تعيش هنا، في مقبرة الغرباء، في "زاهرية" مدينة طرابلس أو ما بات يعرف بحي المقبرة، مئات العائلات (أكثر من 600 عائلة)، في بقعة جغرافية لا تتجاوز مساحتها الكيلو متر مربع الواحد، منذ عشرات السنين.
أهم ما يميّز هذا الحي (الغرباء)، الفقر والبؤس اللذان يحيطان به من كل جانب، حتى أن المقبرة صارت هي العلامة الفارقة في هذا الحي. ولهذا الحي من إسمه النصيب الأكبر. فساكنوه هم فعلًا من الغرباء. غرباء عن الوطن، لا يجدون أبسط مقومات العيش الكريم. والمقبرة بحد ذاتها تحمل في طيات ترابها، غرباء عن الحي وربما عن نسيج مدينة طرابلس ولبنان أيضاً، ومن هنا اكتسبت هذا الإسم.
دخلنا إلى حي "المقبرة" عند الساعة الثانية عشرة ظهراً. إستقبلتنا فاطمة حمود وهي سيدة طاعنة في السن. اذ ولدى سؤالنا النساء اللواتي اجتمعن على شرفات المنازل أو على مصطبات البيوت البائسة، عمّن يعرف الكثير عن هذا الحي وأخباره، الكل أجمع على أن فاطمة هي الأخبر. أما الطفلان علي هدى وإسماعيل إسماعيل فلم يتركانا حتى ودّعنا الحي كما دخلنا إليه. لكنّ قصة إسماعيل وهدى، انما هي حكاية أخرى.
السؤال الأول لإسماعيل كان: "أنتو بتوزعو شي؟". لقد ظنّ أننا نحمل إعانات، فسارع إلى اطلاعنا على عنوان بيت أهله حتى لا نستثنيهم من المساعدة. إسماعيل وهو في الأصل من احدى القرى العكارية، جلّ ما يهمه هو أن يعود إلى بيته وبيده مبلغ صغير حتى لو ألفي ليرة ليُفرح به قلب أهله.
إسماعيل وعلي (من التبانة) متفاهمان كثيراً وهما ينتظران زمن العيد أو حتى زيارة أي شخص للمقابر فيقومان بتنظيف القبر من الأعشاب مقابل ألفي ليرة أو ثلاثة. أحلام هؤلاء الصغار ليست كبيرة وطموحاتهم لا تتعدى مساحة المقبرة التي يرونها كل يوم أكثر مما يرون وجوههم في المرآة. يقول إسماعيل (12 سنة): "أنا أدرس وفي الصف الرابع. أريد أن أتخرج وأصبح رجلاً ذا شأن. أريد أن أسافر إلى مكان جميل لا أرى فيه القبور، أريد أن أعيش حياة أجمل". يقاطعه فتى آخر ليقول: "والدي كان يعمل في البلدية ولكن منذ الثورة توقف عن العمل. كلنا هنا أوضاعنا صعبة، تعال وصوّر المنازل لترى الفقر بنفسك".
أما قصة "مقبرة الغرباء" فهي موجودة قبل فيضان نهر أبو علي ولم يكن فيها إلا بيت واحد حينها للعامل المسؤول عن المقبرة كما تروي فاطمة. ودخلت المقبرة إلى منظومة طرابلس الجغرافية اعتباراً من زمن فيضان (طوفة) نهر أبو علي كمنطقة سكنية، حيث راح المنكوبون من ذاك الفيضان يبنون بيوتاً لهم هي أشبه بأكشاك تحولت مع الزمن لتصبح لهم منازل دائمة، أهم ما يميزها جميعها أنها بلا توريق.. (لزق وعلّق ما شئت حتى يصبح منزلًا)...
سكان هذا الحي (المقبرة) هم بغالبيتهم من قرى عكار والضنية مع أقلية سكانية من طرابلس. وفي حين تشرف أوقاف طرابلس والبلدية بشكل أساسي على المقبرة فإن الأهالي هناك يشيرون إلى أن كلفة القبر تتراوح ما بين (500 ألف ومليون ليرة).
في حي الغرباء، رجال كثيرون بلا عمل، وحياة اجتماعية وإنسانية أقل ما يقال فيها أنها لا تليق بالبشر. ولكن وبغضّ النظر إن كانت هذه المنازل مبنية بشكل قانوني أم لا، فإن مجرّد رصد مجموعات تعيش في هذه الظروف بين الأموات، فهذا بحد ذاته كفيل أن يحرّك كل مشاعر الإنسانية في النفوس دفعة واحدة.
صحيح هنا أن الكثيرين من الرجال والنسوة لا يفضّلون الكلام عن أحوالهم لأنهم كما يشيرون "حكينا سنين وما حدا سأل فينا"، إلا أنهم لا يخفون ما يختلج في نفوسهم عندما يدركون أن بصيص أمل ما قد يأتيهم من وراء الكاميرا أو المقالة. أكثر من كان سعيداً بالكاميرا هم الأطفال الذين يفاخرون بصورة لهم على قبر عندما رددوا "صوّرنا نحنا وعم ننضف القبر".