ميليندا هارينغ

هل تصمد أوكرانيا خلال الشتاء؟

16 تشرين الثاني 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

شوارع كييف غارقة في الظلام | ٢٠٢٢
منذ منتصف تشرين الأول، استهدفت روسيا البنية التحتية المدنية في أنحاء أوكرانيا مراراً، فجرّدت بذلك الإقتصاد الأوكراني من عناصره الأساسية. لا شيء في أداء المسؤول الجديد عن القوات الروسية في أوكرانيا يشير إلى تغيير هذا المسار: يُعرَف الجنرال سيرغي سوروفكين بوحشيته لدرجة أن يدعوه زملاؤه «الجنرال أرماغادون» (نهاية العالم). نجحت روسيا في مهاجمة 40% من شبكات الكهرباء الأوكرانية عبر خليط من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وقصفت منشآت الطاقة، بما في ذلك سدود للطاقة الكهرمائية، ما أدى إلى حرمان أكثر من مليون أوكراني من الكهرباء. في كييف، يفتقر 80% من السكان إلى المياه وفق مصادر عمدة المدينة. في غضون ذلك، يتوقع الخبراء أن ينكمش اقتصاد كييف بنسبة 35% على الأقل في العام 2022، وتشير التقديرات الأميركية إلى احتمال أن يصبح تسعة أوكرانيين من كل عشرة فقراء بحلول عيد الميلاد.

يُفترض أن يتذكر الغرب أحداثاً سابقة بعد الجولة الأخيرة من الاعتداءات. في العام 1948، حاصر الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين القطاع الغربي من برلين، وهي منطقة كان الأميركيون وحلفاؤهم يسيطرون عليها. كانت تلك الخطوة جزءاً من خطته الرامية إلى السيطرة على ألمانيا الموحّدة. قطع السوفيات جميع الممرات المؤدية إلى المدينة عبر سكك الحديد والقنوات والطرقات، وأحدثوا مشاكل كبرى في برلين الغربية. لكن ردّ الأميركيون والبريطانيون على الحصار سريعاً عبر إنشاء جسر برلين الجوي، فنقلوا من خلاله المواد الغذائية والفحم وضرورات أخرى إلى المدينة المحاصرة وأفسدوا بذلك الخطة السوفياتية الوحشية. بحلول أيار 1949، رفع ستالين الحصار وتأسست جمهورية ألمانيا الاتحادية خلال الشهر نفسه. هكذا حقق الغرب انتصاراً مبكراً في الحرب الباردة بفضل تماسكه القوي.

فيما يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إخضاع أوكرانيا اليوم، يواجه الغرب لحظة مشابهة لحقبة حصار برلين، ويُفترض أن يتحلى بقوة التصميم نفسها لمنع بوتين من تدمير أوكرانيا. على الأميركيين والأوروبيين أن يحرصوا على صمود أوكرانيا خلال الشتاء عبر إقرار مجموعة متنوعة من التدابير، منها تقديم مساعدات مالية إضافية، ومعدات لإعادة تشغيل الكهرباء وأنظمة التدفئة، ودفاعات جوية لحماية البنية التحتية الأوكرانية من الضربات الصاروخية الروسية المستمرة. من خلال تقديم مساعدات كافية إلى أوكرانيا، يستطيع البلد أن يتجاوز الشتاء الصعب ويستعد للتعافي رغم ترنّحه، كما فعلت برلين الغربية في العام 1949.

لكن مع بدء الشتاء في أوكرانيا التي تفتقر أصلاً إلى الكهرباء وأصبحت غارقة في الظلمة، بدأ الدعم الأميركي للبلد يتعثّر. في شهر أيلول، صوّت جميع الجمهوريين في مجلس النواب ضد قانون لتمويل أوكرانيا بقيمة 12 مليار دولار. وحذر كيفن مكارثي، زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، حديثاً من رفض الحزب الجمهوري إعطاء «شيك على بياض» إلى أوكرانيا في حال استرجع سيطرته على المجلس. وخلال تجمّع انتخابي في أيوا، في 3 تشرين الثاني، أعلنت النائبة الجمهورية عن ولاية جورجيا، مارجوري تايلور غرين، وهي المرشّحة الأوفر حظاً لمنصب قيادي في الكونغرس الجديد: «في عهد الجمهوريين، لن يصل ولو فلس واحد إلى أوكرانيا. بلدنا له الأولوية». كذلك، يذكر استطلاع رأي جديد نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» أن معظم الأميركيين يؤيدون تقديم المساعدات إلى أوكرانيا حتى الآن، لكن ارتفعت نسبة الجمهوريين المقتنعين بأن الولايات المتحدة تقدّم دعماً مفرطاً إلى 48%.

لكن لا تقتصر مشكلة كييف على شح الموارد المالية. أدى الهجوم الروسي على شبكات الطاقة الأوكرانية إلى انقطاع الكهرباء في أنحاء البلد، وتطلب الحكومة من مواطنيها أن يطفئوا الكهرباء طوعاً لتخفيف الضغط عن محطات توليد الطاقة والتمكن من إصلاحها بالشكل المناسب. يتجاوب الناس مع هذه المطالب بشكل عام. حين أطلقت روسيا وابلاً من الضربات الصاروخية في 10 تشرين الأول رداً على قصف جسر مضيق كيرتش الذي يربط شبه جزيرة القرم بروسيا، سارع سكان كييف إلى محطات البنزين للتزود بالوقود، لكن لم يحصل أي ذعر جماعي.

يريد الكرملين أن يستفيد من حملة القصف على ما يبدو لاستعمال اللاجئين كسلاح بحد ذاته وافتعال موجة نزوح جديدة إلى بولندا وأماكن أخرى خلال الشتاء. قد يُمهّد هذا الوضع لتأجيج الاضطرابات السياسية وزيادة جرأة الأحزاب اليمينية المتطرفة، علماً أن جزءاً منها يتعاطف مع بوتين. سبق وأصبحت المدن الألمانية مكتظة مثلاً بعد توافد أكثر من مليون لاجئ إليها من أوكرانيا. تُعتبر أزمة اللاجئين هذه الأكبر في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن يحافظ الأوكرانيون على روح التحدي حتى الآن. تقول أوكسانا نيتشيبورينكو، قيادية بارزة من المجتمع المدني، إن أحداً لا يشعر بالذعر، لكن يبحث أصدقاؤها وأولادهم عن أماكن أكثر أماناً ليقيموا فيها داخل أوكرانيا خلال الشتاء. تعيش نيتشيبورينكو في الطابق الرابع عشر من مبنى سكني في كييف، ويعني انقطاع الكهرباء بشكلٍ دوري أنها مضطرة لصعود السلالم طوال عشرين دقيقة قبل الوصول إلى باب شقتها في كل مرة تعود فيها إلى المبنى. منذ بدء الضربات الصاروخيـــة في 10 تشرين الأول، استأنفت المدارس التعليم عن بُعد، وهو تطور مؤسف لأن 3 آلاف مدرسة أوكرانية أعادت فتح أبوابها في 1 أيلول الماضي بعد إغلاقها منذ شهر شباط.

قالت فيكتوريا فويتسيتسكـــــا، رئيسة لجنة الطاقة السابقة في البرلمان الأوكراني، خلال مقابلة في العاصمة واشنطن، في تشرين الأول: «بوتين ليس مضطراً لاستعمال الأسلحة النووية لافتعال كارثة. لا يمكن حماية نظام التدفئة في أوكرانيا». على غرار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تدعو فويتسيتسكا الغرب منذ فترة إلى إرسال أنظمة دفاعية جوية إلى أوكرانيا في أسرع وقت ممكن، فقد كانت الأضرار التي سبّبتها روسيا منذ منتصف تشرين الأول هائلة.

يفتقر نصف سكان مدينة «تشيرنيهيف» في شمال أوكرانيا إلى المياه لأن تأمينها يحتاج إلى الكهرباء لضخها وإيصالها. في بلدة زيلينسكي الأم، «كريفي ريه»، في وسط أوكرانيا، استهدفت موسكو أحد السدود مراراً، فدفعت السكان إلى إخلاء منازلهم تحسباً لأي فيضانات محتملة في المنطقة. وفي «زابوريزهزهيا» في جنوب شرق البلاد، يفتقر نصف سكان المدينة إلى التدفئة. دعت فويتسيتسكا الجهات المانحة إلى الاستثمار في «ملاجئ التدفئة»، وهي عبارة عن قاعات عامة آمنة في المدن والبلدات حيث يستطيع السكان المبيت على مدار الساعة حين تنخفض درجات الحرارة وتفتقر المناطق إلى التدفئة أو الكهرباء. هي تشعر بالقلق أيضاً مما سيحصل إذا استهدفت الصواريخ الروسية المستشفيات، فقد يتجمّد المرضى حتى الموت. لا يمكن اعتبار مخاوف فويتسيتسكا نظرية. في شهر آذار مثلاً، تجمّد 300 أوكراني حتى الموت في «تشيرنيهيف».

على المدى القصير، يستطيع الغرب أن يساعد أوكرانيا على إصلاح شبكتها الكهربائية. بدأت ليتوانيا ترسل قطعاً تقنية (أبرزها محولات وكابلات كهربائية) لإصلاح محطات توليد الطاقة. لكن قد يمرّ وقت طويل قبل تأمين جزء كبير من القطع التي يحتاج إليها البلد بشكلٍ عاجل، إذ يجب أن تحصل البلدان الغربية على الوقت الكافي لحث الشركات على تصنيعها وإعطاء الأولوية لكييف. لكن حتى لو كان إصلاح جزء من أنظمة التدفئة الأوكرانية ممكناً، ستتابع موسكو اعتداءاتها في مطلق الأحوال. وفق الموقع الإخباري الاستقصائي Bellingcat، بدأت وحدة عسكرية سرية مؤلفة من 33 مهندساً في موسكو تُوجّه عمليات الكرملين لاستهداف البنية التحتية المدنية في أوكرانيا.

في النهاية، تقضي أفضل طريقة لحماية منشآت الطاقة والمدنيين في أوكرانيا بإرسال أنظمة دفاع جوي. منذ خمسة أشهر، تعهدت ألمانيا بإرسال أربعة أنظمة لكنها لم تسلّم إلا نظاماً واحداً حتى الآن، وهو من نوع «إيريس– تي» ويهدف إلى توفير حماية متوسطة المدى وعالية الارتفاع للمدن الصغيرة. من المتوقع أن تصل الكمية المتبقية في السنة الجديدة. تكون أنظمة الدفاع الجوي معقدة ومكلفة ويرتفع الطلب عليها، لكن أصبحت أوكرانيا بأمسّ الحاجة إليها اليوم. طلبت كييف من إسرائيل رسمياً عدداً من هذه الأنظمة، لذا حان الوقت كي تضع إسرائيل حداً لموقفها الحيادي من الحرب وتبدأ بتزويد أوكرانيا بالأسلحة التي تحتاج إليها، بما في ذلك نظام «القبة الحديدية» الإسرائيلي الشهير، فضلاً عن إرسال تقنيين لتدريب الأوكرانيين على استعمالها. تحاول الولايات المتحدة من جهتها أن تسرّع تسليم نظامَين صاروخيَين متقدمَين أرض – جو، على أن تُسلّم ستة أنظمة أخرى لاحقاً.

أخيراً، تتابع أوكرانيا التقدم في ساحة المعركة، فيما يحاول بوتين إخضاعها، ويحافظ جنودها على معنويات عالية. لكن كي يصمد البلد خلال الشتاء، لن تكون الأسلحة وحدها كافية. يسمح الطقس الدافئ ووفرة الواردات بامتلاء منشآت تخزين الغاز بنسبة تفوق التسعين في المئة، ما يضمن تراجع أسعار الوقود في أوروبا. حتى الآن، فشلت مساعي بوتين لمضايقة أوروبا في قطاع الطاقة بقدر ما فشلت مغامرته العسكرية. مع ذلك، يأمل الرئيس الروسي في أن يسأم الرأي العام الغربي من الصراع ويقنع حكوماته بالرضوخ لمطالبه. لكن بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها، يعني أي فشل في أوكرانيا مواجهة بوتين مجدداً في ساحة معركة أوروبية أخرى. كلما سارع الغرب إلى مساعدة أوكرانيا، ستزيد سرعته في كبح طموحات بوتين.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.