك في أوكرانيا.

قد تبرّر المقاومة الأوكرانية القوية والجهود العسكرية الروسية الفوضوية تفاؤل هذا النوع من "الفلاسفة" القاريين، رغم جميع الكوارث التي شهدها العقد المنصرم وبلغت ذروتها مع الانسحاب الأميركي الكارثي من كابول في السنة الماضية. هل سيواجه بوتين أخيراً مصيره الحتمي بعدما تولى تخريب النظام الدولي الليبرالي طوال عقود ونشر الفوضى في مناطق متنوعة، من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى سوريا وأوكرانيا؟ وهل سنشهد على نقطة تحوّل تاريخية تتماشى مع رؤية ليفي وهابرماس؟ أم أن الوضع الراهن يؤكد قيام أسس النظام الجديد في حقبة ما بعد الليبرالية على الهيمنة العسكرية الأميركية في أوروبا وتجدّد النزعة إلى إعادة التسلح القومي في أوروبا، حيث يبقى التردد المزمن نتيجة تكاثر الذخائر الدقيقة وغير المكلفة العائق الوحيد أمام هذه الجهود؟


نحن نعيش اليوم في حقبة ما بعد الليبرالية التي تتزامن مع تراجع إمبريالي اتّضحت معالمه في طريقة الانسحاب الأميركي الفاشلة من كابول في الصيف الماضي. تَوّجَت تلك الكارثة عقوداً من الإخفاقات المنهجية على مستوى الحوكمة، بدءاً من هجوم 11 أيلول والحروب المرتبطة به، وصولاً إلى الأزمة المالية في العام 2008 وسياسة مكافحة أزمة كورونا. هذه التطورات كلها شوّهت صورة النخبة السياسية الأميركية، في المعسكرَين الجمهوري والديمقراطي، وفي الأوساط العسكرية والمدنية في آن. لكن يظن هابرماس وأمثاله أن نجاح أوكرانيا يجدّد الآمال بنشوء أوروبا جديدة بعد تلاشي الشخصيات البطولية النموذجية، وتملك هذه النسخة الأوروبية قدرات عسكرية كافية للتصدي للاعبين خارجيين أشرار من أمثال بوتين (أو دونالد ترامب)، تزامناً مع تجنب النزعة القومية الخطيرة التي كانت سائدة في القرنَين التاسع عشر والعشرين على مستوى التسلّح. لكن برأي النُخَب الأميركية في أوساط السياسة الخارجية، لا تُعتبر الحرب في أوكرانيا فرصة لتحقيق الرؤية الأوروبية المثالية.

تتعدد الأطراف التي تتابع البحث عن نتيجة حاسمة للمعركة الراهنة في أوكرانيا. أصبحت كييف وأوديسا آمنتَين اليوم، مع أن الكرملين قد لا يدرك هذا الواقع حتى الآن. في الوقت نفسه، يتكلم زيلينسكي وعدد من حلفائه الأميركيين في أوساط السياسة الخارجية علناً عن تحرير شبه جزيرة القرم من سطوة الروس. لكن يجد الأوكرانيون صعوبة في جمع القوات اللازمة لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة لتحرير خيرسون، فكيف بالحري طرد القوات الروسية من شبه جزيرة القرم؟ قد يسمح استمرار تدفق الأسلحة الثقيلة من حلف الناتو واستنزاف القوات الروسية بتسهيل هذه العمليات على المدى القريب أو المتوسط، لكن يحمل الصراع حتى الآن جوانب من التردد المزمن كتلك التي شهدتها صراعات أخرى حيث يستطيع المقاتلون في المعسكرَين استعمال قوات عسكرية تقليدية فاعلة، كما حصل في الحرب بين إيران والعراق، أو المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، أو حرب "تيغراي" في إثيوبيا. في آخر 40 سنة، وحدها الولايات المتحدة تمكّنت من تدمير جيش تقليدي آخر في ساحة المعركة (في العراق مرتَين).

في السنوات العشرين الأخيرة، لم تُركّز التحليلات المرتبطة بالتراجع الإمبريالي الأميركي على أوروبا، بل على صعود الصين. قد تتداخل الملفات في بعض المناسبات، كما حصل مثلاً حين زاد اهتمام تايوان بمسائل الدفاع المدني بعد غزو بوتين. وكما هو الوضع في أوكرانيا، تنجم مكانة تايوان كنقطة اشتعال عن قرارات القادة السابقين بالتخلي عن الأسلحة النووية مقابل ضمانات غامضة من الولايات المتحدة. كان اتفاق السلام في الدوحة بين واشنطن وحركة "طالبان" نتيجة شبه منطقية لهذه النزعة، أو تبريراً استراتيجياً على الأقل للكارثة الأميركية في كابول خلال الصيف الماضي. لكن تؤكد الأزمة الراهنة في أوكرانيا استمرار أهمية أوروبا بالنسبة إلى القوة الأميركية الإمبريالية. قد يعتبر السيناتور الجمهوري توم كوتون من ولاية آركنسا الأحلام بنشوء جيش الاتحاد الأوروبي ونضاله في سبيل نزع الأسلحة مستبعدة، لكنه يدعم فكرة هابرماس المرتبطة بضرورة ألا تخسر أوكرانيا هذه الحرب.

لكن يؤكد اغتيال رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي، في الفترة الأخيرة وجود مشكلة أعمق يواجهها النظام الليبرالي الذي يطوّره واضعو النظريات الأوروبيون من أمثال هابرماس. على مستويات عدة، كشف النفوذ الذي اكتسبه آبي ضعف الرؤية الليبرالية التي يتكلم عنها هابرماس وزملاؤه، فقد حاول هذا الزعيم أن يبعد اليابان عن أسس السياسة الخارجية الراسخة في النزعة السلمية التي انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية ونجح في مساعيه. يبدو أن قاتل آبي كان يكره علاقاته مع "كنيسة التوحيد الكورية" المثيرة للجدل، فهي تحمل في جوهرها جذوراً معادية للشيوعية. في المقابل، تكشف إشادة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، بشينزو آبي كمؤسّس للتحالف الرباعي (تحالف استراتيجي يشمل أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة) أن القوى السياسية القومية تصطف مع الديمقراطيات التي تتحدى القوة الشيوعية الصينية.

يتّضح هذا الوضع في تايوان تحديداً، حيث طوّرت تساي إنغ ون علاقة وثيقة مع آبي اليميني، نظراً إلى الروابط التاريخية المعقدة مع الإمبراطورية اليابانية والحسابات الجيوسياسية الواقعية. كذلك، أبدت الحكومة التايوانية الراهنة اهتماماً متزايداً بحملة إعادة التسلّح التي قادها آبي في اليابان واتضحت معالمها عند عودة الحاملات اليابانية ثابتة الجناحَين إلى المحيط الهادئ.

لن تؤدي حملة إعادة التسلح في المحيط الهادئ إلى وضع حد لنهاية التاريخ العسكري بالضرورة. أنتجت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان منذ فترة توقعات هائلة، لكن لم تندلع الحرب على أرض الواقع بعد. وحتى الحصار البحري الصيني على تايوان يجب أن يتجاوز الضعف المتزايد في منصات مكلفة مثل السفن القتالية السطحية، مقابل ظهور مجموعة كبيرة من الصواريخ الرخيصة والمدمّرة والمضادة للسفن، وحتى الغواصات إذا قرر الأميركيون و/أو اليابانيون التدخل. خلال آخر صراع بحري كبير بين خصمَين شبه متساويَين (حرب الفوكلاند)، أحدثت إحدى الغواصات في البحرية الملكية خسائر فادحة في صفوف القوات البحرية الأرجنتينية. في المقابل، كادت قوة جوية أرجنتينية ومزوّدة بخمسة صواريخ "إيكسوسيت" وقنابل شائبة أن تهزم القوة الاستطلاعية التابعة للبحرية الملكية.

لقد أصبح التفوق الأميركي البحري في المحيط الهادئ جزءاً من الماضي، لكنّ الفكرة القائلة إن هذا الوضع مرادف لتوسّع الهيمنة الصينية في المساحة المعروفة باسم "سلسلة الجزر الأولى" تفترض نجاح الحزب الشيوعي الصيني في تجاوز النزعات التكنولوجية والعسكرية التي انتشرت منذ عقود ولطالما كانت تصبّ في مصلحة المدافعين. عملياً، يثبت عجز الحزب الشيوعي الصيني عن الخروج من مستنقع السياسات غير المنطقية التي يتبناها البلد لمكافحة أزمة كورونا أن النظام ليس محصّناً ضد المشاكل المتوسعة التي تنذر بنهاية التاريخ وتتزامن مع تراجع قدرات الدولة في ظل التحديات العالمية المعقدة.

برأي الأميركيين، تترافق نهاية التاريخ مع بحثٍ مزمن أو يائس عن معنى الأحداث. قد ينسج هابرماس وزملاؤه الأوهام حول الاتحاد الأوروبي المثالي، لكن ما هو الخطاب الشامل الذي يستطيع توحيد الطبقة السياسية الأميركية؟ لم تنجح أقوى الأحداث في تحقيق هذا الهدف، ولا حتى هجوم 11 أيلول وتداعياته، أو انتخاب باراك أوباما، أو حركة "استرجاع العظمة الأميركية" بقيادة ترامب، أو محاربة حملات التضليل الفاشية، أو مكافحة الوباء، أو مساعدة الأوكرانيين في حربهم التي يتوقف عليها صمودهم القومي. اليوم، يعلن الليبراليون دعمهم أوكرانيا، ويتذمر اليمينيون في حقبة ما بعد الليبرالية من النزعات الثقافية الرائجة، ويلقي الواقعيون محاضرات حول الأسلحة النووية والظروف الجيوسياسية، تزامناً مع نشر فيديوات ومحتويات مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي. حتى أن البعض يطرح أدلة مباشرة عن خطابات معينة حول الحرب. فيما يتمتع الأميركيون بالأمن داخل حدود بلدهم ويستفيدون من المحيطات حولهم ومن أخطر سلسلة قتل في العالم، ليس مفاجئاً أن يطغى الارتباك على الثقافة الأميركية التي تتأثر بتوجهات وسائل الإعلام. لكنّ الوقائع الصعبة التي تفرضها الأسلحة المضادة للدبابات ومدافع الهاوتزر وأنظمة الصواريخ تبقى جزءاً من المعركة، سواء استُعمِلت بنيّة حسنة أو سيئة، علماً أن حكمة القادة الأميركيين على مر العصور لطالما كانت متفاوتة في المغامرات الخارجية.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.