الدين العام والمصارف "وحدة مسار ومصير"

أقلّه... "النأي بالنّفَس"!

02 : 00

يُغادران مستشفى رفيق الحريري الجامعي بعد تأكيد وجود حالة "كورونا" تخضع للعلاج في المستشفى (فضل عيتاني)

"من تحت الدلف لتحت المزراب"... هكذا باتت حياة اللبناني في ظل سلطة فاشلة فاسدة لا ترقى إلى مستوى المسؤوليات والتحديات. وصل "الكورونا" على متن الخطوط الجوية الإيرانية إلى بيروت فوجد البيئة الرسمية الحاضنة تتلقفه وتكاد تفتح له صالون الشرف في مطار رفيق الحريري الدولي، ليدخل وباءً معززاً مكرماً إلى الربوع اللبنانية. إذا كان هناك من قمة عالمية للاستهتار، فالدولة اللبنانية هي الأحق باستضافتها دون منازع، في ظل سجلّها الناصع بتعريض ملايين اللبنانيين للخطر بأمنهم وأمانهم الاجتماعي والاقتصادي والنقدي والبيئي والصحي. إكتمل الحصار وأطبقت الطبقة الحاكمة على أنفاس اللبنانيين، لا أموال ولا أشغال و"فوق الدكة" أوبئة. هي الإقامة اللبنانية الجبرية في "السجن الكبير" حيث كل المحاور السياسية تتقدم على محور اهتمام الدولة بمواطنيها... كونوا لمرة واحدة وحيدة مع "محور المناعة" لأنّ الوباء لن يفرّق بين مواطني محور الممانعة ومواطني محور العرب، فإن كنتم عاجزين عن تطبيق مبدأ النأي بالنفْس، أقلّه بادروا إلى "النأي بالنفَس" عن إيران وسارعوا إلى إقفال المنافذ الجوية أمام الرحلات الإيرانية رأفةً بالبلاد والعباد، فهل تجرؤون؟

لو أنّ في لبنان دولة تقيم وزناً لصحة مواطنيها، ما كان لرحلة آتية من منطقة موبوءة أساساً أن يُسمح لها بالهبوط على المدرج اللبناني، خصوصاً وأن المسؤولين اللبنانيين أُبلغوا مسبقاً بوجود حالة مصابة بالكورونا على متن هذه الرحلة، لكن بدل أن يصار إلى اتخاذ تدابير خاصة لنقل المواطنة اللبنانية المصابة على متن رحلة مخصصة إلى بيروت إن هي رفضت البقاء في إيران للعلاج، ماذا كانت النتيجة؟ تعريض نحو 145 مسافراً على متن الرحلة نفسها التي تقلها لخطر الاحتكاك بالمصابة، ومن ثمّ تركهم جميعاً يخرجون من المطار إلى بيوتهم من دون إخضاعهم لحظر إستشفائي إحترازي، معرّضين بذلك ذويهم وجيرانهم وكل من يمتّ لهم بصلة إلى خطر تفشي العدوى. لا الإجراءات التي طغى عليها طابع "المزاح والفكاهة" كما ظهرت في التسجيل المصوّر، للحظة توزيع الكمامات على القادمين على متن الطائرة الإيرانية من "قُم" باتت تجدي نفعاً، ولا الارتباك الذي صبغ أداء وزير الصحة خلال مؤتمره الصحافي خفّض منسوب الهلع بل زاده هلعاً على هلع، سيّما بعد تأكيده وجود مشتبه فيهما بإصابتهما بالفيروس لا يزالان في المنزل، قبل أن يستدرك مستشاروه ليدفعوه إلى القول بأنه سيتم العمل لنقلهما إلى المستشفى.

مختصر مفيد، أضعف الإيمان بخلية الأزمة الوزارية التي ستلتئم اليوم في السراي الكبير برئاسة رئيس الحكومة حسان دياب أن تصدر قرارات جريئة حازمة لا ميوعة فيها، بدءاً من "وقف الرحلات الجوية من وإلى إيران"، بعدما رجّح مسؤولون فيها أمس أن تكون معظم مدنها باتت موبوءة بالكورونا، مروراً بـ"إقفال الجامعات والمدارس والحضانات لمدة أسبوعين" للتيقّن من عدم وجود إصابات بالفيروس غير مرصودة في المنازل، ووصولاً إلى "تأمين كميات من المستلزمات الوقائية"، كالكمامات الطبية المخصّصة لتفادي انتشار الوباء وتوزيعها مجاناً على المواطنين بدل تعريضهم إلى الابتزاز في سوق الاحتكار السوداء، كما حصل خلال الساعات الأخيرة.

أما في جديد مسلسل انهيار "المناعة الاقتصادية"، وبينما يواصل لبنان هبوطه المدوّي على سلّم التصنيفات الإئتمانية الدولية، سواء عبر تخفيض "موديز" تصنيفه إلى ‭‭CA‬‬ مع توقّع "تكبد الدائنين من القطاع الخاص خسائر كبيرة في ظل إعادة هيكلة الدين الحكومي"، أو من خلال تخفيض "ستاندرد أند بورز" التصنيف اللبناني إلى CC/C، ربطاً بكون "إعادة الهيكلة أو عدم سداد الدين أصبحا أمراً شبه مؤكد"، تستمر الاجتماعات الرسمية مع وفد صندوق النقد الدولي بعيداً من الأضواء الإعلامية عشية مغادرته بيروت اليوم، وفي هذا الإطار سُجل اجتماع في السراي الحكومي بين الوفد ومجموعة من مستشاري رئيس الحكومة، وآخر في وزارة المال مع الوزير غازي وزني، إضافة إلى اجتماعات مالية واقتصادية موازية. وتوقعت مصادر وزارية لـ"نداء الوطن" أنه "خلال عشرة أيام ستكون على طاولة الحكومة سلّة خيارات بالنسبة لموضوع سداد اليوروبوند لتحديد الأنسب منها"، مشيرةً في الوقت نفسه إلى أنّ "لبنان ذاهب عملياً نحو خوض المفاوضات اللازمة مع الجهات الحاملة للسندات، بالتوازي مع إعادة هيكلة الدين العام بشكل منظّم".

وتوضح المصادر أن "إعادة هيكلة الدين العام فيها 3 نقاط أساسية: جدولة الدين لناحية الفوائد، جدولة الدين لناحية الآجال ودرس إمكانية الوصول إلى hair cut". أما بالنسبة إلى أزمة المصارف فهناك وحدة مسار ومصير بينها وبين أزمة الدين العام، وتقول المصادر: "الأزمتان مرتبطتان ببعضهما البعض خصوصاً وأن المصارف اللبنانية تحمل مبالغ من سندات اليوروبوندز، ومن هنا فهي تخشى إذا حصلت عملية إعادة الهيكلة بطريقة غير منظمة أن تتكبد خسائر بمليارات الدولارات، من شأنها أن تؤثر حكماً على القطاع المصرفي، ولذلك فإنّ رئيس الحكومة يتفهم هواجس القطاع ويعمل على تأمين إعادة الهيكلة ضمن إطار خطة مدروسة ومنظّمة".

وفي الغضون، علمت "نداء الوطن" أنّ اجتماعات حصلت في السراي الحكومي مرتبطة بمسألة اختيار الاستشاري المالي والاستشاري القانوني للدولة، بحضور وزيرة العدل ووزير المال، في حين آثر وزير العمل السابق كميل أبو سليمان الردّ على الاتهامات التي تطاوله، وتتحدث عن كونه "وكيل الدولة ووكيل حاملي اليوروبوند" بالتشديد على أنه "ليس استشارياً لأي طرف الآن"، وقال: "الدولة اللبنانية أساساً لم تفضّ العروض بعد لاختيار استشاري قانوني لها، وإذا فزتُ فسأكون استشاري الدولة القانوني ولا علاقة لنا بحاملي السندات". وتلفت مصادر مطلعة لـ"نداء الوطن" إلى أنّ الحملة التي يتعرّض لها أبو سليمان مردّها إلى موقفه المتعارض مع موقف المصارف ومصرف لبنان، لا سيما وأنه مع عدم سداد السندات في الوقت الراهن، وهو موقف ليس جديداً عليه بل كان منذ أكثر من عام يطالب الدولة بالتفاوض لإعادة هيكلة دينها".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.