مارغريت أومارا

العالم الذي صنعته التكنولوجيا

هل يمكن إصلاح "Silicon Valley"؟

9 تشرين الثاني 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

المقر الرئيس لشركة Apple في كوبرتينو، كاليفورنيا | "Silicon Valley"
اليوم، تنشط ستّ من الشركات العشر الأعلى قيمة في العالم في مجال إنتاج معدات الكمبيوتر والبرمجيات وتقع في الولايات المتحدة. تنتج الشركة السابعة «تيسلا» سيارات كهربائية هي أشبه بحواسيب فائقة على عجلات. تنحدر هذه الشركات كلها من الساحل الغربي، وقد أصبحت ضخمة بفضل وعودٍ مرتبطة بتمكين الأفراد وتحسين المجتمعات، وهي تطرح شعارات مثل «غيّر طريقة تفكيرك»، أو «لا تكن شريراً»، أو «اصنع التاريخ». لا تُعتبر شركات التكنولوجيا المعاصرة مجرّد مشاريع تجارية، بل إنها مؤسسات اجتماعية تقودها أهداف ذات طابع إنقاذي.

جاءت الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في السنوات الأخيرة لتختبر قوة هذه الشعارات التفاؤلية، ما أدى إلى إطلاق حملة مكثفة للتدقيق بنماذج العمل التي تستند إلى استخراج البيانات وشكّلت ركيزة للنمو وجمع الثروات في منطقة «سيليكون فالي». نجحت منصات مواقع التواصل الاجتماعي القائمة على أنظمة الحلول الحسابية في ربط معظم فئات البشرية، لكنها ضخّمت في المقابل حملات التضليل ومظاهر التطرف السياسي. قدّمت التطبيقات على الهواتف الخلوية وسائل راحة سلسة عبر الاتكال على جيوش من العمال ذوي الأجور المتدنية. في العام 2019، طرحت واضِعة النظريات الاجتماعية، شوشانا زوبوف، مفهوماً لاذعاً وسلبياً عن تعقب البيانات: «رأسمالية المراقبة». سرعان ما استعمل عدد كبير من الكتّاب الذين حققوا أعلى المبيعات هذا المصطلح لتوجيه انتقادات لاذعة لمنطقة «سيليكون فالي» كمكان وصناعة وفكرة بحد ذاتها.

لكن رغم توسّع مظاهر التناقض العام، جاءت جائحة «كوفيد - 19» لِتُوجّه المزيد من المستخدمين نحو المنصات، ما أدى إلى تحليق قيمة سوق قطاع التكنولوجيا وزيادة ثروات مؤسّسيه. نتيجةً لذلك، اكتسبت شركات التكنولوجيا الكبرى قوة غير مسبوقة.

تُصِرّ ثلاثة كتب جديدة على تقييم وضع «سيليكون فالي». في كتاب The Internet Is Not What You Think It Is (الإنترنت ليست ما تظن)، يراجع الفيلسوف جاستن سميث أحداث الماضي لتفسير أصل الإنترنت الحقيقي وقدرة هذه الشبكة على إلهاء مستخدميها واستنزافهم وتغييرهم. وفي كتاب Work Pray Code (رمز العمل والصلاة)، تُفصّل عالِمة الاجتماع كارولين تشين ثقافة العمل الغامرة والمؤثرة في «سيليكون فالي» اليوم. وفي كتاب Dignity in a Digital Age (الكرامة في عصر رقمي)، يتطلع عضو الكونغرس الأميركي رو خانا إلى المستقبل، فيطمح إلى إعادة ابتكار الجغرافيا التكنولوجية، وإعادة تحديد مواصفات اليد العاملة في قطاع التكنولوجيا، وإعادة تشكيل البيئة السياسية.

تطرح هذه الكتب الثلاثة نظرة جديدة عن موضوعٍ أصبح بالياً الآن. ربما يعيش «آلهة التكنولوجيا» المعاصرون على عروشهم بعيداً عن الناس اليوم، لكنهم قد يستفيدون من الإصغاء إلى أفكار هؤلاء النقاد.

لم يسبق أن وضع أحد اختراع الإنترنت في سياقٍ أوسع مما فعل سميث في انتقاداته. هو يكتب في الصفحات الأولى من كتابه: «لقد أصبحنا مستهدَفين من حملة عالمية تطلقها الشركات لاستخراج الموارد، وقد بلغت هذه الجهود مستوىً لم يشهده العالم من قبل». لكن يجب ألا يعتبر أحد هذه الحملة الضخمة مجرّد نسخة أخرى من رأسمالية المراقبة. لا تنشغل «فلسفة الإنترنت» التي يطرحها سميث بتفكيك أو تدمير شركات التكنولوجيا الكبرى بقدر ما تهدف إلى «توضيح طبيعة القوة التي نتعامل معها».

برأي سميث، لم يعد الناس يستطيعون استيعاب أهمية الإنترنت نظراً إلى وفرة المعلومات التي يتلقونها يومياً. أصبح المستخدمون مشتّتين ومنفصلين عن الواقع، فهم يعيشون حياةً مبنية على التقطّع المستمر، إذ لا مفر من أن يتشوّش دماغهم بسبب أجواء القلق والذعر التي يختبرونها في مجتمع الإنترنت. يضيف سميث: «من خلال السماح للإنترنت بإجبارنا على التعامل مع سيلٍ من العناصر التافهة والمختلفة، أصبحنا عاجزين عن التركيز على أهمية الشبكة الحقيقية». تكمن ركيزة العالم الرقمي في المنصات والتطبيقات ومصادر الإلهاء المتنوعة، وهي عبارة عن قوة ملموسة لها خصائص مادية وسياسية وتاريخية.

سبق ووثّق الصحافيون المتخصصون بقطاع التكنولوجيا خصائص ثقافة العمل السائدة في «سيليكون فالي». لكن تنطلق كارولين تشين في كتابها من منظور اجتماعي مُرَكّز لطرح فكرة لها أبعاد أوسع عن بحث البشر عن المعنى والأمان في عالمٍ تستعمل فيه مجموعة صغيرة من الشركات والأفراد نفوذاً هائلاً لتحديد المسائل المهمة وهوية الفائزين في المنافسات.

يعكس صعود شركات التكنولوجيا تتويجاً ساخراً للثورة الأميركية الطويلة ضد مظاهر الضخامة المفرطة. من الواضح أن المؤسسات التي كانت تضمن تماسك المجتمعات في إطار مشترك، ولو أنه ليس متناغماً أو منصفاً بالضرورة (أبرزها الكنائس، والجماعات المدنية، والنقابات، والحكومات بحد ذاتها)، فقدت مصداقيتها أو تراجع نطاق تأثيرها بعدما استسلمت الوظائف والقطاعات المستقرة للعولمة الاقتصادية والنزعة إلى تخفيض النفقات. لكن يحتاج الناس حتى الآن إلى إيجاد معنى لحياتهم واكتشاف المغزى منها. لهذا السبب، سارع معقل جدّي ومميز وتفاؤلي على الطرف الغربي من أميركا الشمالية إلى ملء هذا الفراغ.

بالانتقال إلى كتاب خانا، يحمل هذا المرجع السياسي طابعاً مألوفاً. كان خانا مسؤولاً في إدارة باراك أوباما، وهو يمثّل «سيليكون فالي» في الكونغرس الأميركي راهناً. يعجّ كتابه بقصص إنسانية وأفكار تشريعية صاغها مُشرّع يحمل طموحاً سياسياً كبيراً واختار نشر كتابه في بداية سنة انتخابية.

برأي خانا، لا يمكن حل الأزمة التي يواجهها الأميركيون من خلال ترويض عدد صغير من شركات التكنولوجيا، بل تتطلب هذه العملية إعادة تنظيم أولويات المجتمع. يجب أن يتعلق الهدف الأساسي بحماية كرامة الإنسان، وهو مفهوم استوحاه خانا من خبير الاقتصاد الفائز بجائزة نوبل، أمارتيا سين. يكتب خانا: «لبناء ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان، تقضي خطوة أساسية بمنح الناس في جميع الأماكن فرصة لعيش حياة كريمة، بما في ذلك المساهمة في العصر الرقمي وتحديد خصائصه». هو يتكلم بأسلوب تكنوقراطي تفاؤلي مقنع ويعتبر السياسة العامة المدروسة وسيلة فاعلة لإحداث هذا النوع من التغيير. لا تتطلب هذه العملية إلا الإرادة السياسية. قد يعيش الأميركيون في العالم الذي ابتكرته «سيليكون فالي»، لكنهم يستطيعون تحسين العالم من حولهم.

أدى تَرَكُّز قوة الشركات والرساميل الثقافية في قطاع التكنولوجيا إلى إطلاق ردود أفعال شرسة، وتتّضح تداعيات هذا الوضع في الكتب الثلاثة الآنف ذكرها. لكنّ هذه الضجة كلها لم تنجح في إبطاء آلة جمع الثروات في «سيليكون فالي». شَهِد الاقتصاد الرقمي تضخماً هائلاً، وأعاق الخانات والتصنيفات القديمة، وحرّر الناس لتسهيل انضمامهم إلى الفوضى المجيدة على شبكة الإنترنت. يتذمر الأميركيون من هذه المرحلة المضطربة ويعترفون بأن مواقع التواصل الاجتماعي هي التي تُوجّههم. هم ينزعجون من تصفّح المواقع طوال الوقت ومن تراجع مستوى انتباههم، لكنهم يتكلون على المعلومات والشبكات الاجتماعية التي تقدّمها الإنترنت بدرجة يائسة وغير محدودة.

جاءت جائحة كورونا لتوضح هذه المعضلة أمام الجميع. برأي خانا، كشفت الجائحة مظاهر اللامساواة الفاضحة في «الرأسمالية الرقمية»، لكنها أثبتت أيضاً أن العمل عن بُعد قد يوزع الثروات والمهارات بدرجة أعلى من الإنصاف. في المقابل، أجرت تشين أكثر من مئة مقابلة بين العامين 2013 و2017، لذا تكتفي بمناقشة موضوع الجائحة في نهاية كتابها، لكنها تذكر أن العمل عن بُعد يسمح بتوسيع اللامساواة في «سيليكون فالي» ويُرسّخ التفاوت الاقتصادي الذي يشوب الحياة الأميركية المعاصرة. لازم التقنيون من موظفي المكاتب منازلهم بكل أمان، بينما اضطر آلاف عمّال الصيانة والسائقين والعاملين على حسابهم الخاص للوقوف في صفوف الانتظار أمام المراكز التي تقدّم طعاماً مجانياً، وحاولوا أن يتجنبوا طردهم من أماكن إقامتهم.

لكن يطرح سميث أكثر التعليقات صرامة عن الجائحة، فهو أصدر كتابه لأن فترة الإقفال التام خلال أزمة كورونا تزامنت مع احتجاز السجلات التي كان ينوي استعمالها خلال إجازته في تلك السنة. لذا اضطر لملازمة منزله، وكانت الكتب الإلكترونية والنسخ الرقمية مصادره الوحيدة، وكان يتكل على الاجتماعات عبر تطبيق «زوم» لإجراء محادثات جماعية.

يدرك سميث أن الترتيبات الخاصة التي فرضتها أزمة كورونا لم تُجدّد معايير العمل بل سرّعت النزعات التي تجعل الحياة المهنية جزءاً راسخاً من العالم الرقمي. يستنتج سميث بكل أسف: «قد نحاول اعتبار هذا الوضع شكلاً من التعويض المؤقّت، لكنّ الجائحة جعلتنا نتجاوز العتبة التي كنا نتجه إليها أصلاً».






نجحت آليات التقييم بدرجة تفوق كل ما توقّعه مصمّموها. لقد انتصر العقلانيون وجاءت الجائحة التي دمّرت المجتمعات لتُغني قطاع التكنولوجيا لدرجة أن يتبرع كبار الأثرياء بالمليارات وتزيد ثرواتهم رغم ذلك. تخبّطت الأسواق في بداية العام 2022، ومع ذلك بلغت القيمة السوقية الإجمالية لأكبر خمس شركات تكنولوجيا أكثر من خِمْس قيمة مؤشر «ستاندرد أند بورز 500». جمعت هذه الشركات العملاقة ما يكفي من الأرباح وحصص السوق للتصدي للتراجع الاقتصادي وزيادة قوتها بعد الأزمة.

لقد أصبح العالم محاصراً بنظام «الشفرة الثنائية» الذي ابتكرته «سيليكون فالي»، ما يدفع الأفراد والشركات إلى البحث عن الحلول عبر الجوانب الصوفية للأديان القديمة، منها تطبيقات الاسترخاء، وممارسات اليوغا، ومتاهات التأمل أثناء المشي، وتكون شعارات الشركات محور هذه النشاطات كلها. تُعتبر مصادر الإلهاء هذه مجرّد استراحة قصيرة بعيداً عن الحياة المعاصرة التي تترافق مع التحديق الدائم بالشاشات، والنقر على لوحات المفاتيح والهواتف الذكية، واستعمال الأدوات الرقمية التي أصبحت اليوم مندمجة مع العقل المعاصر. تعليقاً على تجربة الكتابة عبر الإنترنت، يقول سميث: «ثمة تناسق مثالي في التفاعلات بين البشر والحواسيب، وهو لا يقتصر على التنسيق بين اليد والعين، بل يشمل أيضاً شكلاً من التواصل بين اليد والعين والعالم». إنه تناغم متكامل لدرجة أن يتخذ منحىً شبه إلهي.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.