أندريه زاغورودنيوك

أوكرانيا قادرة على استرجاع شبه جزيرة القرم

10 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

جنود أوكرانيون في باخموت | أوكرانيا، كانون الأوّل 2022

بالنسبة إلى الأوكرانيين، كان العام 2022 مليئاً بالمآسي والإنجازات التاريخية في آن. أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا في شهر شباط الماضي، فنشرت الدمار في كل مكان وقتلت عشرات آلاف الأشخاص. لكن خلال أسابيع قليلة، نجح الجيش الأوكراني في إبطاء العملية الهجومية، ثم أجبر الروس على التراجع. منذ شهر آب، استرجعت القوات الأوكرانية سيطرتها على أكثر من نصف الأراضي التي استولت عليها روسيا، فكبحت بذلك آمال موسكو بالانتصار. لإثبات تحقيق بعض المكاسب، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه ضمّ أربعة أقاليم أوكرانية في نهاية شهر أيلول. لكن ذهبت هذه المواقف سدىً. لم تكن روسيا تسيطر على أي من الأقاليم حين أدلى بوتين بذلك التصريح، وخسرت قواته مساحات إضافية منذ ذلك الحين.



لكن لا تزال روسيا تسيطر على شبه جزيرة القرم. في العام 2014، استولت روسيا على هذه المساحة وخالفت بذلك القانون الدولي بكل وضوح. يستغل بوتين الادعاء القائل إن نقل شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، بقرار من الاتحاد السوفياتي في العام 1954، كان "خاطئاً". من خلال استرجاع هذه المساحة، يظن بوتين أنه صحّح ذلك "الخطأ" المزعوم، وحسّن مكانة روسيا الدولية، وأعاد بلده إلى معسكر القوى العظمى.

تُجمِع الدول الغربية على اعتبار ضم شبه جزيرة القرم في العام 2014 قراراً غير مقبول. لكن تردد الأميركيون وشركاؤهم في دعم أي خطط لإعادة شبه الجزيرة إلى أوكرانيا. برأي عدد كبير من صانعي السياسة الغربية، لا تستطيع كييف أن تنجح في أي حملة عسكرية لاسترجاع شبه الجزيرة. ويظن محللون آخرون أن إعادة دمج سكان تلك المنطقة مع أوكرانيا ستكون عملية شائكة، أو ربما يطلق أي هجوم هناك رداً نووياً. من الأفضل برأيهم ألا تحارب أوكرانيا من أجل شبه الجزيرة. حتى أن البعض يدعو كييف إلى التنازل عنها مقابل السلام.

تبقى مخاوف الغرب مبررة بدرجة معينة. تسنّى لروسيا أن تسيطر على شبه جزيرة القرم طوال ثماني سنوات، وقد رسّخت وجوداً عسكرياً واسعاً هناك. كذلك، تشمل شبه الجزيرة 700 ألف مقيم روسي انتقلـوا إليها بعد العام 2014 (من أصل 2.4 مليون نســــمة): هذا الواقع يزيد تعقيد جهود إعادة الاندماج. في الوقت نفسه، لا يستطيع العالم أن يستبعد لجوء روسيا إلى الأسلحة النووية، لا سيما في عهد بوتين. لهذه الأسباب كلها، يجب أن تتوخى أوكرانيا الحذر في مساعيها لتحرير شبه جزيرة القرم.

لكنّ هذه المعطيات لا تبرر تخلي أوكرانيا عن شبه الجزيرة بالكامل، بل تتعدد الأسباب التي تدعو البلد إلى استرجاعها. قد تكون البصمة العسكرية الروسية سبباً للنضال من أجل شبه جزيرة القرم مثلاً، لأن أي معركة على تلك المساحة ستُضعِف قدرة روسيا على شن الحروب وترهيب أوكرانيا ودول أخرى. كذلك، تبقى المخاوف المتعلقة بقدرة أوكرانيا على استرجاع شبه الجزيرة وحصول اعتداءات نووية مبالغاً فيها في الحد الأدنى. بعد تحقيق نجاحات متلاحقة في ساحة المعركة على مر أشهر عدة، من الواضح أن أوكرانيا تملك القدرات اللازمة لتحرير شبه جزيرة القرم. قد يرغب بعض سكانها في متابعة الانتماء إلى روسيا، لكن سيُسَرّ عدد أكبر بالتحرر من قبضة الكرملين. كذلك، تبقى تهديدات بوتين النووية مجرّد تصعيد كلامي على الأرجح، فهو كان قد تعهد باستخدام الأسلحة النووية في مرحلة سابقة من الصراع لكنه عاد وتراجع عن موقفه. لهذا السبب، يجب أن تُخطط أوكرانيا لتحرير شبه جزيرة القرم بمساعدة الغرب.

لكن كيف يمكن تحقيق هذا الهدف؟ في الحالة المثلى، يُفترض أن يرتكز الحل على الدبلوماسية. لن يفكر بوتين يوماً بالتخلي عن شبه الجزيرة سلمياً. لكن في حال إسقاطه من منصبه، قد يحمل من يخلفه حسابات مختلفة. سيرث هؤلاء بلداً خاضعاً لعقوبات صارمة وجيشاً شديد الضعف. قد يتابعون محاربة القوات المسلحة الأوكرانية الأكثر مهارة منهم، فيواجهون هزائم متزايدة. كذلك، سيتعامل هؤلاء القادة مع دعاوى قضائية دولية تطلقها أوكرانيا للمطالبة بمئات مليارات الدولارات كتعويضات عن أضرار الحرب. ستخسر موسكو في المحاكم على الأرجح، وستُجبِر الدول الغربية الحكومة على دفع التعويضات عبر نقل الأصول الروسية المجمدة إلى كييف بكل بساطة. أمام هذا الوضع، قد يعرض الكرملين إعادة شبه جزيرة القرم كجزءٍ من اتفاق يمنع روسيا من الإفلاس ويكبح أي اضطرابات محلية مرافقة للفوضى الاقتصادية.

لكن لا تستطيع أوكرانيا أن تعوّل على تغيير القيادة في روسيا، ولا يمكنها أن تتكل على استعداد القادة المقبلين لإرساء السلام. لهذا السبب، يجب أن تحتفظ كييف بالخيار العسكري وتستعد للفوز في هذا النوع من المعارك.

لن يكون استرجاع شبه جزيرة القرم سهلاً بأي شكل، لكن تملك أوكرانيا القدرات اللازمة لفعل ذلك، وقد بدأ الغرب يدرك هذا الواقع. وفق مصادر "إن بي سي نيوز" في شهر كانون الأول، أخبر مسؤول في إدارة جو بايدن الكونغرس بأن كييف قادرة على تحرير شبه الجزيرة. وأعلن بن هودجز، القائد العام السابق للجيش الأميركي في أوروبا، أن أوكرانيا تملك فرصة جيدة لتحرير شبه جزيرة القرم في نهاية الصيف المقبل.

لكن يجب أن تفكر أوكرانيا طبعاً بقدرات أسطول البحر الأسود، فهو ركيزة أساسية للوجود العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم ولا تستطيع أوكرانيا مضاهاته. قد لا تكون البحرية الأوكرانية الصغيرة بمستوى البحرية الروسية، لكن لن يطرح أسطول البحر الأسود عائقاً كبيراً بقدر ما يوحي به، إذ تقتصر قدراته الهجومية على عشرين سفينة قديمة ومعرّضة للهجوم لدرجة أن تخفيها روسيا بعيداً عن الساحل الأوكراني. في المقابل، تستطيع أوكرانيا أن تقتني وتنتج ما يكفي من المركبات المسيّرة والأنظمة الصاروخية لتدمير تلك السفن. كذلك، أصبح الأسطول أصغر مما كان عليه في بداية الحرب بفضل الاعتداءات الأوكرانية. نجحت أوكرانيا مثلاً في إغراق السفينة الرئيسية في الأسطول، ولن يجد الأوكرانيون أي صعوبة في إضعاف البحرية الروسية خلال الأشهر المقبلة لدرجة أن تعجز تلك القوات عن ردعهم على الأقل. في النهاية، تحمل أوكرانيا سجلاً يثبت قدرتها على تجاوز أسطول البحر الأسود. إذا عجزت البحرية الروسية عن الدفاع عن جزيرة الثعبان في البحر الأسود (تقلّ مساحتها عن 0.1 ميل مربّع)، من المستبعد أن تمنع أوكرانيا من عبور المضيق.

في نهاية المطاف، قد لا يتعلق أصعب جزء من حملة استرجاع شبه جزيرة القرم بالتفوق على روسيا، بل باستمالة السكان الداعمين لموسكو. رغم جميع انتهاكات الكرملين، تشمل شبه الجزيرة مناصرين لبوتين بأعداد تفوق أي أجزاء أخرى من أوكرانيا، علماً أن المنطقة شهدت تدفقاً واسعاً للسكان الروس الذين تعرضوا لحملة دعائية روسية مكثفة طوال سنوات. يجب ألا تفترض كييف أن الجيش الأوكراني سيحظى بترحيب حار هناك كما حصل في خيرسون. لهذا السبب، من الأفضل أن تستكشف أوكرانيا السياسات المناسبة في مجالات التمويل والخدمات المصرفية وإنفـــاذ القانون. ويُفترض أن تُحدد أيضاً أفضل طريقة لتقديم التعويضـات إلى شريحة واسعة من سكان شبه جزيرة القرم بعدما خسروا وظائفهــم وأملاكهم بســبب الحكومة الروســــية. يحتاج البلد إلى تجديد خدمات الدولة في شبه الجزيرة، لا سيما في قطاع التعليم الذي يرتكز منذ سنوات على منهج روسي قائم على حملة دعائية مستهدفة. أخيراً، يُفترض أن تتأكد أوكرانيا من عدم استعداد الداعمين للدكتاتورية الروسية لزعزعة استقرار شبه الجزيرة، وتضمن استفادة المواطنين الملتزمين بالقانون من حكومة متوازنة وعادلة وديمقراطية.

كان الغرب قد أدان إقدام روسيا على ضم شبه جزيرة القرم بالإجماع، لكنه عاد وتقبّل هذه الخطوة. اقتصر الرد العملي الوحيد من جانب الأميركيين والأوروبيين على فرض نظام عقوبات تكثر فيه الثغرات، فتمكن الاقتصاد الروسي من متابعة نموه نتيجةً لذلك. وحتى الدول الخاضعة للعقوبات تابعت توسيع روابطها التجارية مع موسكو وزادت اتكالها على صادرات الطاقة الروسية.

ليس مفاجئاً إذاً أن تزيد جرأة الكرملين لغزو بقية أجزاء أوكرانيا. تريد روسيا أن تستولي على الأراضي وتوسّع نطاق نفوذها كي تتمكن من استرجاع إمبراطوريتها الغابرة، ومن المعروف أن موسكو تنتفض حين تشعر بالضعف. نتيجةً لذلك، تعجز كييف عن مقايضة شبه جزيرة القرم بالسلام، كما يقترح بعض المحللين الغربيين، لأن هذه الخطوة ستكافئ بوتين على عدوانه وتُشجّعه على المضي قدماً. كذلك، لن تعطي هذه الصفقة الأثر المنشود. طالما يدير بوتين الحكومة الروسية، لن يوافق الكرملين على اتفاق سلام تكتفي فيه أوكرانيا بالتنازل عن شبه جزيرة القرم، فهو يريد أن يتابع القتال لحصد مكاسب إضافية. وإذا اتضح تردد الغرب في دعم الأهداف الأوكرانية في شبه جزيرة القرم، ستحاول روسيا الاستفادة من الوضع عبر زعزعة الدول التي تدعم كييف.

نتيجةً لذلك، يجب أن تتابع كييف وحلفاؤها المعركة إلى أن تسلّم موسكو شبه جزيرة القرم عن طريق المفاوضات، أو إلى أن تنتزع أوكرانيا شبه الجزيرة من قبضة موسكو بالقوة. إنها الطريقة الوحيدة لإلحاق هزيمة كبرى بروسيا ودفعها إلى التخلي عن طموحاتها الإمبريالية والالتزام بالمعايير والقوانين الدولية. يجب أن تفهم الولايات المتحدة وأوروبا أنهما ستستفيدان أيضاً من أي انتصار أوكراني كامل، لأن هذه النتيجة ستكون مرادفة لإنهاء العدوان الروسي بشكلٍ دائم وبث حياة جديدة في النظام العالمي الليبرالي.

أخيراً، يشكّل تحرير شبه جزيرة القرم سابقة تاريخية مهمة للعالم أجمع. إذا عجزت أوكرانيا عن استرجاع شبه الجزيرة، ستصبح دول أخرى أكثر ميلاً إلى شن الحروب، فتبدأ باحتلال المساحات في البلدان المجاورة لها بهدف الاستيلاء على بعض الأراضي من دون التعرّض للمساءلة. سيكون الفوز في شبه جزيرة القرم أساسياً إذاً لكبح أي صراعات مستقبلية ومنع العودة إلى زمن الغزو.