سلطنة عُمان تتمسّك بالحياد في الشرق الأوسط

10 : 46

تحتفظ سلطنة عمان بدرجة دقيقة من التوازن عبر تبني موقف حيادي في الشرق الأوسط، لكن تتصاعد الضغوط التي تدفعها إلى الانحياز لطرفٍ دون سواه... على غرار عدد كبير من بلدان العالم الثالث غير المعروفة، نادراً ما تجذب سلطنة عمان انتباه المجتمع الدولي. لكن يبدو أن هذا التعتيم مقصود نظراً إلى السياسة المبهمة التي تعتمدها هذه السلطنة العربية. لطالما اتكل المسؤولون العمانيون على هذا التجاهل النسبي للبلد لفرض نفوذهم من وراء الكواليس، فيتابعون التواصل مع قوى متنافسة في المنطقة، مثل إيران وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، فضلاً عن القوى العالمية التي تحارب لفرض سيطرتها في الشرق الأوسط، منها الصين وروسيا والولايات المتحدة. وفي ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة على خلفية مقتل كبير الجواسيس الإيرانيين، قاسم سليماني، بتخطيطٍ من الأميركيين، قد يصبح الدور العماني القديم كوسيط إقليمي أكثر أهمية من أي وقت مضى.


تطلق إيران حرباً باردة ضد العالم الغربي، فيما تخوض المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حرباً لامتناهية في اليمن. تتقاسم سلطنة عمان حدوداً برية وبحرية مع إيران والإمارات والسعودية، وقد نجحت في تمييز نفسها عن غيرها كجزيرة مستقرة في المنطقة. حتى أن سمعتها الحسنة، باعتبارها "سويسرا الشرق الأوسط"، سمحت للمسؤولين فيها بأداء دور الوساطة في هذه الصراعات.

كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يعتبر "خطة العمل الشاملة المشتركة" (أي الاتفاق الدولي الذي يفرض الضوابط على البرنامج النووي الإيراني) من أهم إنجازاته. لكنه لم يكن ليحقق هذا الإنجاز على الأرجح من دون مساعدة سلطنة عمان. من المعروف أن السلطنة حليفة مقرّبة من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وقد تكون الشريكة الوحيدة التي تثق بها إيران في منطقة الخليج، لذا سهّلت نشوء قناة غير مباشرة بين الدبلوماسيين الأميركيين والإيرانيين تمهيداً لعقد المحادثات التي أسفرت عن إقرار "خطة العمل الشاملة المشتركة" في العام 2015.



في ما يخص اليمن، استضافت سلطنة عمان محادثات السلام بين الاطراف المختلفة. التزمت سلطنة عمان من جهتها بتاريخها الحيادي في اليمن والمنطقة ككل، كأساسٍ لدور الوساطة الذي تتمسك به.بعدما استهدفت الولايات المتحدة مركبة سليماني في بغداد، دعت سلطنة عمان الإيرانيين والأميركيين إلى إطلاق حوار فوري منعاً لتصعيد التوتر بين الطرفين.



على مستويات عدة، تسود درجات متساوية من الحياد والغموض في هذا البلد الذي يشمل 4.9 ملايين نسمة. بشكل عام، امتنعت السلطنة عن الانحياز إلى أي طرف في مجموعة الصراعات المتوسعة في الشرق الأوسط منذ وصول السلطان العماني قابوس بن سعيد آل سعيد إلى العرش في العام 1970. لهذا السبب، لم تجد السلطنة مبرراً للمشاركة في عمليات التدخل الرنانة التي تطبع السياسات الخارجية الأميركية والإماراتية والإيرانية والسعودية. حتى الأجانب القلائل الذين يفكرون بسلطنة عمان لا يعتبرونها مصدراً للصراع بل دولة حيادية ووجهة سياحية.فيما هاجم النقاد في الشرق الأوسط والغرب القوى الإقليمية والعالمية على خلفية مشاركتها في حروب بالوكالة في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والمغرب العربي، اكتسبت سلطنة عمان سمعة حسنة عبر تعزيز الديبلوماسية الثقافية والتنمية المستدامة. حتى أنها تدعو الطلاب الغربيين إلى البلد لدراسة اللغة العربية وتُخصّص جائزة لعلماء البيئة بالتعاون مع الأمم المتحدة.



بالإضافة إلى مساهمات السلطان قابوس الأخيرة في السياسة الخارجية العمانية، تبنّى البلد مقاربة انعزالية ورافضة للتدخل في شؤون العالم، نظراً إلى خصائصه الديموغرافية والتاريخية. وعلى عكس الدول المجاورة الشيعية والسنية، يعتنق معظم العمانيين الإباضية‎ (فرع محافظ وكتوم من الإسلام يشدد على الاعتدال والتسامح). يتمسك أبناء هذه الطائفة بتقاليدهم ويميلون إلى التكتم عنها. وبعد سقوط الامبراطورية العمانية التي امتدت في الماضي من بلوشستان إلى زنجبار، أدرك القادة العمانيون مخاطر الطموحات التوسعية التي تُغرِي الدول المجاورة.



يبدو أن عدم اهتمام سلطنة عمان بخوض المنافسات المتأججة في الخليج وفي بقية بلدان الشرق الأوسط هو السبب الكامن وراء عمق صداقاتها في أنحاء المنطقة والعالم عموماً. استضافت السلطنة وفوداً من إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وعقدت اتفاقيات تجارية مع الصين وإيران وروسيا، وتلقّت مساعدات عسكرية من بريطانيا والولايات المتحدة. تَقِلّ القوى الصغيرة الأخرى التي تنجح في إقامة علاقات متوازنة مع هذا الكم من البلدان المتنافسة في الوقت نفسه.بالإضافة إلى توسّع لائحة الحلفاء وإبقاء البلد بعيداً من الأضواء، ساهمت السياسة الخارجية المتّبعة في حماية شؤون السلطنة الداخلية من التدقيق الخارجي. على غرار البلدان المجاورة لها، يبقى هامش احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير محدوداً فيها، حتى أنها تذهب إلى حد اعتقال النقاد أحياناً، ومع ذلك لم يواجه المسؤولون العمانيون انتقادات بقدر نظرائهم الإماراتيين والسعوديين. كذلك، لم يُركّز الكثيرون على مكانة البلد كنظام ملكي مطلق، ويتورط عدد كبير من المسؤولين العمانيين في أعمال التعذيب من دون أن يخافوا من التعرض للمحاسبة.



رغم المنافع المتعددة التي اكتسبتها سلطنة عمان من سياستها الخارجية، يشير التاريخ الحديث إلى انتهاء هذه النهضة العمانية قريباً. عبّرت السعودية والإمارات، أقوى دولتين مجاورتين لها، عن استيائهما من طريقتها المبهمة في اتخاذ القرارات. في العام 2011 ثم 2019، ادّعت السلطنة أنها اكتشفت حلقات تجسس إماراتية ناشطة على أراضيها. في غضون ذلك، كثّفت السعودية حملة ضغوطها لحثها على الابتعاد عن إيران.



على صعيد آخر، ينذر تحدّيان بارزان على المدى الطويل باحتمال أن تجد سلطنة عمان صعوبة في تحمّل كلفة البقاء على الحياد خلال السنوات المقبلة. يشكك عدد كبير من المحللين بمصير السياسة الخارجية العمانية بعد وفاة السلطان قابوس. يزداد مستقبل السلطنة غموضاً أيضاً بسبب تراجع احتياطيات النفط المحلية التي يمكن أن تُستنزَف بالكامل بحلول العام 2032. توقّع المراقبون أن تُموّل عائدات الوقود الأحفوري أكثر من 70% من ميزانية العام 2019، بناءً على سعر 58$ لكل برميل.


إذا أدت أي مشكلة من هذه المشاكل إلى أزمة دستورية، قد يكتشف هذا البلد الحيادي وغير المعروف أن عدد حلفائه الدائمين قليل.أمام هذه التحديات المرتقبة، قد تحاول سلطنة عمان أن تستفيد لأقصى حد من أهميتها راهناً في المجال الجيوسياسي عبر إقامة شراكات دبلوماسية واقتصادية لترسيخ تحالفات دائمة. ما من وسيط أفضل منها بالنسبة إلى المسؤولين عن المنافسة الأميركية الإيرانية للهيمنة على الشرق الأوسط، ولا المقاتلين في الحرب الأهلية اليمنية. يستطيع المسؤولون العمانيون أن يستعملوا مهاراتهم الديبلوماسية للاستفادة من المساعدات المالية أو تلقي ضمانات تجارية من القوى الأخرى التي تحتاج إلى وساطتها. كذلك، قد تحتاج إيران والسعودية والإمارات والولايات المتحدة إلى مساعدة السلطنة لتحديد مستقبل مضيق هرمز في ظل استمرار الاضطرابات فيه. وتحتفظ سلطنة عمان حتى الآن برصيدها الديبلوماسي لإخراج هؤلاء اللاعبين من الصراعات المتواصلة في المنطقة.


على المحللين القلائل المعنيين بمراقبة مسار السلطنة أن يقيّموا مدى قدرة البلد على التمسك بسياسته الخارجية المبنية على الحياد والغموض مستقبلاً. حتى الآن، أبلت سلطنة عمان حسناً أكثر من القوى الإقليمية في الخليج، بدءاً من إيران وقطر والإمارات العربية المتحدة، فنجحت في تجنّب الصراعات المستمرة التي وقع في مستنقعها لاعبون آخرون في الشرق الأوسط.تميل بلدان من شمال أفريقيا وغرب آسيا، على غرار الكويت والمغرب، إلى النجاح في مجالات فشل فيها الكثيرون، عبر إبعاد نفسها عن صراعات المنطقة. ومن خلال تجاهل المساعي إلى فرض الهيمنة الإقليمية، تجنبت هذه الأنظمة الملكية التي تحمل العقلية نفسها مصير إيران وقوى متوسطة أخرى تتعرض لانتقادات واسعة باعتبارها دولاً منبوذة من جهات كثيرة في المجتمع الدولي. تابعت سلطنة عمان من جهتها تقديم أفضل مثال عن البلد الحيادي في منطقةٍ تفتقر إلى نماذج مماثلة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.