لورين وولف

العلم الزائف والتصوّف شائعان وسط نخبة موسكو...

روسيا تخشى الإعتداءات الذهنية الغربية

13 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

جلسة روحانية في موسكو

تتعدد الأسباب التي تدعونا إلى التساؤل اليوم عن نزعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأعوانه إلى التصرف بطريقة مريبة. لكن تكشف مذكرة تم تسريبها حديثاً من الكرملين أن المسؤولين في الحكومة الروسية يواجهون وضعاً شائكاً أكثر مما يظن معظم الناس.




عالمة الأرقام الروسيّة غاليا غالييفا

ألكسندر شيبس وسيط روحي مشهور في روسيا



نشر موقع "إنسايدر" الروسي الذي يبث أخباره من المنفى تلك المذكرة التي تُحدد طريقة تعامل "خدمة الحراسة الاتحادية" الروسية المُكلّفة بحماية كبار المسؤولين، من أمثال بوتين، مع غزو أوكرانيا أو أي حرب أخرى قد تمتد إلى الأراضي الروسية. تُركّز الوثيقة على الجهوزية النفسية وتضمن أن يحظى المسؤولون في خدمة الحراسة الاتحادية على "الدعم المعنوي والنفسي" اللازم لمقاومة ما تعتبره المذكرة "هجوماً إيديولوجياً هائلاً". لكن لا يشعر الروس بالقلق من الحملة الدعائية الاعتيادية في زمن الحرب فحسب، بما في ذلك البث الإذاعي غير المباشر أو الصحف السرية، بل ينشغل الكرملين أيضاً في التحضير لما يسمّيه "العدوى النفسية للعناصر" من جانب عدو قد يتلاعب بهم عن طريق التنويم المغناطيسي أو قوى صوفية أو نفسية مجهولة. تحذر المذكرة تحديداً من "مولّدات نفسية" و"قدرات التنويم المغناطيسي" التي يستعملها العملاء الأجانب.

أصبح الاقتناع بالقوى الصوفية شائعاً نسبياً في روسيا، حيث يزور حوالى 20% من الناس وسطاء روحيين ويؤمن أكثر من 60% منهم بأحد أنواع السحر. تقول ناتاليا أنتونوفا، كاتبة وخبيرة في الشؤون الروسية في واشنطن، أمضت سبع سنوات وهي تُعِدّ التقارير من موسكو: "أظن أن الروس يؤمنون بالتنويم المغناطيسي والتحريك العقلي أو أي ممارسة من هذا النوع يحاولون تجربتها. لا يزال معظمنا يحاول العيش في العالم الحقيقي، على عكـس القيادة الروسية. لقـد أوقفوا محاولاتهم".

قد تصبح هذه المخاوف أكثر شيوعاً في أعلى المراتب. تسري منذ وقت طويل شائعات مفادها أن القادة الروس، بما في ذلك الرئيس بوتين، يؤمنون بالتصوف، والتنجيم، وعلم الأعداد، والوساطة الروحية، حتى أنهم مقتنعون بأن حُكمهم لروسيا العظيمة مُقدَّر لهم. منذ العام 1988، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "الأبراج، والطب الشعبي، والشفاء عن طريق الوسطاء الروحيين، وجميع أشكال التصوف، تحتل أهمية كبرى في المجتمع السوفياتي. بعضها مرتبط بالإيمـــان، وبعضهـــا الآخــر ببدعة عابــرة، لكنها ظاهرة حقيقية".

يندمج التصوف مع مجموعة متزايدة من القناعـــــات الأرثوذكسية الروسية التقليدية التي تتعلق بسيناريوات تنذر بنهاية العالم وبتأثيرات شيطانية. خلال احتفال بضمّ أجزاء من أوكرانيا في شهر أيلول الماضي، وصف بوتين كيف اكتسب "القمع الغربي للحرية بحد ذاتها خصائص ديانة معينة: الشيطانية المباشرة". وفي شهر تشرين الأول، غيّرت الحكومة الروسية تبريرها للحرب وزعمت أن واجبها الأخلاقي يفرض عليها "اجتثاث النزعة الشيطانية من أوكرانيا". تُستعمَل اللغة الشيطانية أحياناً لإلقاء خطابات مبالغ فيها بكل بساطة، لكنها تعني ما تقوله حرفياً في حالات أخرى. أصبحت الأفكار الأرثوذكسية الروسية المحافِظة عن خوض حرب روحية، حيث يظهر الغرب بصورة شيطانية صريحة، جزءاً من مصطلحات الدولة الروسية، وهي تختلط مع حماسة البلد تجاه علم الوساطة الروحية الزائف.

لكن لا داعي للقلق. تُحدد المذكرة المسرّبة ما تُخطط له خدمة الحراسة الاتحادية لمنع هذا النوع من الهجوم الروحي. تشمل التكتيكات المحتملة تقوية الضباط ذهنياً عبر إخبارهم قصصاً عن شجاعة زملائهم وبطولاتهم. وللتصدي لهذه العدوى النفسية، تقضي طريقة أخرى بمرافقة الضباط في جولات داخل قاعة الشهرة والتاريخ في خدمة الحراسة الاتحادية وزيارة كاتدرائية سيدة قازان في موسكو للصلاة لطرد الشيطان. ينشأ أيضاً شكل من الأنظمة التعاونية. تذكر المذكرة ما يلي: "من الضروري أن يتواصل أكثر الضباط المحنّكين سياسياً في خدمة الحراسة الاتحادية مع أقلهم استقراراً". أو كتدبير احتياطي، قد تبرز الحاجة إلى إدخال الضباط الضعفاء نفسياً والمصابين "بعدم استقرار عصبي ونفسي" إلى المستشفى في هذه الأوقات الخطيرة على نحو غامض. هكذا بدأت المخاوف بشأن نفسية الضباط ومعنوياتهم (إنها عوامل بالغة الأهمية في أي حرب خاسرة) تنخلط مع مخاوف باطنية مثل الاعتداءات الذهنية.

أجرت الدولــــة السوفياتية ومن خَلَفها تجارب في مجال السيطرة على العقل (كما فعلت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة عبر استعمال مشروع ذهني سري خاص بها). كشفت مذكرة روسية مسرّبة في العام 2019 كيف أجرى العلماء خلال الثمانينات تحقيقات عن الإدراك الحسِّي الفائق وقدرات صوفية أخرى. وفي العام 2019 أيضاً، أعلنت صحيفة عسكرية روسية أن الجنود الروس يتمتعون بقوى روحية سبق واستعملوها. يبدو أن الجنود تعلّموا كيفية قراءة الأفكار من الدلافين التي تجيد توارد الخواطر. لكن لا تقتصر العملية على التحكم بالعقل على طريقة الدلافين. ذكر كاتب المقالة، وهو عقيد في الجيش، أن الجنود الذين يجيدون توارد الخواطر يستطيعون أيضاً اعتراض إشارات الاتصالات واختراق الحواسيب بأفكارهم.

في خضم سباق التسلح الخارق للطبيعة خلال الحرب الباردة، لم يكن أي "سلاح" ذهني أغرب من أن تفكر به أطراف الصراع، طالما لا توحي العمليات التي يجرّبها العلماء بأنها ترتبط بطقس غريب.

كتبت الصحفية الاستقصائية، آني جاكوبسون، في كتاب نشرته في العام 2017: "أُعيدت صياغة التسمية السوفياتية التي تشير إلى الإدراك الحسّي الفائق كي تحمل طابعاً تقنياً، فانقطعت بذلك جميع الروابط مع ماضي ذلك المفهوم الغامض". أصبح توارد الخواطر يُعرَف مثلاً بعبارة "نقل الأنظمة البيولوجية لمسافات طويلة". أما التحريك العقلي الذي يشير إلى نقل الأجسام من مكانها بمجرّد التفكير بها، فحمل اسم "انبعاثات البشر غير المؤينة، لا سيما الكهرومغناطيسية منها".

توضح المذكرة المسرّبة من خدمة الحراسة الاتحادية أن نائب مدير هذه الوكالة، الجنرال ألكســـندر كوموف، هو مسؤول عن تنفيذ الخطة السرية النهائية لدرء أي هجوم ذهني عند الحاجة. يحمل كوموف خلفية علمية وماورائية في آن، فهو شارك في السنة الماضية في مؤتمر من تنظيم "معهد أبحاث الفضاء" التابع للأكاديمية الروسية للعلوم عن احتمال التجسس على الأرض من الفضاء. ويبدو أنه يقود أيضاً مجموعة من المستشارين المستقلين، منهم منجّمون، وممارسو السحر الأسود، ووسطاء روحيون.

أخيراً، تذكر الوثيقة المسرّبة أن الروس مقتنعون بأن العدو قد يستعمل استراتيجيات أخرى، منها "ألعاب تصحيح النفسية"، و"الفيروسات النفسية المحوسبة"، والتأثير النفسي "الكيماوي البيولوجي".

يشير التصحيح النفسي عموماً إلى علم زائف يهدف إلى "تصحيح" نمو الأولاد الصغار عبر استعمال الألعاب في معظم الأوقات، وقد يشمل علم النفس التجريبي. لكن تبقى منافعه وسط المسؤولين الذين يستهدفهم الوسطاء الروحيون الأجانب محط شك. يذكر موقع "إنسايدر" أن احتمال تأثّر الكرملين بـ"الفيروسات النفسية المحوسبة"، بغض النظر عن معناها، يبقى مستبعداً لأن الضباط ممنوعون من استعمال الهواتف الخلوية أو الحواسيب اللوحية أثناء أداء خدمتهم.

كان غزو أوكرانيا مدعوماً في البداية من القوة الصلبة التي تتمثل بجيش مؤلف من حوالى 200 ألف عنصر، فضلاً عن مدفعيات ودبابات وقوة جوية واسعة.

توقّع المحللون الروس حينها تحقيق انتصار سهل. لكن انهارت هذه التوقعات بسبب المقاومة الأوكرانية، ولم تنجح التعبئة الجماعية المبنية على مشاعر الذعر في تغيير مسار الفشل. ربما ساهمــت هذه التطــورات في تأجيج التخيلات.

في النهاية، تقول أنتونوفا: "تزامناً مع زيادة هذه الأوهام كلها على مر السنين، لا مفر من أن تنهار نفسيّة الروس حين يصطدمون بالواقع الصعب ويدركون أنهم يعجزون عن الفوز في أوكرانيا".