بريطانيا التي أحبّها فان غوخ...

كان فنسنت فان غوخ من أشهر الفنانين الذين يعرفون أوروبا! خلال حياته القصيرة والمشحونة بالأحداث، قبل أن يقتل نفسه في عمر السابعة والثلاثين، تنقل بين بلده الأم هولندا وبلجيكا وإنكلترا وفرنسا. أمضى سنتين في لندن، بين عامَي 1873 و1875، حيث عمل لصالح تاجر تحف فنية. في العام 1876، عمل لفترات أقصر كأستاذ في "رامسغات" و"إيزلورث". ثم عاش في باريس وكتب لشقيقه تيو أنه شاهد لوحة تظهر فيها مدينة لندن انطلاقاً من "سدّ فيكتوريا" للرسام جوزيبي دي نيتيس: "حين شاهدتُ تلك اللوحة، أدركتُ كم أحب لندن!".


كانت المدينة تصيب كل من يراها بالذهول، واتّسمت بالحياة الجامحة التي تُعرَف بها المدن الصناعية الكبرى. إنّها لندن الخاصة بديكنز، بكلّ فسادها، وحشودها، وسحرها، وثرواتها، ووحشيتها... والأهم معارضها الفنية!


بعد موت فان غوخ، تدفق الحب بالاتجاه المعاكس، ولو بوتيرة متقطعة في البداية. حين عُرِضت أعماله خلال معرض ما بعد الانطباعية الشهير للرسام روجر فراي في العام 1910، تغيّر مسار الفن البريطاني. في العام 1947، تلقّت لندن المدمّرة والمتقشفة كمياتٍ هائلة من التحف الذهبية والقرمزية والخضراء والزرقاء السماوية من "بروفانس"، وعادت لوحات فان غوخ، التي حصدت شعبية واسعة بين عامة الناس، لِتُدهش الرأي العام مجدداً. كتب إيريك نيوتن، ناقد في صحيفة "مانشستر غارديان"، رأيه بذلك المعرض الذي نُظّم والذي أصبح اليوم متحف "تيت بريطانيا"، فقال: "ركّز معرض مهم جديد على تحليل علاقة فان غوخ ببريطانيا، أي الأماكن التي رسمها فيها والإرث الذي تركه لها".


زيارات متكررة للمعرض الوطني
عاش فان غوخ في لندن قبل اتخاذ قراره المصيري بأن يصبح رساماً في العام 1879. كان يعمل في منطقة "كوفنت غاردن" لصالح غوبيل، تاجر تُحَف متخصص بالنسخ الفنية، على "طريق هاكفورد" في "هامبيث"، جنوب النهر، ويقوم بنزهات طويلة في شوارع المدينة ويزور "المعرض الوطني" بشكلٍ متكرر. وقد اعتُبرت لوحة "جادة ميدل هارنيس" للرسام مندرت هوبيما من اللوحات المفضلة في ساحة "ترافالغار"، وظهر فيها منظر طبيعي مسطح ومميز من هولندا، مع أشجار مقطوعة الرؤوس في محيط الممر الذي يتلاشى في الأفق. استوحى فان غوخ مناظر كثيرة من هذا العمل،


واعتبر لوحة "شارع أشجار الحور في الخريف"، التي رسمها في العام 1884 في "نوينين"، مشهداً "تنتج فيه الشمس بقعاً متلألئة، هنا وهناك، فوق الأوراق المتساقطة على الأرض، تتخللها ظلال طويلة تعكسها الجذوع". قبل تسع سنوات، حين كان يعيش في بريطانيا، كتب "قصيدة إلى الخريف" للشاعر جون كيتس باللغة الإنكليزية في رسالةٍ وجّهها إلى أصدقاء هولنديين.


بدا فان غوخ متمرساً جداً في الأدب الإنكليزي (والفرنسي). كان يقرأ المؤلفات بلغاتها الأصلية بسرعة وسهولة، وشكّل ديكنز ملاذاً مريحاً له. حين ذهب إلى "بروفانس" للاختلاء بنفسه، في مرحلة متقدمة من حياته، اشترى نسخاً مترجمة إلى اللغة الفرنسية من أعماله. كذلك، عكست لوحاته الشهيرة التي تُجسّد مجموعة من الكراسي الفارغة لوحة لوك فيلدز المؤثرة للإشارة إلى كرسي الروائي الفارغ بعد فترة قصيرة من وفاته. كان يحب صور فقراء المدينة التي يرسمها فيلدز كونها تعكس وعيه الاجتماعي، كما أُعجِب بسلسلة مشاهد لندن المطبوعة للرسام غوستاف دوريه.


لم يَعِش فان غوخ في لندن إلا بعد وفاة ديكنز بثلاث سنوات، وكانت كتب مثل Hard Times (الأوقات الصعبة) تغذي تعاطفه مع المظلومين. في واحدة من أواخر لوحاته لصديقته ماري جينو، في العام 1890، تظهر هذه الأخيرة مع نسخ من كتابَي Christmas Stories (قصص عيد الميلاد) لديكنز وUncle Tom’s Cabin (كوخ العم توم) لهارييت بيشر ستو على طاولة أمامها. كان يعشق جورج إليوت أيضاً.


حين بدأ فان غوخ يرسم في "نوينين"، جعل النساجين محور معظم أعماله. رغم شيوع حياكة النسيج الصناعية في بلدات مجاورة مثل "تيلبورغ"، صمد عدد من النساجين اليدويين في القرية، وكانوا يعيلون أنفسهم بفضل عملهم البطيء والشاق عبر استعمال تقنية لم تتغير منذ قرون. استوحى فان غوخ عمله من الناسج ستيفن بلاكبول في كتاب Hard Times، وبدرجة أكبر من شخصية الناسج سيلاس مارنر في كتاب يحمل الاسم نفسه لجورج إليوت.


تأثيره على الفن البريطاني
تسلل الإرث الذي خلّفه فان غوخ إلى الفن البريطاني تدريجاً. عمد جيم إيد، الذي تحوّل منزله إلى معرض "كيتلز يارد" في "كامبريدج" وعمل في متحف "تيت" قبل أن تُدمّره سياساته المحافِظة، إلى إقناع جو فان غوخ بونغر (زوجة شقيق فان غوخ) بالمشاركة عبر عرض لوحات دوار الشمس القماشية المدهشة والمطروحة راهناً في "المعرض الوطني" (كانت قد عادت إلى متحف "تيت بريطانيا" لعرضها هناك). أطلقت تلك الأزهار موجة جديدة من الصور الزيتية السابقة لعصرها بتوقيع فنانين من أمثال فرانك برانجوين، وسامويل جون بيبلو، وماثيو سميث، ووينيفريد نيكولسون.

لكن كان غريباً أن ينجذب الناس بشكلٍ خاص إلى لوحة "آكلي البطاطا" التي جسّدت مشهداً قاتماً ومظلماً للحياة القروية القاسية وكانت جزءاً من الأعمال القديمة التي رسمها خلال سنوات إقامته في "نوينين".


في بلدٍ حطّمته الحرب جزئياً، كان فان غوخ الذي يحتاج إليه السكان رسّام الجائعين والكادحين والفقراء. لذا سيكون اكتشاف نسخة فان غوخ التي يحتاج إليها البريطانيون بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مشوقاً حتماً!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.