ماتياس جيباور

العلاقات الفرنسية - الألمانية تزداد برودة في مرحلة مفصلية

17 كانون الثاني 2023

المصدر: DER SPIEGEL

02 : 00

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس في برلين

قد يكون اختيار الكلمات أفضل مؤشر على طبيعة العلاقات بين الدول. قال مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يوم شتوي في باريس، إنه لا يتكلم مطلقاً عن الثنائي الفرنسي الألماني كمسألة مبدأ. عند اختيار هذه المقاربة، يصل الكلام في نهاية المطاف إلى خانات مثل الوفاء، والحب، والزواج، والطلاق. بعبارة أخرى، لا مكان للكلمات في علاقة باريس وبرلين.

لا يهتم الفرنسيون في هذه الأيام بإضفاء طابع رومانسي على هذه العلاقة. تقول مصادر في قصر الإليزيه: «إيمانويل ماكرون رجل استراتيجي. بالنسبة إلى الرئيس، تُعتبر التحركات الأوروبية المشتركة ضرورة جيوسياسية وليست مسألة رومانسية».

طوال سنوات، اعتُبِرت الصداقة الفرنسية الألمانية شكلاً من قصص الحب، فقد حصل تقارب غير متوقع بين هذين البلدين بعد حربَين عالميتَين. لطالما بدت هذه الصورة مربكة، لكنها لم تعد تتماشى مع الظروف الراهنة بأي شكل.

بدأت الحرب في أوكرانيا تنتج تحديات تاريخية في العلاقات الفرنسية الألمانية، فقد أعادت مسائل محورية عدة إلى الواجهة، أبرزها السياسة الدفاعية المشتركة، وإمدادات الطاقة المستقبلية، وتوحيد مواقف أوروبا تجاه روسيا. إنها المسائل التي تجنّبها المعنيون أو تطرقوا إليها جزئياً خلال اجتماعات متنوعة بين السياسيين الألمان والفرنسيين على المستوى الوزاري. لكن انتهى ذلك الزمن الآن، ولم يعد الوضع يسمح بتأجيل هذه المواضيع بعد بدء الحرب في أوكرانيا.

تضغط عوامل أخرى على البلدَين الحليفَين أيضاً. خلال أسبوع تقريباً، يجب أن تثبت ألمانيا وفرنسا استعدادهما لمعالجة التحديات الجديدة في علاقتهما. يتزامن يوم 22 كانون الثاني مع الذكرى الستين لإبرام «معاهدة الإليزيه» التي استعملها شارل ديغول وكونراد أديناور في الماضي لإنشاء الصداقة الفرنسية الألمانية. احتفالاً بهذه المناسبة، أصدر ماكرون دعوة إلى احتفال في جامعة السوربون في باريس ثم في قصر الإليزيه. إذا سارت الأمور بالشكل المُخطط له، تهدف هذه المناسبة إلى توجيه رسالة معينة إلى بقية دول أوروبا بعد أشهر شاقة. لم تبقَ إلا قلة من المجالات اللافتة التي يمكن أن يتحقق فيها نجاح مبهر أو فشل ذريع.

في الماضي، لطالما أثبتت الصداقة الفرنسية الألمانية قوتها في الأوقات الصعبة. في صيف العام 2020 مثلاً، دعم ماكرون وأنجيلا ميركل الاقتراض المشترك على مستوى الاتحاد الأوروبي لمجابهة تداعيات جائحة كورونا، علماً أن الألمان كانوا يعتبرون هذه الأداة من المحرمات حتى تلك الفترة.

لكن خلال هذا الشتاء، بدأت الأزمة تكشف الاختلافات السياسية بين برلين وباريس. لم يتحقق أي تقدّم إلا في مسألة خلافية واحدة في الأسابيع الأخيرة: دخل مشروع بناء طائرة مقاتلة أوروبية مرحلة جديدة بعد مفاوضات شائكة، ومن المنتظر أن تقود شركة تصنيع الطائرات الفرنسية «داسو» التحالف الذي أنشأته مع شركائها. لم تكن هذه النتيجة حتمية مطلقاً، فقد قاومت «داسو» هذه الجهود لفترة طويلة لأنها ترددت في تقاسم براءات الاختراع والتكنولوجيا في ظل احتدام المنافسة.

لكن عند التدقيق بالوضع عن قرب، يبدو هذا التقدم مجرّد مرحلة عابرة. ستضطر الشركات للتفاوض على عقد آخر لبناء نموذج أولي للطائرة المقاتلة، ولن يجهز ذلك النموذج قبل العام 2029 على الأقل. في غضون ذلك، تبرز مسألة حساسة سياسياً، إذ لم تتضح بعد الظروف التي تسمح للتحالف بتصدير القاذفات المقاتلة إلى العملاء الأجانب، لأن ألمانيا تطبّق قيوداً أكثر صرامة من فرنسا في مجال تصدير الأسلحة. من المتوقع ألا يبدأ العمل بـ»النظام الجوي القتالي المستقبلي» الذي يشمل الطائرة المقاتلة الجديدة قبل العام 2040 في الحد الأدنى.

في مجال الطاقة أيضاً، يبدو انقسام البلدَين أعمق من وحدتهما، وقد اتضح هذا الوضع مع توقف إمدادات الغاز الروسي. تبقى فرنسا أقل اتكالاً على الغاز من ألمانيا لأن باريس تتكل بدرجة إضافية على الطاقة النووية. كذلك، يملك الفرنسيون مورداً رئيسياً للغاز في النروج وبالكاد تأثرت جيوب المستهلكين الفرنسيين بسبب أزمة الطاقة حتى الآن.

حرصت حكومة ماكرون على حمايتهم من زيادات الأسعار في قطاع الغاز وأسواق الكهرباء، فدفعت الدولة أي زيادة تفوق الأربعة في المئة في أسعار الكهرباء خلال الأشهر الأخيرة. هذه التدابير تفسّر أيضاً تراجع التضخم العام في فرنسا مقارنةً بمعظم البلدان الأوروبية الأخرى، فهو يقتصر في الوقت الراهن على 6%.

حين أعلن المستشار الألماني، أولاف شولتس، حزمة المئتي مليار يورو للتصدي لأزمة الطاقة في نهاية شهر أيلول، لم يؤجج بذلك مخاوف بقية الدول الأوروبية من احتمال أن تتفوق ألمانيا في المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل إنه أثار استياء الكثيرين في باريس أيضاً لأن الشركاء الفرنسيين لألمانيا لم يتبلغوا بهذا القرار مسبقاً. تذكر مصادر في باريس أن مدير المستشارية الاتحادية الألمانية، فولفغانغ شميدت، أمضى ساعات في قصر الإليزيه قبل بضعة أيام من اعتبار جميع الخيارات واردة، لكنه لم يذكر شيئاً عن خطة الإنقاذ المرتقبة.

يتساءل مسؤولون في قصر الإليزيه عن مشكلة الألمان الحقيقية. تذكر مصادر في برلين أن آخر التفاصيل لم تتضح بعد بشأن حزمة المساعدات مع شركاء الائتلاف الحكومي في برلين، وأغفل المعنيون عن إبلاغ شركائهم الفرنسيين.

طوال أشهر، رفضت الحكومة الألمانية أيضاً إعطاء موافقتها لتحديد سقف أوروبي لسعر الغاز الطبيعي، علماً أن ماكرون هو من قاد حملة إقرار هذا المشروع. ثم وافقت برلين على تحديد ذلك السقف قبل عيد الميلاد. كذلك، تذكر مصادر مقرّبة من الرئيس الفرنسي أن النص «اتخذ طابعاً ألمانياً بامتياز» لمعالجة مخاوف برلين. لم يرغب الفرنسيون في رؤية ألمانيا وهي تعزل نفسها داخل أوروبا.

مرّ البلدان بأشهر صعبة في الفترة الأخيرة، فتفاقمت الخلافات، واشتدّ سوء التفاهم، وتلاحقت الخطوات أحادية الجانب من الطرفين. لم يتحسن الوضع حين زعمت الأوساط الإعلامية المحيطة بالرئيسَين أن شولتس وماكرون يتبادلان الإعجاب والتقدير، فقد بدّدت جميع الخطوات التخريبية هذا المزاج الإيجابي.

ذكر شولتس، في خطابه الافتتاحي حول السياسة الأوروبية في براغ، في شهر آب الماضي، أن وجهة برلين تتماشى مع طموحات ماكرون من أجل أوروبا لكنه لم يذكر فرنسا، أقرب حليفة لألمانيا، ولو مرة واحدة. إنها المرة الأولى التي تبدأ فيها باريس بالتشكيك بنوايا المستشار الحقيقية.

في الخريف الماضي، ألغى الفرنسيون اجتماعاً مشتركاً بين وزراء من الحكومتَين الفرنسية والألمانية للمرة الأولى في تاريخ البلدين بسبب غياب التقدم في فِرَق العمل التحضيرية. كانوا يخشون أن ينتج الاجتماع نتائج ضعيفة لا تناسب هذه الأحداث التاريخية. يتعلق السبب الرسمي بتغيّب وزيرَين ألمانيَين، لكن تذكر مصادر غير رسمية أن باريس مستاءة من الألمان.

وفق مصادر في باريس، تتعدد أخطاء المستشارية الاتحادية الألمانية، منها إجراء اتصالات غير مناسبة، وعدم مراعاة الحساسيات الفرنسية، واتخاذ خطوات أحادية الجانب. في مرحلة معينة مثلاً، دعا شولتس إلى إلغاء مبدأ الإجماع في الاتحاد الأوروبي حول قرارات السياسة الخارجية المهمة قبل أن يغيّر موقفه ويعتبر ذلك المبدأ أساسياً في مسائل مثل التفاوت في أسعار الغاز. يقول مصدر وزاري في باريس إنهم يلاحظون انفصاماً واضحاً في المواقف.

ثمة صدام واضح بين شولتس وماكرون من حيث الطباع والإيقاع، وهما مختلفان على جميع المستويات. يقول دبلوماسي فرنسي: «شولتس يتكلم ببطء، ويمشي ببطء، ولا يتفوه بكلمات كثيرة، وينتظر لوقتٍ طويل قبل قول أي شيء. أما الرجل الثاني، فلا يمكن مواكبة سرعته. السرعة ميزة بحد ذاتها بالنسبة إلى ماكرون. هو مستعد لتقبّل احتمال ارتكاب الأخطاء مقابل ما يفعله».

على المستوى الاقتصادي، نجح الرئيس الفرنسي في إبعاد بلده عن الأزمة حتى الآن. وفق جميع التقديرات، سينجو الفرنسيون من الركود، ويتعلق السبب جزئياً باختلاف بنية نموذجهم الاقتصادي عن النموذج الألماني. لا يحمل هذا الاقتصاد طابعاً صناعياً ولا يتكل على أسواق الطاقة والتصدير بالقدر نفسه. يبدو أن العامل الذي كان سلبياً عندما استفادت ألمانيا من الغاز الروسي الرخيص والصادرات القوية إلى الصين أصبح إيجابياً الآن.

تقول لورانس بون، سكرتيرة الدولة المكلّفة بشؤون أوروبا في وزارة الخارجية الفرنسية: «هذه الحرب وتداعياتها تشكك بالنمـــوذج الاقتصادي الألماني، فهو يطرح تحدياً هائلاً على البلد. تتأثر فرنسا بكل ما يحصل طبعاً، لكن ليس بقدر ألمانيا».

تعتبر بون إلغاء مجلس الوزراء المشترك بين ألمانيا وفرنسا بمثابة «جرس إنذار». من وجهة نظرها، يجب أن يجتمع جميع الأفرقاء ويتوصلوا إلى جواب على السؤال الأساسي: ما سيكون شكل أوروبا التي تواكب التغيرات الجيوسياسية، وتفكر بطريقة استراتيجية، وتسرّع وتيرة تحركاتها؟



في نهاية تشرين الثاني، زارت بون برلين مع رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيث بورن، وتحدثتا مع شولتس في مقر المستشارية، ومع روبرت هابيك في وزارة الاقتصاد. تقول بون إن تلك المحادثات كانت مثمرة، فقد أراد الجميع إثبات فعالية التعاون الفرنسي الألماني حتى الآن.

خلال الأسبوع نفسه، سافرت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إلى باريس لمقابلة ماكرون، وأوضحت في حديث غير علني في أحد فنادق العاصمة الفرنسية أن توجيه رسالة أو رسالتَين نصيتَين إضافيتين إلى الفرنسيين في الماضي كان ليحسّن الوضع على الأرجح. ثم حذا وزير الاقتصاد هابيك حذوها في اليوم التالي وطرح وثيقة استراتيجية مشتركة مع نظيره برونو لومير.

في الوقت الراهن، تقول بون إن المسؤولين في برلين وفي وزارة الخارجية الفرنسية وقصر الإليزيه يسعون إلى وضع «خارطة طريق» مشتركة يريد شولتس وماكرون طرحها في ذكرى 22 كانون الثاني. وفق مصادر قصر الإليزيه، تهدف هذه الجهود إلى طرح إعلان يشمل الخطوط العريضة للخطط المنتظرة على مر 15 عاماً وتحديد شكل أوروبا التي يريدها الألمان والفرنسيون. تهدف هذه الذكرى أيضاً إلى تجنّب الانشغال بالتفاصيل، وإثبات وحدة الصف، والتأكيد على عقد شراكة فاعلة مستقبلاً. هذه المرة، لا يمكن أن يتحمّل أحد كلفة فشل الاجتماع برأي بون.

في الطابق الواقع تحت مكتب بون، تقع «غرفة الساعة» التاريخية حيث أعلن وزير الخارجية روبرت شومان، في 9 أيار 1950، اقتراب نشوء «المجموعة الأوروبية للفحم والصلب» ومعها أوروبا الموحّدة. تأسست أوروبا التي يستخف بها الجميع اليوم في تلك اللحظة وفي ذلك المبنى بالذات. إنه جزء من الواجبات التي يُفترض أن تستمر.