ماركوس أندريوبولوس

الحدود الصينية ـ الهندية: خط مواجهة جديد للتحالف الرباعي

11 تشرين الأول 2022

المصدر: The Diplomat

02 : 01

رئيس الوزراء ناريندرا مودي والرئيس شي جين بينغ في مدينة شيآن | الصين

لطالما اعتبر تحالف "الحوار الأمني الرباعي" نفسه منتدى لتكثيف التعاون بين أعضائه الديمقراطيين الأربعة: أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة. اتّضحت هذه الغاية خلال أحدث قمة جمعت بين رؤساء الحكومات في أيار 2022 والبيان المشترك الصادر عنها، فطرح المعنيون تفاصيل حول المسائل التي تريد هذه الدول التعاون فيها، بدءاً من تسليم لقاحات كورونا وصولاً إلى معالجة المخاوف المناخية.



لكن تزداد صعوبة تجاهل الرسائل الخفية التي تُوجّهها تلك البيانات إلى الصين، لا سيما عند مناقشة مسألة السلام والاستقرار في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. تتعدد النزاعات التاريخية أو المخاوف الاستراتيجية المعاصرة التي تُهدّد الحفاظ على الوضع الراهن، ويمكن اعتبارها دوافع محتملة لأي صراع مستقبلي.

لكن تبقى ولاية "لداخ" من الخلافات الأكثر إلحاحاً اليوم. تقع هذه المنطقة في شمال الهند وجنوب غرب الصين، بين أكبر ديمقراطية وأكبر أوتوقراطية في العالم، وبدأت تتحول سريعاً إلى خط مواجهة للتحالف الرباعي.

تكلّم الكثيرون عن احتمال غزو الصين لتايوان قريباً، لكنّ التفاوت الواضح في القدرات العسكرية وغموض الرد الأميركي المحتمل يطرحان تساؤلات حول قدرة الجزيرة الصغيرة على مقاومة جيش التحرير الشعبي. في الوقت نفسه، تشكّل منطقة "لداخ" جزءاً من إحدى دول التحالف الرباعي ولا يحدّها إلا "خط السيطرة الفعلية" الذي رُسِم غداة الصراع الوحيد بين الهند والصين.

تلاشى اهتمام العالم بهذه المنطقة في السنتين اللتين تلتا حادثة وادي جالوان، لكن تعني التعبئة غير المسبوقة وبناء هياكل عسكرية على طرفَي الحدود أن احتمال تجدد الاشتباكات يبقى مرتفعاً. سيكون أي صراع شامل في "لداخ" كارثياً على أمن المنطقة والعالم، لكن لا يصعب فهمه بقدر ما يظن الكثيرون.

بعد سيطرة الصين على مساحات إضافية من "لداخ"، يزداد احتمال تكثيف التواصل بين شينجيانغ وإسلام أباد، بما يفوق الرابط الذي يضمنه الطريق السريع الشمالي. حتى أن توسيع السيطرة على "لداخ" قد يُسهّل على جيش التحرير الشعبي الوصول إلى 3595 كيلومتراً من الطرقات الحدودية الحديثة، ويمكن استعمالها في هذه الحالة لبلوغ الهند مباشرةً في حال اندلاع حرب شاملة.

لكن تحمل "لداخ" أهمية رمزية مختلفة، فتطرح أسباباً أخرى لتأجيج العداء بين البلدين. غالباً ما تُعتبر زيارة الدالاي لاما إلى الهند، بعد انتفاضة التبت في العام 1959 ضد احتلال الحزب الشيوعي الصيني، جزءاً من أسباب الحرب في العام 1962، وتأتي زياراته المتكررة إلى "لداخ" لِتُذكّر الجميع باستعداد الهند الدائم لتقديم ملاذ آمن للمرشد الروحي. ستكون إعادة ترسيخ النفوذ الصيني في "لداخ" ضربة موجعة للجماعة البوذية في المنطقة، حتى أن استرجاع الأرض التي يطالب بها الحزب الشيوعي الصيني قد يسمح للصين بمتابعة المسار الذي أطلقه الرئيس شي جين بينغ.

إذا أراد الحزب الشيوعي الصيني أن يقود أهم قوة عظمى في العالم بحلول العام 2049 (تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية)، سيكون حل النزاعات على الأراضي بطريقة تفيد بكين بالغ الأهمية. قد يستفيد البلد أيضاً من تشويه سمعة الهند وإضعاف مكانتها العالمية، فهي حليفة الولايات المتحدة وعدوة الصين إقليمياً. في المقابل، تُصِرّ الهند على عدم تنازلها عن شبر واحد من أرضها للصين. لكنّ هذا الموقف يجعل السلام بعيد المنال طالما تتابع بكين استعمال "تكتيكات المنطقة الرمادية" على الحدود.

تحمل بكين ونيودلهي رؤية مختلفة حول مكان "خط السيطرة الفعلية". لكن بدل ترسيم المنطقة بالتراضي، يترك الجنود المشاركون في الدوريات الحدودية وراءهم علب سجائر فارغة، ومعلبات غذائية، ومجموعة صحف، لتحديد معالم المساحة التي يعتبرها كل طرف أرضاً له. نتيجةً لذلك، لا تبدو عمليات التوغل والاجتياح غزواً مباشراً بقدر ما تعكس لعبة نفوذ سلسة من جانب الجيش المعتدي. يُعبّر الحزب الشيوعي الصيني عن استيائه من السياسة الخارجية الهندية أو يأمل في إجبار نيودلهي على التصرف بطريقة معيّنة، فيلجأ إلى هذه التحركات الحذرة لتذكير جيرانه في الجنوب بحجم قوته ونطاق وجوده.

في الأشهر الأخيرة، اتّضح نجاح هذه الاستراتيجية الصينية حين التزمت الهند الصمت في ملف تايوان منعاً لإعاقة مسار المفاوضات الحدودية الثنائية. لكن بقي ذلك النجاح محدوداً، وسرعان ما عبّرت الهند لاحقاً عن مخاوفها من إقدام الصين على "عسكرة مضيق تايوان".

رغم ذلك النجاح العابر، يُصِرّ جيش التحرير الشعبي على التمسك بموقعه على الحدود وينوي على ما يبدو أن يتوغل في الأراضي الهندية تدريجاً. ستكون هذه الأرض بالغة الأهمية بالنسبة إلى شي جين بينغ، إذا نجح في ترسيخ صعود الصين وتبرير العودة إلى الحدود المتعارف عليها منذ عهد سلالة تشينغ. وستكون عسكرة المنطقة بطريقة عدائية جزءاً من الوسائل التي تسمح بتحقيق هذه الغاية.

لطالما كانت الوسائل الأخرى التي يلجأ إليها جيش التحرير الشعبي لزيادة سطوته على "خط السيطرة الفعلية" أقل تطوراً بكثير. عمدت الصين إلى تسليح البدو الذين يعبرون الحدود الجبلية بين البلدين منذ قرون، ويتم إرسالهم في المقام الأول إلى الأرض الهندية بمرافقة جيش التحرير الشعبي من مسافة قريبة. هذه الاستراتيجية المبنية على التوغل البطيء تناسب الحزب الشيوعي الصيني الذي يستفيد على ما يبدو من إضعاف "خط السيطرة الفعلية"، وهو يمتنع في الوقت نفسه عن تجاوز عتبة الحرب ويختبر جرأة الهند في النزاعات على الأراضي. تنعكس هذه التحركات سلباً على جماعات البدو الهندية، فهي تعجز اليوم عن الوصول إلى الأرض التي كانت تستعملها منذ أجيال بعد بناء مناطق عازلة جديدة رداً على التقدم الصيني. نتيجةً لذلك، تستمر هذه المرحلة المطولة من الاضطرابات والتوتر، حيث يستطيع أي حادث خطير آخر أن يقرّب القوتَين النوويتَين من حافة الحرب.

توضح هذه التحركات كلها أن الحزب الشيوعي الصيني أصبح مستعداً لخوض صراع جديد في المناطق الجبلية. إذا أطلق الجيش الهندي رداً من أي نوع، يملك جيش التحرير الشعبي نقاطاً عسكرية كثيرة تربط بينها الطرقات والجسور المبنية حديثاً، وهو يستطيع استعمالها لإعادة التزوّد بالمعدّات وخوض مناوشات مطوّلة. في المقابل، تتكل الهند بشكلٍ أساسي على دعم شعب "لداخ" الذي يتقاسم نقاطاً مشتركة كثيرة مع سكان التبت من الناحية الثقافية. استقر الهاربون من الاحتلال الصيني في العام 1959 في "لداخ"، ووجدوا ملاذاً آمناً في المساحة التي باتت تُعرَف باسم "التبت الصغيرة"، وجلبوا معهم قصصاً وحشية عن أعمال القمع والعنف التي اختبروها على يد الحزب الشيوعي الصيني. نتيجةً لذلك، لم تُحقق القوة الصينية الناعمة أهدافها حين حاولت أن تكسب الدعم للصين في "لداخ" من خلال تعطيل أي تغطية إذاعية سلبية ومتابعة البث من محطاتها الخاصة. لكن لن يكون غياب الدعم الشعبي للصين في "لداخ" كافياً لإخماد الاضطرابات على الحدود، ولن يكفي على الأرجح لكبح طموحات الحزب الشيوعي الصيني في المنطقة.

يرتكز حلف الناتو على مبادئ المادة الخامسة التي تطالب كل دولة بتقديم دعم عسكري فوري في حال تعرّض أي عضو لهجوم مسلّح. لكن يخلو اتفاق التحالف الرباعي من هذا الشرط المسبق، ما يعني تحرير اليابان وأستراليا والولايات المتحدة من هذا الواجب إذا قرر جيش التحرير الشعبي أن يغزو الهند. لكن بعدما أصبح تهديد الغزو الصيني يلوح في أفق تايوان، يُفترض أن يدرك قادة الدول الأربع الرسالة التي يحملها الجمود للحلفاء والخصوم على حد سواء. بدأت الولايات المتحدة تُلمِح في مناسبات متزايدة إلى تخلّيها عن سياسة الغموض الاستراتيجي التي تعتمدها منذ وقت طويل في ملف تايوان، وتبدو بكين مستعدة لخوض مواجهة عسكرية مع الصين في الجزيرة إذا اندلع صراع مماثل.

لكن قد تكون الحرب مع الصين قريبة من دول التحالف الرباعي أكثر مما افترض الكثيرون سابقاً. منذ العام 2020، تابع الحزب الشيوعي الصيني تعبئة قواته العسكرية على طول "خط السيطرة الفعلية"، ورفض أن يوقف مساره بعد ترسيخ اصطفاف الهند مع الولايات المتحدة، علماً أن هذا التنسيق سيبلغ ذروته خلال تدريبات عسكرية مشتركة بين نيودلهي وواشنطن في شهر تشرين الأول الحالي. يثبت استمرار الانتهاكات الحدودية، رغم زيادة أهمية التحالف الرباعي، أن الحزب الشيوعي الصيني يشكك بقيمة التحالف من الناحية العسكرية، حتى أنه يستغل هذه التحركات الاستفزازية لاختبار ردة فعل الولايات المتحدة والدول الأخرى في التحالف الرباعي على خطواته العدائية قبل اتخاذ أي قرار بإعادة توحيد تايوان بالقوة.

خلال سنتين ونصف بعد حادثة وادي جالوان، لا تزال منطقة "لداخ" خط مواجهة للهند ودول التحالف الرباعي أيضاً. لكن قد لا تكون البيانات المشتركة التي تؤكد دعم التحالف القوي لسيادة جميع الدول ووحدة أراضيها كافية لمنع اشتباك آخر وأكثر خطورة في المرحلة المقبلة.