روبرت أ بيب

حملة القصف الروسية محكومة بالفشل

24 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

حطام قذيفة أطلقت من طائرة مسيرة روسية في كييف | 17 تشرين الأول 2022
يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خسائر ميدانية وانتكاسات أخرى في أوكرانيا، لذا لجأ منذ بداية تشرين الأول إلى استراتيجية عسكرية تفرض على روسيا أن تتفوّق بطريقة حاسمة وترتكز على استعمال القوة الجوية. في أوسع حملة من هذا النوع حتى الآن، أَمَر بوتين بإطلاق سلسلة مكثّفة من الإعتداءات الصاروخية ضد عشرات المدن وشبكات الكهرباء في أنحاء أوكرانيا.

اضطر الأوكرانيون للاختباء في الأقبية والملاجئ، وتَعطّل حوالى 30% من قدرات البلد على توليد الكهرباء، ما أدى إلى انقطاع التيار في المنازل، والمستشفيات، وحتى البنية الأساسية للاقتصاد. خلال الأسابيع اللاحقة، أرسلت روسيا أسراباً من الطائرات المسيّرة لاستهداف المباني السكنية والمكاتب في كييف ومدن أخرى. أراد بوتين بهذه الطريقة أن يُذكّر الحكومة الأوكرانية بقدرته على مهاجمة المراكز السكنية الأساسية، وهو تهديد تعجز أوكرانيا عن مضاهاته لأنها تخلّصت من القاذفات السوفياتية منذ وقتٍ طويل، ولم تعد تملك أي صواريخ طويلة المدى لضرب المدن الروسية، وتتكل على عدد ضئيل من طائرات الهجوم الأرضي. يبدو أن الهدف من هذه المقاربة الروسية يتعلق بمعاقبة المدنيين وإضعافهم، على أمل إقناع القادة بالتفاوض على السلام.

لكن ستكون هذه الاستراتيجية محكومة بالفشل. كما حصل في أولى مراحل الحرب، لم يكن التفوق الروسي الجوي المزعوم كافياً لتغيير زخم المعارك ميدانياً.

فشلت الضربات الجوية التي أَمَر بها بوتين في منع التقدم الأوكراني شرقاً، مع أنها أحدثت أضراراً كبرى. وعندما بدأت تستهدف المدنيين، لم تُحقق شيئاً إلا تقوية عزيمة الأوكرانيين.

عملياً، تكشف النتيجة المتناقضة التي حقّقتها حملات القصف الروسية حقيقة أكثر أهمية عن القوة الجوية في الحروب المعاصرة. طوال عقود، كان قصف المناطق المدنية من أكثر الاستراتيجيات شيوعاً كي تُضعِف الدول معنويات الشعب المستهدف وتدفع الحكومة المعادية إلى الاستسلام. لم يكن غزو بوتين أوكرانيا مختلفاً عن هذا التوجه. لكن أثبتت عشرات الصراعات في القرن الماضي أن استخدام القوة الجوية ضد الأهداف المدنية يبقى محكوماً بالفشل في معظم الحالات. وفيما تتلقى بلدان مستهدفة مثل أوكرانيا ذخائر أرضية أكثر تقدماً، أصبحت شوائب الاستراتيجية المبنية على القوة الجوية أكثر وضوحاً.

تَحقّق تقدّم بارز في مجال الأسلحة الدقيقة في السنوات الأخيرة، وهو يهدف ظاهرياً إلى دعم القوة الجوية. لكن لم تثبت الأسلحة الدقيقة اليوم أنها أكثر فاعلية في هزم الأعداء عبر تدمير الأهداف السياسية والاقتصادية في المناطق المدنية، لأن القضاء على هذا النوع من المواقع ممكن منذ وقت طويل عبر استخدام أعداد كبيرة من القنابل غير الموجّهة. حتى أن الأسلحة الدقيقة لم تَزِد فاعلية الاستراتيجيات التي تستهدف قادة العدو.

حصل ابتكار حقيقي في القوة الجوية الدقيقة التوجيه عندما زادت أهمية استراتيجية «المطرقة والسندان» (حيث تُستعمَل القوات الجوية والبرية معاً لمحاصرة العدو وإضعافه من الجو). تُسهّل الأسلحة الدقيقة اليوم تدمير قوات العدو البرية في موقع محدد عبر القوة الجوية، وتسمح بضرب أهداف أساسية لكن أصغر حجماً في ساحة المعركة.

اتّضحت هذه الثورة في مجال الأسلحة الدقيقة وسط القوات العسكرية الأوكرانية تحديداً. قبل وصول تلك الأسلحة المتقدمة من الغرب في بداية الصيف، توسّعت قدرات الجيش الأوكراني بفضل قوة عزيمته المشتقة من فشل استراتيجية الغزو الروسي. منذ ذلك الحين، تمكّنت القوات الأوكرانية من استخدام تكتيكات «المطرقة والسندان» بطريقة مدهشة لضمان تفوّق كييف. لم تتفوق أوكرانيا في هذه الظروف بفضل القوة الجوية التكتيكية، بل بفضل الأسلحة البرية المتقدمة، مثل النظام الصاروخي «هيمارس». تتمتع بطارية كل صاروخ من هذا النوع (قدّمت الولايات المتحدة 16 قطعة منها إلى أوكرانيا، ومن المنتظر أن تصل 18 أخرى) بفاعلية كبرى وبقوة قتالية جو-أرض تضاهي طائرات «ف - 16». ونظراً إلى مرونة القوات الأوكرانية البرية ونطاق التنسيق معها، يمكن استعمالها ضد القوات الروسية أينما وُجدِت.

أوضحت روسيا، عبر أدائها في ساحة المعركة، أنها بدأت تنتقل إلى عصر الأسلحة الدقيقة للتو. شاهد العالم الأداء السيئ الذي قدّمته قوة عظمى تملك جيشاً ضخماً لكن غير مُوجّه ضد دولة أصغر حجماً تتكل على أسلحة دقيقة التوجيه. بدأ الجيش الروسي يخسر الأراضي بوتيرة ثابتة منذ أشهر، ولا شيء يثبت أن المواقع التي احتلّها هذا الجيش شرقاً وفي شبه جزيرة القرم، قبل شباط 2022، لن تصبح هشة في نهاية المطاف.

ونظراً إلى فشل حملة بوتين لمعاقبة المدنيين وزيادة فاعلية العمليات الهجومية الأوكرانية البرية، بدأ عدد كبير من المحللين يتساءل عن طريقة انتهاء الحرب. تكشف التجارب التاريخية أن الخصم الذي يقتنع باستحالة تحقيق أهداف ميدانية محددة يميل على الأرجح إلى التنازل عن الأراضي المستهدفة، ضمناً أو رسمياً، بدل تكبّد خسائر غير مبرّرة. لكن نادراً ما يكون هذا الشكل من الإكراه (أي إقناع الخصم بأن إطالة مدة الحرب غير مجدية) سهلاً أو قليل الكلفة. وحتى الإكراه الناجح يكون مشابهاً لخوض الحرب حتى النهاية من حيث المدة والتكاليف. هذا الدرس ينطبق على الحرب في أوكرانيا اليوم.

في ظل الوقائع العسكرية الراهنة، ستكون مطالبة الولايات المتحدة وحلفائها بإقناع أوكرانيا بتقبّل اتفاق في الشرق مرادفة لمطالبة الغرب بإنقاذ روسيا. إنه طلب غير واقعي لسببَين. أولاً، لن تقبل أوكرانيا بهذا الاقتراح ويُفترض ألا توافق عليه أصلاً. تتمتع القوات الأوكرانية بزخمٍ كبير، ومن المبرر أن تتوقع تحقيق مكاسب ميدانية أخرى، ومن الغباء أن يجبرها أحد على التخلي عن ورقتها الرابحة. ثانياً، قد توافق روسيا على اتفاق معيّن على المدى القريب، ثم تنتهك بنوده بكل سهولة بعد أشهر أو سنوات. باختصار، من المستبعد أن يكون أي اتفاق في شرق أوكرانيا جديراً بالثقة، إلا إذا ارتكز على آليات دعم قوية. يُفتــ رض أن تشمل تلك الآليات مجموعة من القوات العسكرية واتفاقيات تضمن احترام الحدود الدولية تحت إشراف طرف ثالث، وستكون ضرورية للتأكيد على نهاية الحرب، عبر التفاوض أو من دونه.

في غضون ذلك، يجب أن يتابع الأميركيون وحلف الناتو تقديم الدعم والدفاعات الجوية إلى أوكرانيا. قد تسمح هذه الخطوات بتخفيف جزءٍ من الأضرار التي تصيب المدنيين بسبب الاعتداءات الروسية، وتثبت أن مهاجمة مراكز المدن تقوّي عزيمة الغرب وأوكرانيا بكل بساطة. لكن يتطلب إنهاء الحرب تزامناً مع صمود النظام الراهن في روسيا إنشاء حدود عسكرية قوية لمنع روسيا من إطلاق عمليات غزو أخرى ضد أوكرانيا وأجزاء مختلفة من أوروبا الشرقية. على غرار «الستار الحديدي» خلال الحرب الباردة، سرعان ما تصبح هذه الحدود القوية ركيزة أساسية لمنع التقدم في الاتجاهَين، حتى أنها قد تمنع أي هجوم تقليدي من كلا الطرفَين عبر حرمان روسيا والغرب معاً من فرصة التوغل السريع في الأراضي.

لكن أوضح بوتين أن الصراع لا يقتصر على استعمال الأسلحة التقليدية حين صعّد خطابه وهدّد باللجوء إلى الأسلحة النووية. دقّ الكثيرون في الغرب ناقوس الخطر في ظل تصاعد مخاطر اندلاع صراع نووي. لكن سمع بوتين من مستشاريه العسكريين على الأرجح أن استعمال الأسلحة النووية لن يغيّر الوضع لدرجة أن يقلب خسارته في أوكرانيا. لا مفرّ من وصول غبار نووي إلى القوات العسكرية الروسية بحد ذاتها بعد استعمال أي سلاح نووي في ساحة المعركة، حتى أنه قد يصل إلى المدنيين الداعمين لروسيا في أوكرانيا. هذا الوضع يُسرّع انهيار المواقع العسكرية الروسية في أوكرانيا، ويُضعِف قدرة روسيا على الدفاع عن أراضيها في وجه أي تصعيد محتمل. بعبارة أخرى، قد يجازف بوتين الآن بخسارة المواقع الروسية في شرق أوكرانيا، لكنه قد يخسر أجزاء واسعة من روسيا إذا قرّر استخدام الأسلحة النووية. الأمر أشبه بالانتحار خوفاً من الموت، كما قال المستشار الألماني أوتو فون بسمارك يوماً.

لن تتمكن روسيا من عكس إخفاقاتها الاستراتيجية في أوكرانيا، مهما كانت القنابل التي تستعملها لاستهداف المدنيين فتّاكة. حين خسر بوتين الرهان المرتبط بقدرة الجيش الروسي على هزم أوكرانيا واحتلال جميع أراضيها عبر حملة الحرب الخاطفة بين شباط وآذار، وعندما ردّ الأوكرانيون والغربيون عبر تشكيل تحالف قوي للدفاع عن البلد، تراجعت الخيارات المتاحة أمام روسيا بشكلٍ شبه فوري. منذ شهر نيسان الماضي، يكتفي الكثيرون في الغرب، وحتى بوتين وقادة آخرون في روسيا، بمشاهدة التداعيات الحتمية لأول الحسابات الخاطئة التي مهّدت لهذا الفشل الذريع.

يستطيع بوتين أن يعاقب الأوكرانيين حتماً، وقد اتّضح ذلك في حملته الجوية الأخيرة، لكنه سيتكبّد خسائر متلاحقة إذا كان يفتقر إلى نسخته الخاصة من استراتيجية «المطرقة والسندان». هل سيتقبّل إذاً نشوء ستار حديدي جديد لفصل روسيا عن أوروبا، أم أنه سيتابع القتال بلا جدوى حتى النهاية ويجازف بخسارة أجزاء من روسيا؟