لاري دايموند

الديمقراطية الأميركية لا تزال بخطر

11 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

أنصار الرئيس ترامب في إشتباك مع الشرطة أمام مبنى الكابيتول | الولايات المتحدة، كانون الثاني 2021

منذ سنتين، واجه نظام الحُكم الديمقراطي في الولايات المتحدة اختباراً غير مسبوق حين حاول مناصرو الرئيس دونالد ترامب الإنقلاب على هزيمته في الانتخابات عبر وضع مخططات خارجة عن القانون أو مهاجمة مبنى الكابيتول بعنف. منذ تلك اللحظة التاريخية السيئة، راحت الديمقراطية الأميركية تتغيّر نحو الأفضل وبدأت فُرَصها تتحسّن. نجحت انتخابات العام 2022 وخسر ناكرو النتائج الانتخابية المتطرفون في ولايات متأرجحة أساسية مثل أريزونا وبنسلفانيا. في الوقت نفسه، وثّقت لجنة مجلس النواب المنتقاة للتحقيق بهجوم 6 كانون الثاني على مبنى الكابيتول أعمال الشغب التي كانت تهدف إلى تغيير نتائج انتخابات العام 2020 ودور الرئيس دونالد ترامب فيها. في البرازيل وفرنسا، هُزِم مرشحون من أصحاب الإلتزامات المشبوهة تجاه الديمقراطية خلال الانتخابات الرئاسية، وحصلت انتخابات سلمية في كولومبيا.



في غضون ذلك، تتخبّط أقوى الأنظمة الإستبدادية حول العالم. أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحرب في أوكرانيا بطريقة كارثية، وتعثرت القوة الصينية الأكثر تأثيراً بسبب سوء إدارة الرئيس شي جين بينغ لأزمة كورونا. كذلك، تراجعت شعبية شي محلياً بسبب الفقّاعة العقارية في الصين، وبلوغ مستوى بطالة الشباب 20%، وحملة القمع المسيّسة ضد القطاع الخاص، وتضخّم الدين الحكومي.

لكن تطرح بكين وموسكو حتى الآن تهديداً جدّياً على الديمقراطية رغم ضعفهما المستجدّ. كلّما تفاقمت مشاكلهما المحلية، ستزيد حاجتهما إلى تشويه سمعة أنظمة الحُكم البديلة والتقليل من خصومهما الديمقراطيين. لهذا السبب، تطلق بكين وموسكو حملة تضليل عالمية ترتكز على استغلال هشاشة الديمقراطية الأميركية والإمعان في إضعافها. داخل الصين وروسيا، تهدف حرب التضليل إلى قمع المطالبات بالإصلاحات الديمقراطية عبر التشكيك بالديمقراطية الغربية. وعلى مستوى العالم، تهدف هذه الحملة إلى إنشاء حكومات صديقة ودعمها، والتصدي لفكرة تزداد شيوعاً عن العواقب التي يتحمّلها المواطنون المحليون نتيجة التعامل مع بكين وموسكو، وصولاً إلى تشكيل نظام دولي جديد ومجزّأ يبدّي "السيادة الوطنية" على حقوق الإنسان.

لتنفيذ هذه المهمة، تستفيد بكين وموسكو من ضعف الديمقراطيات الغربية. يتابع ترامب التشكيك بشرعية انتخابات العام 2020، وقد يواجه تُهَماً جنائية قريباً. كذلك، قد يطغى الجمود على مبنى الكابيتول في السنتين المقبلتَين، وتكثر التحقيقات المسيّسة ومحاولات عزل المسؤولين، وتتجدّد الجهود الرامية إلى إضعاف الثقة بالعملية الانتخابية الأميركية بدل تجديدها. لا تزال مواقع التواصل الاجتماعي معقلاً لحملات التضليل ونظريات المؤامرة، وتبقى الجهود المؤسسية لتعديل المحتوى غير مناسبة. في غضون ذلك، من المتوقع أن يزداد الهجوم على الحقيقة تزامناً مع التقدم السريع الذي تشهده برمجيات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج مشاهد مزيفة، حيث تظهر شخصيات عامة وهي تتكلم أو تتصرف بطريقة لم تفعلها يوماً. هذه التطوّرات كلها تفيد أهم قوتَين عالميتَين في مجال التضليل: الصين وروسيا. كلّما بدا المحتوى أكثر مصداقية، ستصبح الحملة الدعائية أكثر إقناعاً.

من الأسهل على بكين وموسكو أن تُضعِفا المفهوم الديمقراطي في ظل تآكل الديمقراطية في الولايات المتحدة. لتحويل الديمقراطية الأميركية مجدداً إلى نموذج يقتدي به الآخرون، يجب أن تزداد قوتها محلياً، وإلا فلن تتمكن واشنطن من الفوز في المعركة على القوة العالمية الناعمة.

تبقى صحة الديمقراطية الأميركية مسألة محلية لكنها تتعلق بالأمن القومي أيضاً. تستغلّ الصين وروسيا الانقسامات الديمقراطية في الولايات المتحدة وتسعيان إلى تضخيمها للتفوّق في المنافسة على قيادة العالم. لاسترجاع هذا التفوق، يجب أن تصلح واشنطن ديمقراطيتها وتُجدّد دعمها الديمقراطية على الساحة العالمية. بعبارة أخرى، يُفترض أن تتخذ الديمقراطية منحىً هجومياً.

تتطلب هذه العملية استثماراً كبيراً في القوة الأميركية الناعمة. منذ العام 1980، بلغ إنفاق الحكومة الأميركية على الدبلوماسية العامة ذروته في العام 1994 ووصلت قيمته حينها إلى 2.5 مليار دولار، ثم كاد يبلغ المستوى نفسه في العامَين 2010 و2011. لكن في ظل تكاثر التحديات منذ ذلك الحين، تعثرت الجهود الأميركية واقتصر الإنفاق الإجمالي على 2.23 مليار دولار في العام 2020.

يجب أن تعيد واشنطن الانضمام إلى المعركة على القوة العالمية الناعمة بطريقة تعكس القيم الأميركية الحقيقية، ويجب أن تنقل الحقيقة بطريقة تضمن إشراك الرأي العام العالمي وإقناعه بأفكارها. يُفترض ألا يقتصر الهدف الأساسي على التصدي لحملات التضليل بحقائق مقنعة، بل تبرز الحاجة أيضاً إلى نشر القيم والأفكار والحركات الديمقراطية. لكبح حملات التضليل ودعم الحقيقة التي تقمعها الأنظمة الاستبدادية، يجب أن تُستعمَل مجموعة متنوعة من القنوات الجديرة بالثقة لنقل المعلومات ويُفترض أن تكون مستقلة. قد تقدّم الحكومة الأميركية الدعم المادي، لكن يجب أن تنشط تلك القنوات بعيداً عن الرقابة للتأكد من استقلاليتها.

يقضي أحــــد الاحتمالات مثلاً بتحويل وكالة "صوت أميركا" إلى كيان مشابه لهيئة الإذاعة البريطانية. يجب أن تتولى تجسيد التجربة الديمقراطية الأميركية عبر بث تقارير مستقلة بالكامل عن جميع دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة. لكنّ الفوز بحرب المعلومات لا يقتصر على عوامل الحقيقة والاستقلالية والتقارير الاحترافية، بل إنه يتطلب أيضاً شبكة متنوعة ومركزية من وسائل الإعلام عالية الجودة. من واجب الصحفيين المحليين في البلدان الاستبدادية أن يوثّقوا وينشروا أدلة عن الفساد، وانتهاكات حقوق الإنسان، والأخطاء السياسية المريعة. يجب أن يقوّي الأميركيون وحلفاؤهم الديمقراطيون وسائل الإعلام المحلية المحاصرة التي تجد صعوبة في نقل الأخبار والتعليقات النقدية في ظل غياب حرية الإعلام. تتطلّب هذه الحملة مليارات الدولارات لتمويل وسائل إعلام قادرة على خدمة المصلحة العامة حول العالم (بما في ذلك القنوات الناشطة في المنفى)، ويُفترض أن يُنقَل معظم تلك الأموال عبر منظمة غير حكومية مثل "الصندوق الدولي لوسائل الإعلام ذات النفع العام". هذا الصندوق هو عبارة عن اتحاد غير مسيّس من المؤسسات الدولية التي تستطيع تمويل وسائل الإعلام المحلية تزامناً مع حماية استقلاليتها.

على صعيد آخر، يجب أن تتعاون واشنطن مع شركائها الديمقراطيين للبحث عن أدوات تكنولوجية وجيوسياسية جديدة لمساعدة المجتمعات المنغلقة على تجاوز رقابة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. حين يتمكن المواطنون في البلدان الاستبدادية من تلقي معلومات مستقلة وجديرة بالثقة ويتواصلون في ما بينهم وسط أجواء أكثر أماناً، ستزداد هشاشة الأنظمة التي تحكمهم. كذلك، تتطلب حرية المعلومات جهوداً دبلوماسية جدّية ومنسّقة بين الديمقراطيات لمنع الأنظمة الاستبدادية من انتهاك المعايير والبروتوكولات العالمية الخاصة بالإنترنت. في الوقت نفسه، يُفترض أن تكثّف شركات التواصل الاجتماعي جهودها للتصدي لحملات التلاعب الخبيثة التي تطلقها الحكومات الأجنبية على منصاتها من خلال تحديد المصادر الشائكة إذا أمكن وحذف أبرز المحتويات الخاطئة والخطيرة على الأقل. ويجب أن تُكثّف الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى تلك الجهود عبر زيادة التدابير التي تنظّم استعمال مواقع التواصل الاجتماعي. تقضي الخطوة الأولى بحظر تطبيق "تيك توك" من الأجهزة الأميركية.