كينسون يواه

المنافسة بين الصين والولايات المتحدة: من سيفوز في المعركة على البنية التحتية الرقمية؟

6 كانون الثاني 2023

المصدر: The Diplomat

02 : 00

شركة هواوي الصينية في فيلنيوس | ليتوانيا

على وقع تصعيد الاستراتيجية الأميركية لقمع الاقتصاد الرقمي الصيني، انضم حلفاء الولايات المتحدة وعدد متزايد من الدول النامية إلى كتلة "اجتثاث المظاهر الصينية" بقيادة واشنطن، في محاولة لكبح نمو الاقتصاد الرقمي الصيني، لم تكتفِ الولايات المتحدة بتسويق سياساتها الحمائية للحفاظ على قطاعها التكنولوجي الرائد بأغراضه العامة، بل طرحت أيضاً نموذجاً رقمياً وقائماً على الإيديولوجيا لإدارة الأمن الرقمي، وهو مُصمّم لاحتواء التقنيات والشركات الصينية. 

في بعض المجالات، تجاوزت التكنولوجيا الصينية تقنيات الدول المتقدمة، فتصاعدت المخاوف في الولايات المتحدة نتيجةً لذلك. بدءاً من الاقتصاد الرقمي الافتراضي وصولاً إلى البنية التحتية الرقمية، من الواضح أن الخصومة التنافسية بين الصين والولايات المتحدة تفاقمت وذهبت إلى حد تغيير البنية الجيوسياسية.

منذ العام 1993، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مستفيدة من الاقتصاد الرقمي بفضل نظام "طريق المعلومات فائق السرعة" الذي اقترحه بيل كلينتون. سرعان ما طغت "سيسكو"، و"أمازون"، و"مايكروسوفت"، وشركات تكنولوجيا رائدة أخرى، على السوق العالمي. اتكلت الولايات المتحدة على أول تفوّق لها في مجال الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات لمنح نفسها حق الأفضلية في التكنولوجيا الرقمية وتحديد قوانين وتنظيمات مفصّلة خدمةً للمصالح الأميركية.

كانت الولايات المتحدة أول دولة تدعو إلى تطوير استراتيجية رقمية، لكنها تُركّز في المقام الأول على إنشاء بنية تحتية رقمية مخصّصة. على عكس البنية التحتية الرقمية الهجينة التي تُشدد على إضافة عناصر رقمية إلى البنية التحتية التقليدية لتحسين الأداء، تكون الشبكة المقترحة رقمية بالكامل وتُستعمل بشكلٍ أساسي لدعم هندسة الإنترنت وتغيير الاقتصاد الرقمي وتحديثه. تتعدد الأمثلة على البنية التحتية الرقمية المخصصة، منها الكابلات ذات النطاق العريض، ومراكز التقنيات الكمّية، والخدمات الحكوميـــة الرقمية. يتمسّك "قانون الاستثمار في البنية التحتية والوظائف"، الذي أقرّته إدارة بايدن وتبلغ قيمته تريليون دولار، بهذا التقليد. تشبه نتائج البنية التحتية للشبكات ما حققه بناء سكك الحديد.

يُعتبر الاقتصاد الرقمي في الصين مرحلة متقدمة من جهود الإصلاح الاقتصادي التي بدأت في أواخر السبعينات. في آخر أربعين سنة، أطلقت الشركات الصينية مساراً مبنياً على الأبحاث المستقلة وتطوير تقنيات اتصالات كاملة عبر استلام مهام الإنتاج في شركات متعددة الجنسيات. ينجم نجاح الشركات الصينية العملاقة التي تنتج معدات الاتصالات، مثل "هواوي" و"لينوفو"، عن نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة، ما سمح للصين بالانتقال سريعاً من شبكات الطلب الهاتفي والجيل الأول من اتصالات النطاق العريض إلى إنترنت الجيل الخامس على الهواتف الخليوية.

شهدت الصين نمواً متفجراً في قطاع الإنترنت في أواخر التسعينات. تطورت قدرتها التنافسية الدولية في تقنيات رقمية مثل التجارة الإلكترونية، والبيانات الضخمة، و"إنترنت الأشياء"، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، خلال فترة قصيرة نسبياً بفضل سوقها المحلي الضخم.

أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد رقمي في العالم (وصلت قيمته إلى 45.5 تريليون رنمينبي في العام 2021)، لكن يصعب عليها أن تُحقق استقراراً طويل الأمد في اقتصادٍ رقمي قائم على الإنترنت. يبقى التصنيع حبل نجاة للاقتصاد الوطني الصيني وأساس قوته. أدركت الصين أن الاقتصاد الحقيقي ضروري للحفاظ على نمو اقتصادي عالي الجودة، وقد تعلّمت هذا الدرس بعد أزمة كورونا، وتشديد قواعد الإنترنت العالمية، وتصعيد الصراع الروسي الأوكراني المستمر. تبقى خطة الصين في مجال البنية التحتية الرقمية مجرّد أداة لتحقيق هذا الهدف إذاً.

بعد عقود من البناء، تدرك الصين أنها لا تزال متأخرة جداً عن الدول المتقدمة في بنى تحتية أخرى، مع أنها رائدة عالمياً في سرعة شبكة الهواتف الخلوية والنطاق العريض. في العام 2018، تم إدراج مفهوم البنية التحتية الرقمية في نطاق التنمية، فأطلقت الحكومة مرحلة من التخطيط المركزي والبناء العلمي. على عكس البنية التحتية الرقمية المخصصة في الولايات المتحدة، تحمل الخطة الرقمية في الصين اسم "البنية التحتية الجديدة"، وهي تُشدد على تقديم خدمات رقمية للبنية التحتية التقليدية. أطلقت الصين إذاً مساراً جديداً، واستفادت من نقاط قوتها في شبكات الاتصالات عبر دمجها مع تطبيقات البنية التحتية التقليدية، ما سمح لها بالتعويض عن قلة معداتها والبحث عن إنجازات جديدة.

تُعتبر الموانئ البحرية مثلاً من البنى التحتية الأساسية لتسهيل التجارة الدولية وربط أكثر من 90% من التبادلات التجارية وأسواق الإمدادات العالمية، لكن تستلزم بنيتها الراهنة عدداً كبيراً من اليد العاملة. قدّمت جائحة كورونا درساً مؤلماً لقطاع التصنيع العالمي. في أوروبا والولايات المتحـدة، أدى نقص اليد العاملة، وارتفاع تكاليفهـــا، وحوادث العمال، إلى "أسوأ جمود في التاريخ". زاد متوسط الوقت المُقدّر لوصول البضائع إلى 8.7 أيام. قد تسمح الأتمتة والرقمنة بفك ذلك الجمود.

في الصين، بَنَت "هواوي" نموذج "الصناعة والجهود الأكاديمية والأبحاث". تعاونت الشركة مع جامعات ومعاهد بحثية ومؤسسات أخرى، ونجحت في بناء أول محطة حاويات ذكية وخالية من الكربون في ميناء "تيانجين"، وهي تُعتبر من أهم عشرة موانئ في العالم. كذلك، وسّعت "هواوي" مشاركتها في محطات الجيل الخامس، وخدمة "هواوي السحابية عبر الإنترنت"، والمعدات الأمنية الذكية، والطاقة الخضراء، لتأمين "دماغ مرفئي ذكي" للمحطة، على أن يدمج بين خوارزميات ذكية متقدمة لتحسين مسارات القيادة، وإدارة الحاويات، وإرسال البضائع. أعطى مشروع البنية التحتية الرقمية بقيادة "هواوي" وميناء "تيانجين" نتائج إيجابية، ففتح المجال أمام الصين لاستشكاف أفضل الممارسات في الثورة التكنولوجية.

يُعتبر الترابط، أي حرية تدفق المعلومات والخدمات اللوجستية والأموال، أساس سلسلة الإمدادات. فيما تنتقل هذه السلسلة من الدول المتقدمة إلى العالم أجمع، أصبحت درجة الترابط مهمة بقدر القوة العسكرية، وبدأ المجتمع مرحلة تُعتبر فيها سلاسل الإمدادات نوعاً جديداً من التنظيم. قد تتحول التقنيات والصناعات إلى كتلة تكنولوجية تتألف من تقنيات بديلة متعددة، أو ربما تصبح بنيتها سحابية. وعندما تسمح التكنولوجيا الأساسية بتحقيق هذا النوع من الإنجازات، لا مفر من نمو الكتلة الصناعية كلها، فتصبح الشركة أو الدولة التي تقود أفضل نموذج من الممارسات هدفاً للمنافسين الآخرين.

منذ عهد دونالد ترامب، ركّزت الولايات المتحدة على الذكاء الاصطناعي، والمعلومات الكمّية، وشبكة الجيل الخامس، والتصنيع المتقدم، واعتبرت هذه المجالات أهم أربع تقنيات تنذر برفع مستوى الازدهار الأميركي على المدى الطويل. بدءاً من الأمر التنفيذي المرتبط بـ"الحفاظ على القيادة الأميركية في الذكاء الاصطناعي" خلال عهد ترامب، وصولاً إلى "استراتيجية البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع" ثم خطة إدارة بايدن للبنية التحتية الأميركية (تصل قيمتها إلى 2.25 تريليون دولار)، تغيّرت خطة البنية التحتية الرقمية الأميركية تدريجاً، فلم تعد تدعم الدمج العميق بين المجتمع والتكنولوجيا وتطوير قدرات الاقتصاد الرقمي، بل تحولت إلى استراتيجية لتحسين الأمن القومي وتحفيز التصنيع المحلي، وسرعان ما بلغت مستويات غير مسبوقة من جهود الاحتواء والتهديدات التي تستهدف بلداناً أخرى.

تخوض الصين والولايات المتحدة منافسة استراتيجية متصاعدة. في السنوات الأخيرة، كبحت الولايات المتحدة توسّع التقنيات الصينية المتطورة عبر قيود التصدير، والعقوبات، وحظر التكنولوجيا، حتى أنها تعاونت مع حلفائها الاقتصاديين لزيادة الضغوط على الصين عبر آليات متعددة الأطراف. أصبح انحسار الفجوة بين الصين والولايات المتحدة على مستوى الناتج الاقتصادي، والتكنولوجيا، والقوة الناعمة، واقعاً سياسياً. وتحوّل هذا التناقض البنيوي إلى تبرير شائع لتفسير تمسّك الحكومة الأميركية بموقفها المعادي للصين.

مقارنةً بالولايات المتحدة إذاً، تبدو البنية التحتية الرقمية الصينية أكثر تحفظاً، وهي تُشدد بدرجة إضافية على التطبيقات الرقمية للبنية التحتية التقليدية. تتألف البنية التحتية الرقمية الصينية الهجينة في المقام الأول من أشباه موصلات وخوارزميات البيانات. إنها المجالات التي تسعى واشنطن إلى محاصرة الشركات الصينية فيها.

بعد بدء حقبة "فك الارتباط التكنولوجي" بين الصين والولايات المتحدة، أقرّت واشنطن "قانون الرقائق والعلوم" لمحاصرة الصين، وهي تسعى إلى الاقتداء بالاتحاد الأوروبي لتنظيم حماية البيانات وإجراء تقييم شامل لسوق العمليات الدولية الذي تنشط فيه الشركات الصينية. هذه الحملة سبّبت انتكاسة حادة للأهداف الصينية في مجال البنية التحتية الرقمية.

بما أن القوة التي تنتجها التقنيات الرقمية تكون نادرة ودورية وتخضع للتسلسل الهرمي، ستستمر المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في مجال البنية التحتية الرقمية في المستقبل المنظور. لكن لا تستطيع الولايات المتحدة أن تغفل عن الآثار الرقمية الصينية وأهميتها في عصر العولمة. سيحصل البلدان على فرصة التعاون والتنافس في آن عبر تنفيذ القوانين والتنظيمات. لكن لم يتّضح بعد إلى متى سيستمر هذا "التعاون التنافسي".

ثمة حاجة كبرى إلى السيطرة على العلاقات الصينية الأميركية. لا يقتصر السبب على تجنب تدهور كارثي، بل تهدف هذه الخطوة إلى ترسيخ الاستقرار الدولي ونشر السلام والتنمية في العالم.