آرون ديفيد ميلر وستيفن سايمون

بايدن مقبل على الإنشغال بشؤون الشرق الأوسط

20 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة | القدس

كان الرئيس الأميركي جو بايدن محظوظاً في أول سنتين من عهده لأنه ابتعد قدر الإمكان عن شؤون الشرق الأوسط حيث انهارت أفكار السياسة الخارجية الأميركية بالكامل. لكن قد يجد بايدن صعوبة متزايدة في الابتعاد عن الشرق الأوسط بدءاً من العام 2023. لا تزال الحرب الروسية ضد أوكرانيا وتنامي النفوذ الصيني على رأس أولويات السياسة الخارجية الأميركية. لكن قد ينشغل بايدن قريباً بقوى إقليمية أصغر حجماً ومُصمّمة على إبداء مصالحها الخاصة وعدم الالتزام بالقواعد الأميركية. فيما تمرّ خمس دول (سوريا، العراق، لبنان، اليمن، ليبيا) بمراحل متنوعة من الاضطرابات، سيبقى العالم العربي مصدراً للفوضى، باستثناء دول الخليج الغنية التي بدأت تفصل نفسها عن واشنطن تزامناً مع التشديد على أهمية الدعم الأميركي (أبرزها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة).

لكن يبدو أن قوتَين غير عربيتَين ستُحددان الأجندة الأميركية خلال السنتين المقبلتَين: إيران، عدوة الولايات المتحدة اللدودة في المنطقة، وإسرائيل، أقرب صديقة إلى واشنطن. لن تكون نتائج هذا الوضع إيجابية بأي شكل.

بعد عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السلطة، تواجه إدارة بايدن الآن أكثر الحكومات اليمينية تطرفاً في تاريخ إسرائيل، إذ من المتوقع أن تؤجج الاضطرابات في ملف القضية الفلسطينية وبرنامج إيران النووي. يبدو الائتلاف الحاكم مُصمّماً على تغيير النظام الديمقراطي في إسرائيل، وتعديل المجتمع بما يتماشى مع الأفكار اليهودية المتفرّدة، وزيادة الاضطرابات مع عرب إسرائيل، وتبديد أي آمال بنشوء دولة فلسسطينية عبر ضم معظم مساحات الضفة الغربية والقدس إلى إسرائيل بشكلٍ دائم.

قد ترتبط درجة تدهور الوضع في الضفة الغربية بقدرة نتنياهو على فرض نفوذه على شركائه في الحكومة الائتلافية، علماً أنه بأمسّ الحاجة إليهم لتمرير التشريع الذي يسمح بتأجيل محاكمته المستمرة أو حتى إلغائها بالكامل. لا يُعتبر نتنياهو يمينياً متطرفاً بقدر أعضاء آخرين في حزبه، لذا سيفضّل تشكيل ائتلاف يخلو من المتطرفين، حتى أنه قد يفكر منذ الآن بتوسيع حكومته في مرحلة معينة. لكن تطرح عليه مشاكله القانونية خطراً وجودياً، فهو قد يواجه عقوبة بالسجن في حال إدانته، أو ربما يستفيد من صفقة لإنقاذه مقابل خروجه من الحياة السياسية. لهذا السبب، لا يستطيع نتنياهو أن يتخلى عن المتطرفين وسيضطر لتحمّلهم في هذه المرحلة.

من المتوقع أن يبذل نتنياهو قصارى جهده لكبح أفظع سياساتهم أو تغيير مسارها، لكن يصعب عليه أن يسيطر عليهم بالكامل، ويسهل عليهم في المقابل أن يستعملوا الإقطاعيات التي بنوها في مناصبهم الحكومية لنشر الفوضى في العلاقات مع عرب إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس.

قد يكون بتسلئيل سموتريتش من أخطر الوزراء، فهو سيحصل على سلطة شبه كاملة للتحكم بحياة المقيمين في "المنطقة ج" (تشمل أكثر من 60% من الضفة الغربية وحوالى 400 ألف إسرائيلي و280 ألف فلسطيني)، وهو يملك صلاحيات مرتبطة بالبنية التحتية، والتخطيط، والبناء، والطاقة، والكهرباء، وحماية البيئة، وسواها. يتعلق هدف سموتريتش الاستراتيجي بالقضاء على نفوذ وزارة الدفاع والسعي إلى فرض القانون المدني الإسرائيلي في تلك المناطق بهدف تسريع ضمّها.

يسهل أن نتصور حجم الاضطرابات التي تستطيع جماعات فلسطينية معيّنة استغلالها بعد سلسلة من الاستفزازات المتوقعة. خسرت السلطة الفلسطينية القدرة على التحكم بالأحداث، أو ربما تفضّل عدم التدخل. هذا الموقف يُشجّع المتطرفين في المعسكرَين الإسرائيلي والفلسطيني على التورط في جولة متواصلة من أعمال العنف والإرهاب.

عاجلاً أو آجلاً، سيضطر بايدن للتعامل مع انفجار الوضع. قد يواجه على الأرجح تحركات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فيضطر للدفاع عن إسرائيل أو انتقادها. ولن يستفيد بايدن سياسياً إذا وجد نفسه عالقاً بين الجمهوريين الذين يطالبونه بدعم إسرائيل، وعدد متزايد من التقدميين الديمقراطيين الذين يريدون منه انتقاد التحركات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. في الوقت نفسه، سيضغط عليه الحلفاء الأوروبيون والدول الموقّعة على "اتفاقيات أبراهام" لكبح مسار نتنياهو، وستتزامن هذه التطورات مع توسّع الاضطرابات وأعمال العنف.

كما حصل في أيار 2021، استغلت حركة "حماس" التحركات الإسرائيلية في القدس لتصعيد المواجهة مع إسرائيل بدرجة خطيرة طوال أسبوعَين تقريباً، فأجبرت بايدن شخصياً على التدخّل لردع نتنياهو ودفعت مصر إلى الضغط لوقف إطلاق النار. أدى ذلك الصراع إلى مقتل 256 فلسطينياً على الأقل، بما في ذلك 67 طفلاً، و13 إسرائيلياً. يسهل أن تتخذ المواجهة المقبلة مساراً أسوأ بعد.

إذا كانت عودة نتنياهو تنذر بزيادة الاضطرابات على الجبهة الفلسطينية، يبدو أنها قد تجعل الملف النووي الإيراني موضوعاً أكثر إلحاحاً أيضاً. اعتبر نتنياهو التهديد النووي الإيراني أهم ملف في حملته، فهو بدا منشغلاً بمهمة واحدة حين قال في أواخر كانون الأول 2022: "لقد عدتُ إلى السلطة لسبب واحد: سأبذل قصارى جهدي لمنع إيران من تصنيع أسلحة نووية". تبدو الظروف مؤاتية اليوم لتحقيق رؤية نتنياهو في الملف الإيراني أكثر من أي وقت مضى.

يبقى احتمال العودة إلى الاتفاق النووي مستبعداً في هذه المرحلة. حتى أن بايدن اعترف في الشهر الماضي بأن الاتفاق انهار، مع أنه لم يرغب في الإفصاح عن هذا الموقف علناً. دخلت حملة القمع الإيرانية الوحشية ضد التظاهرات غير المسبوقة التي تدعو إلى إسقاط النظام شهرها الرابع، وعمدت طهران إلى تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة لمتابعة حربها ضد أوكرانيا، ما أدى إلى تأجيج المشاعر المعادية لإيران في واشنطن. لكن نظراً إلى معارضة الكونغرس، لا يمكن التأكد من قدرة الإدارة الأميركية على عقد اتفاق مع إيران في الملف النووي، لأن هذا النوع من الاتفاقيات قد يقضي بتخفيف العقوبات فيما تتابع إيران قتل مواطنيها وتساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على قتل الأوكرانيين.

ستكون إسرائيل الخاسرة الكبرى إذا أصبحت إيران مسلّحة نووياً، وهي تزداد توتراً بسبب المخزون الإيراني الذي شاركت في توسيعه حين دعت الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى التخلي عن الاتفاق النووي. بدءاً من الصيف الماضي، سافر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بيني غانتس، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق إيال هولاتا، ورئيس الموساد ديفيد بارنيا، إلى واشنطن لحث إدارة بايدن على التخطيط لهجوم ضد إيران وتنفيذ جولة أخرى من التدريبات المشتركة لاختبار الخطط وتحسين مستوى التنسيق الثنائي. في 25 تشرين الأول 2022، اطلع مستشار الأمن القومي الأميركي، جايك سوليفان، على تحديثات الخطط العسكرية الأميركية وتَحدّد جدول التدريبات المقترحة.

حين كان غانتس يستعد لمغادرة منصبه عند تشكيل حكومة جديدة، أعلن أن معظم الإسرائيليين، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، يُجمِعون على ضرورة إعاقة برنامج إيران النووي بالطرق العسكرية. وفي خطاب ألقاه أمام الطيارين الجدد في سلاح الجو الإسرائيلي، قال إن جزءاً من الإسرائيليين يعتبر مهاجمة إيران حدثاً مستقبلياً حتمياً. تجنب المسؤولون الأميركيون إطلاق التوقعات، لكن لم يناقش أي خبراء التسريبات الإسرائيلية حول تكثيف الخطط الأميركية الإسرائيلية لشن ضربة معينة ضد إيران.

لكن أي نوع من الضربات يخطط له الطرفان؟ وحدها الولايات المتحدة تملك القدرة على تدمير أجهزة الطرد المركزي الخفية من دون نشر أي قوات عسكرية ميدانياً. ووحدها الولايات المتحدة تملك طائرات قادرة على استعمال ذخائر خارقة للتحصينات، ونشر قواعد في الخليج العربي، واستخدام القوة الجوية انطلاقاً من البحار لشن حملة جوية منسّقة ومتواصلة بهدف تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية ومراكز القيادة والتحكم، ومهاجمة المواقع المستهدفة، والعودة لتقييم أضرار القنابل، ومتابعة العودة إلى أن يصبح الدمار شاملاً.

بدأ التحضير لهذه الخطط منذ عهد باراك أوباما، وهي لا تزال قيد التطوير. قد تشارك إسرائيل في هذه الجهود طبعاً عبر إطلاق صواريخ هجومية من غواصاتها، فتنضم إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الضربات الجوية، وتتقاسم المعلومات، وتنفّذ عمليات تخريبية واغتيالات قد تفتعل رداً إيرانياً.

نتيجةً لذلك، يواجه العالم في الوقت الراهن دولة إيرانية لديها دوافع قوية لمتابعة تخصيب اليورانيوم وسمعة دولية تُخفّض التكاليف الدبلوماسية لأي تحرك قد يتّخذه المعتدون. في الوقت نفسه، تواجه إيران خصماً إقليمياً استراتيجياً (إسرائيل) أعلن نيّته استعمال القوة وأثبت إجماعه الوطني على هذا الخيار. كذلك، أوضحت الإدارة الأميركية دعمها للعمليات المشتركة ضد إيران رغم توتر علاقتها مع إسرائيل، ويملك الجيش الأميركي القدرة اللازمة على تدمير البنى التحتية النووية الإيرانية. تنذر هذه التطورات كلها بأن الولايات المتحدة بدأت تدخل مرحلة محفوفة بالمخاطر.

لا بد من التساؤل طبعاً عن حجم الاستعراض في هذه الخطوات كلها. قد تهدف هذه السياسة الأميركية فعلياً إلى طمأنة إسرائيل حول استمرار الدعم الأميركي، تزامناً مع نقل رسالة مفادها أن إسرائيل لا تستطيع أن تنجح وحدها. كذلك، قد تتعلق المواقف المرتبطة بتنفيذ تحرك عسكري في القدس وواشنطن بتشجيع إيران على استئناف المحادثات النووية وتأخير تخصيب اليورانيوم بدرجة تكفي لتصنيع أسلحة نووية. حتى أن الاضطرابات المحيطة بالحكومة الإيرانية والقيود التي تفرضها على نفسها قد تدفعها إلى تقبّل التسوية.

يُفترض ألا يتوقع بايدن أنباءً سارة من الشرق الأوسط خلال السنة المقبلة إذاً. تبقى قدرة واشنطن على رسم معالم الأحداث أو السيطرة عليها محدودة في أصعب ملفَين تتعامل معهما: كيفية تجنب انفجار الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وطريقة كبح تقدّم البرنامج النووي الإيراني. يبدو أن الخيارات المتاحة أمام بايدن بدأت تنتقل من السيئ إلى الأسوأ. قد يحالفه الحظ مجدداً إذا انهار النظام الإيراني وقرر نتنياهو التخلي عن الوزراء المتطرفين لتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات ميول وسطية.

من المنطقي أن يظن الكثيرون أن الولايات المتحدة بدأت تتخبط وتفتقر إلى وجهة واضحة حول ما يجب فعله في الملفَين الإيراني والفلسطيني. قد تكسب واشنطن الوقت إذا قررت الانتقال إلى نظام ردع أكثر قوة عبر إطلاق تهديد جدّي بشن الحرب إذا بالغت إيران في تحركاتها، لكن لا مفر من أن ينفد الوقت في نهاية المطاف. وحتى لو لم تتحقق أسوأ ممارسات الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لا مفر من أن يطلق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ضربة موجعة خلال وقت قصير. باختصار، من المتوقع أن يتفاقم الوضع الذي يتعامل معه بايدن قبل أن يخرج عن السيطرة.