جيريمي والاس

ما وراء طموحات الصين المفرطة

21 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

سفينة مخصصة للشحن تابعة لشركة Cosco Shipping في ميناء Yangshan Deep Water بشنغهاي | الصين، 24 نيسان 2022
في معظم مراحل العقود الأربعة الماضية، كان النمو الاقتصادي الإنجاز الأساسي الذي تتكل عليه الحكومة الصينية. برّر الحزب الشيوعي الصيني أسلوب حُكمه ضمناً عبر التشديد على نموه المتوسّع. ومنذ أن كشفت القيادة الصينية عن النمو السنوي الذي تصبو إليه للمرة الأولى، في العام 1985، لطالما حقّق البلد هدفه أو تجاوز العتبة المقترحة سنوياً، باستثناء العام 1989.

كانت هذه المقاربة مبررة في الماضي، فهي منحت الحزب الشيوعي الصيني طريقة لتشجيع المسؤولين الأقل مستوى على تحقيق النمو بوتيرة سريعة، شرط أن تبقى هذه العملية تحت السيطرة. لكن مع مرور الوقت، استلزم بلوغ الهدف السنوي المحدد إنفاقاً مفرطاً، ما أدى إلى تراكم ديون غير قابلة للاستمرار، وتفريغ المباني، وتفاقم التلوث. بعد اضطراب الاقتصاد العالمي بسبب أزمة كورونا، لم تُحدد الحكومة أهدافاً نموذجية للنمو في العامَين 2020 و2021. شكّلت هذه الفترة الفاصلة فرصة للابتعاد عن تلك الممارسات البالية والتكيّف مع واقع الاقتصاد الصيني الذي يزداد تعقيداً في القرن الواحد والعشرين. لكن في آذار 2022، أعلنت الحكومة الصينية مجدداً عن هدفها السنوي، فهي تصبو إلى تحقيق نمو بنسبة 5.5%: إنه هدف طموح ومن المستبعد أن يُحققه البلد. حتى أن تأخّر الحكومة الصينية في نشر البيانات الاقتصادية، وفق الجدول المحدد في تشرين الأول الحالي، يشير إلى المصاعب التي يواجهها الرئيس شي جين بينغ للتوفيق بين التركيز الحصري على التنمية، والرغبة في تحقيق نمو أكثر إنصافاً.

أهداف غير واقعية


عبّر الرئيس الصيني عن رؤية محورها إنشاء اقتصاد أخضر عادل، ومبتكر، ومُوجّه نحو الخدمات. هو يريد أيضاً أن يفصل اقتصاد البلد عن الاستثمارات العقارية المبنية على المضاربات باعتبارها محرك النمو الأساسي اليوم. لكن يصعب تحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع.

في السنة الماضية، أعلن شي جين بينغ عن مجموعة من التنظيمات الجديدة في قطاع التكنولوجيا الصيني، وكان يهدف من خلالها إلى استرجاع قوة هذا الجزء المتوسّع من الاقتصاد. هذه الخطوة زعزعت ثقة المستثمرين وسبّبت خسائر تفوق قيمتها التريليون دولار، تزامناً مع العجز عن إعادة توزيع الموارد أو تحسين مظاهر المساواة. يبدو أن الهدف من إعادة تحديد الناتج المحلي الإجمالي المستهدف يتعلق إذاً بإثبات التزام الصين المستمر بتحقيق النمو أمام المستثمرين، والبيروقراطيين، والرأي العام، رغم القرارات التي اتخذها الرئيس الصيني.

لكن لم تبذل الحكومة الصينية جهوداً كافية لتحقيق الهدف المنشود. كانت سياسة «صفر إصابات» التي اعتمدتها الصين لمكافحة جائحة كورونا تهدف مثلاً إلى إبقاء معدل الإصابات منخفضاً، من خلال إجبار المصابين على البقاء في الحجر الصحي، وفرض قيود صارمة على من يلتقطون الفيروس أو يحتكّون بالمصابين به. انعكست هذه المقاربة إيجاباً على صحة الشعب الصيني، على مر العامَين 2020 و2021، فبقي عدد الوفيات بسبب الفيروس أقل من 5300 خلال تلك الفترة، وفق الإحصاءات الرسمية. قد لا تكون البيانات الصينية صادقة بالكامل، لكن يبقى أي رقم قريب من تلك الإحصاءات مبهراً. سجّلت ولاية فلوريدا وحدها أكثر من 63 ألف حالة وفاة بسبب «كوفيد - 19» على مر تلك السنتين، وهو معدّل أعلى من الصين بـ12 مرة تقريباً. لكن أدت سياسة «صفر إصابات» إلى تخريب الاقتصاد الصيني في الوقت نفسه.

في بداية السنة، برزت مؤشرات على احتمال أن تُخفف القيادة الصينية تدابير مقاربتها في ملف كورونا قريباً، لكن تغيّر الوضع مع ظهور متحور «أوميكرون» المُعدِي: أدى تفشي الفيروس في شنغهاي إلى قتل مئات السكان، ما دفع الحكومة إلى فرض إقفال تام لمدة ثمانية أسابيع، فباتت أُسَر كثيرة تفتقر إلى المواد الغذائية أو الرعاية الصحية. هذا الكابوس دفع رؤساء البلديات في أنحاء البلد إلى فرض الإقفال التام أيضاً عند ظهور أولى مؤشرات تفشي الفيروس في مدنهم. نتيجةً لذلك، تجمّدت النشاطات الاقتصادية، وتوقف النمو في الربع الثاني من العام 2022. عملياً، حققت التدابير الصينية لمكافحة كورونا نجاحاً كارثياً، فهي حَمَت حياة ملايين الناس لكنها دمّرت في المقابل محرك الاقتصاد المحلي.

لن تكون مقاربة «صفر إصابات» المستمرة اليوم بسيطة أو غير مكلفة. في ظل تراجع مستويات التلقيح والتشكيك بفاعلية اللقاحات الصينية، قد تتصاعد العواقب الصحية المرتقبة إذا فتح البلد مجدداً. قد يصبح معدل الوفيات هائلاً، فيموت أكثر من مليون شخص بسبب الفيروس خلال بضعة أشهر. كذلك، لا مفر من مواجهة بعض التداعيات السياسية. يكفي أن نتذكر حجم السخط الشعبي بعد وفاة لي وين ليانغ في شباط 2020. كان وين ليانغ أول طبيب يدق ناقوس الخطر في مرحلة مبكرة حول تفشي «كوفيد-19»، في كانون الأول 2019، فأثار بذلك استياء السلطات الصينية. تراجع أي سخط شعبي محتمل لأن الحكومة الصينية نجحت في إبقاء عدد الإصابات منخفضاً، تزامناً مع بلوغ الوفيات مستويات قياسية في الخارج. إذا تبنى القادة الصينيون سياسات أكثر تساهلاً وتوفي مئات آلاف الناس في المرحلة اللاحقة، من المنطقي أن يثور الشعب الصيني مجدداً وأن يتصاعد غضبه بعد ترسيخ وضعٍ طبيعي جديد في معظم البلدان الأخرى وبدء مرحلة ما بعد كورونا.

كذلك، ينجم جزء من التباطؤ الحاصل في قطاع العقارات الصينية عن طبيعة السياسات المنتقاة. تحاول الحكومة أن تُخفّض أسعار المنازل إلى مستويات مقبولة وتحافظ في الوقت نفسه على تقييم الأصول الذي يُعتبر محور ثروات الأُسَر الصينية. تتطلب هذه العملية توازناً دقيقاً في سوقٍ تبلغ قيمته 50 تريليون دولار وتلعب فيه التوقعات دوراً هائلاً. مع ذلك، تبقى الحاجة إلى اتخاذ خطوات سريعة واضحة في هذا القطاع. أصبحت عشرات ملايين الوحدات السكنية فارغة اليوم، ولم يبدأ بناء ملايين الوحدات الأخرى. دفع عدد كبير من أصحاب المنازل المحتملين ثمن وحدات سكنية قبل بنائها، ثم أهدر المهندسون تلك الأموال، ما دفع عدداً متزايداً من المشترين إلى التوقف عن دفع أقساط الرهن العقاري لمنازل قد لا تكتمل يوماً. تكلّم شي جين بينغ عن رغبته في أن تلعب الضرائب العقارية دوراً أساسياً في تغيير الرابط المعقد بين مصادر تمويل الحكومة المحلية واستثمارات المضاربة، لكن منعت قوة المواقف الرافضة توسّع هذه المقاربة في كل مكان، فاقتصرت على بعض المدن التجريبية.

عــــوامــــل مــــؤثــــرة أخــــرى

بالإضافة إلى العواقب التي سبّبتها سياسات الحكومة، تأثّر الاقتصاد الصيني أيضاً بعوامل أخرى من خارج الحدود الصينية. أدت الحرب في أوكرانيا إلى زيادة أسعار الطاقة والمواد الغذائية في أنحاء العالم، فزادت كلفة الاستيراد الصيني وتراجع الطلب على الصادرات الصينية. في غضون ذلك، عمدت البنوك المركزية في بلدان كثيرة إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، فأجّجت بذلك مخاطر هرب الرساميل إلى خارج الصين. في الوقت نفسه، قد تضعف الجهود الصينية الرامية إلى إنشاء اقتصاد مبتكر بعد زيادة القيود الأميركية على تصدير التكنولوجيا إلى الصين.

على صعيد آخر، تكثر المشاكل البنيوية في الاقتصاد الصيني. بدأ التركيز الضيّق على النمو، الذي دفع البلد إلى الأمام طوال عقود، يخسر قوته حين وصل شي جين بينغ إلى السلطة. كذلك، تفاقمت مشاكل الفساد، والتلوث، والديون المتراكمة، وجاءت حملة الرئيس الذي يسعى إلى ترسيخ سلطته لتزعزع نظام الحزب الشيوعي الصيني المتين، وتعطي طابعاً شخصياً لأركان السلطة، وتطالب بالطاعة المطلقة. عالجت هذه الخطوة بعض المشاكل السياسية، لكنها أنتجت في المقابل سياسات غير كفوءة وأداءً اقتصادياً سيئاً.

لن يكون العجز عن بلوغ النمو المستهدف في الناتج المحلي الإجمالي مرادفاً لنهاية عهد شي جين بينغ أو الحزب الشيوعي الصيني. تحظى الحكومات الاستبدادية عموماً بدعمٍ حقيقي، ويتّضح هذا الوضع في الصين تحديداً. كذلك، يُعتبر انخفاض معدل الوفيات المرتبط بأزمة كورونا في الصين مبرراً مقنعاً لتراجع النمو، حتى لو كان الشعب الصيني يجد صعوبة في التعايش مع سياسة «صفر إصابات».

لكن يبلغ معدّل بطالة الشباب اليوم مستويات قياسية، واقترب موعد استحقاق ديون المهندسين، وتبيّن أن جزءاً كبيراً من المشاريع التي كانت لتحصد قيمة تراكمية متزايدة مع مرور الوقت لا تحمل أي قيمة حقيقية.

يجب أن تتعامل الحكومة إذاً مع تراكم ديون المهندسين، ومع الحكومات المحلية التي شيّدت بنى تحتية مفرطة وشاركت في المضاربات العقارية. وبدل نقل الحوافز عن طريق الشركات، يجب أن تقدّم الحكومة المركزية المال إلى الشعب الصيني مباشرةً لزيادة مستوى الاستهلاك وإبعاد الاقتصاد عن قطاع الاستثمار. تتطلب الاختبارات الاقتصادية والسياسية الصعبة في الصين حلولاً مبتكرة ومقايضات بين القيم المتنافسة وحاجات الناس. لكن يشير العجز عن بلوغ الناتج المحلي الإجمالي المستهدف إلى حجم المصاعب التي تنتظر الصين في المراحل المقبلة.