ستانلي ماكريستال، أنشو روي

الذكاء الإصطناعي وصل إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض

24 آب 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

غرفة العمليات في البيت الأبيض

في بداية العام 2022، أصيب خبراء مخضرمون بالشؤون الروسية والأمن القومي في واشنطن بالذهول حين شاهدوا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يحشد جيوشه على حدود أوكرانيا. هل كان ذلك التحرك مجرّد خدعة لانتزاع تنازلات إضافية من كييف والغرب، أم أن الرئيس الروسي كان يوشك على إطلاق حرب برية شاملة لإعادة رسم حدود أوروبا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية؟ راح الخبراء يطرحون فرضياتهم انطلاقاً من خبراتهم المهنية الواسعة، ومع ذلك استمرّ الجدل حول نوايا بوتين الحقيقية من دون التوصل إلى استنتاج نهائي.


لكننا استنتجنا في منطقة "سيليكون فالي" أن بوتين يتجه إلى غزو أوكرانيا قبل أربعة أشهر من بدء الهجوم الروسي. في نهاية كانون الثاني، توقّعنا موعد بداية الحرب بدقة. كيف حصل ذلك؟ كان فريقنا المؤلف من علماء، ومهندسين، وخبراء أمن قومي، في شركة Rhombus Power، يراقب مشهداً مختلفاً بالكامل عمّا تشاهده أوساط السياسة الخارجية التقليدية. اتكلت آلاتنا على الذكاء الاصطناعي لغربلة كميات هائلة من البيانات المنتشرة على الإنترنت أو المنبثقة من الأقمار الاصطناعية، فراحت تجمع العمليات الميدانية، وتقيّم التحرّكات في مواقع الصواريخ وصفقات العمل المحلية، وتُحضّر خرائط حرارية للنشاطات الروسية في الوقت الحقيقي. لقد أصابت توقّعاتنا لأننا لم نتّكل بكل بساطة على تحليلات السياسة الخارجية التقليدية. لم نكن نحاول تخمين دوافع بوتين، ولم نضطرّ لمحاربة انحيازاتنا وفرضياتنا لتفسير كلماته، بل إننا راقبنا ما يفعله الروس عبر تعقّب بيانات بسيطة لكن بالغة الأهمية، وسرعان ما تحوّلت هذه البيانات إلى مؤشرات قوية بعد تجميعها بالشكل المناسب. تتعدّد التفاصيل التي لفتت انتباهنا: انتقلت أنظمة التسلح إلى المناطق الحدودية في العام 2021 وزعم الكرملين حينها أن هذه الخطوة هي جزء من تدريبات عسكرية متواصلة هناك، لكن أوحى هذا التحرك بحصول تقدّم عسكري مستقبلاً.


كذلك، اتّضح أن الضباط الروس لا يخططون للعودة إلى الثكنات أو حتى روسيا في أي وقت قريب، نظراً إلى أنماط إنفاقهم في الشركات المحلية. بحلول نهاية تشرين الأول 2021، أخبرتنا آلاتنا بأن الحرب أصبحت وشيكة. اليوم، تتعدّد التطوّرات التي أوصلتنا إلى مرحلة تسمح بجمع معلومات غير مسبوقة، وتخزينها، والوصول إليها، بما في ذلك أجهزة الاستشعار، والحواسيب التي أصبحت أسرع ممّا كانت عليه، وقوة أنظمة الحلول الحسابية، والثورة مفتوحة المصدر. نحن نستعمل في مقرّنا الرئيسي جميع أنواع البيانات ونجمعها ونحلّلها بمساعدة الذكاء الاصطناعي. نتيجةً لذلك، نشأ جهاز عصبي رقمي يستطيع تحذير صانعي القرارات من التهديدات المتزايدة في مرحلة أبكر مما اعتادوا عليه. يجب أن يتعامل صانعو القرارات دوماً مع الأحداث التي يتوقعون حصولها قبل وقوعها، وتتطلب هذه العملية إعادة النظر بطريقة اتخاذ القرارات المرتبطة بالأمن القومي. تسمح التحذيرات المبكرة بشأن الأحداث الوشيكة بتوسيع هامش التحرك في مجال الأمن القومي، بما في ذلك الأوساط الدبلوماسية، والعسكرية، والاقتصادية، وحملات جمع المعلومات. كذلك، قد يسهم تسريع التحليلات في تجنّب النتائج المعاكسة أو تغييرها أو تخفيف حدتها قبل وقوعها. فيما ينشغل الجنود والسياسيون والدبلوماسيون راهناً برسم النتيجة النهائية للصراع في أوكرانيا، ننشغل نحن بغربلة البيانات في كاليفورنيا لتوقّع الموقع الذي ستستهدفه روسيا في المرحلة المقبلة.


بغض النظر عن استعدادنا لهذه الحقبة الجديدة، بات الذكاء الإصطناعي يسمح بتحليل سيناريوات مستقبلية متعددة ويُسهّل علينا تحديد التوقعات المحتملة والمستبعدة بدقة مفاجئة. الأهم من ذلك هو أنه يمنح صانعي السياسة القدرة على اختبار الردود المحتملة على الأزمات الحقيقية، خلال دقائق أو ساعات، على عكس التدريبات التقليدية التي تتطلب أياماً أو أسابيع عدة. تسمح كمية البيانات التي نحللها بتوقع تحرك الخصوم المقبل بثقة لم تكن ممكنة في السابق. نتيجةً لذلك، تزداد صعوبة أن تفاجئ التحركات غير المتوقعة أي دولة مُجَهّزة بالمعدّات التكنولوجية اللازمة. قد يوضح الذكاء الاصطناعي مسار الأحداث بدرجة غير مسبوقة فعلاً، لكنه يجعل خيارات صانعي القرار أكثر تعقيداً في الوقت نفسه. خلال المرحلة التمهيدية للغزو الروسي، اتخذت إدارة جو بايدن خطوة مبتكرة حين قررت نشر أحكامها بشأن المعلومات الاستخبارية السرية المتعلقة بتحضيرات الحرب الروسية وإيصالها إلى جميع العواصم. لكن إذا كان الذكاء الاصطناعي يسمح بإضعاف خطوات الخصوم المرتقبة، ما سيكون تأثيره على الاستراتيجية الدبلوماسية وأساليب التفاوض؟


تبدو الاحتمالات الواردة مذهلة بمعنى الكلمة. بحلول هذه المرحلة، يُفترض أن يدرك الجميع أن الذكاء الاصطناعي الذي يزداد قوة لا يمكن أن يصبح بديلاً عن الأحكام البشرية. رغم أهمية التحليلات التي تطرحها تلك النماذج، يجب أن يحتفظ صانعو السياسة بقدرتهم على تحديد طريقة تعاملهم مع المعلومات. على غرار التقييمات الاستخبارية التي يتوصل إليها البشر، تترافق الأفكار التي يطرحها الذكاء الاصطناعي دوماً مع احتمال وقوع حدث معيّن، مع أن نسبة حصوله لا تصل إلى 100% مطلقاً. يتطلّب التحرك في الوقت المناسب لتغيير الأحداث المحتملة أعلى درجات الثقة والشجاعة في جميع الأحوال.


حتى أن اتخاذ القرارات استناداً إلى قدرات الذكاء الاصطناعي يتطلب درجة أعلى من الثقة، لأنه مرادف للقيام برهان حول توقّعات معيّنة انطلاقاً من مصادر غير تقليدية. لهذا السبب، يجب أن يتواضع صانعو السياسة حين يجمعون الأدوات التي يستعملونها، بما يشبه طريقة تعاملهم مع معلومات البشر المعرّضة للأخطاء. يُفترض أن يقتنع النظام كله إذاً باحتمال أن تكون التوقعات خاطئة أحياناً. لم يبتكر الذكاء الاصطناعي كرة بلورية سحرية لإطلاق توقعات دقيقة: بدل توقّع الحصول على معلومات بالغة الدقة قبيل اتخاذ القرارات حول ساحات المعارك مثلاً، يتعلق عامل أساسي بالتعامل بشفافية مع المعلومات التي تُمهّد لإطلاق استنتاجات معيّنة. يُفترض أن تزداد أهمية هذه العملية عند التعامل مع الأحكام التي يطلقها الذكاء الاصطناعي مقارنةً بتلك التي ترتكز على الوسائل التقليدية. سيحافظ عدد كبير من الخبراء الذين أمضوا حياتهم وهم يحللون الدول، والمعطيات الجيوسياسية، والكفاءات السياسية، ومسار الحروب، على أهميتهم في عالمٍ تتكل فيه السياسة الخارجية على تحليلات الذكاء الاصطناعي. يُفترض أن يشرف هؤلاء الخبراء على القرارات التي تقودها التكنولوجيا، مثلما تتحقّق التكنولوجيا من أحكام البشر التي تحمل نقاط ضعف وسلبيات منبثقة من التفكير الجماعي.


في نهاية المطاف، يمكننا أن نُضخّم قدرات الذكاء البشري، والجهود الدبلوماسية، والخطط العسكرية، عبر تطوير التكنولوجيا والتطلع إلى المستقبل بدل النظر إلى الماضي. على المستوى العسكري، لن يُحدد الذكاء الاصطناعي مسار كل معركة، لكنه سيزيد الخيارات المطروحة ويوسّع هامش التحرك لاتخاذ القرارات المطلوبة بالسرعة المناسبة.


مع استمرار التقدم الذي تحرزه التكنولوجيا التنبُئيّة، سيواجه القادة وصانعو السياسة مجموعة كاملة وجديدة من التحديات.


نظراً إلى وفرة المعلومات المستجدة، سيضطر هؤلاء لتحديد الأحداث التي تتوقّعها الآلات وتستحق أكبر اهتمام منهم. كذلك، من المنتظر أن تؤدي قوة التوقعات المتزايدة إلى تقليص الشكوك المحتملة التي تبطّئ المسارات السياسية عموماً، ما يجبر الحكومات على تسريع قراراتها بدل القيام برهانات متنوعة والاستعداد لجميع الاحتمالات. نتيجةً لذلك، ستتراجع مبررات تأجيل القرارات إلى أن يتّضح مسار الأحداث وتزول جميع الشكوك، وهو ما سمّاه مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ويليام بيرنز، "تأمّل المشكلة". لم تتحضّر الحكومات بعد لحجم القدرات التي تتمتّع بها التوقّعات المُعزّزة وتؤثر على الآراء الشخصية، والإجراءات المتّبعة، وعقائد الأمن القومي، وعوامل كثيرة أخرى.


عندما يستعمل الخصوم التقنيات نفسها، سينشأ واقع كفيل بتغيير قواعد اللعبة ومبني على شفافية متبادلة: في هذه الظروف المستجدة، يدرك الطرف الآخر أننا نعرف ما يخطط له مسبقاً والعكس صحيح. مثلما كان عامل المفاجأة والشك أساس الأحداث الأمنية الكبرى في الماضي، بدءاً من هجوم "بيرل هاربر" وصولاً إلى أزمة الصواريخ الكوبية ثم هجوم 11 أيلول، من المتوقع أن تتّسم بقية مراحل القرن الواحد والعشرين بوفرة التوقعات والمعلومات العملية. حتى الآن، بالكاد تطرّق المعنيون إلى المسائل المتعلقة بدور الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن القومي. في عالمٍ تُعتبر فيه سيطرة المعلومات أكبر ميزة ممكنة، كيف ستتأكد الولايات المتحدة من أنها تتابع التفوّق على خصومها ومنافسيها؟ هل يستثمر الأميركيون وحلفاؤهم في التقنيات والمفاهيم الصائبة؟ وهل يستعملون تلك الأدوات بالسرعة اللازمة أو في نطاق مناسب لردع أي عدوان مستقبلي، أو حتى هزمه عند الحاجة؟ ستظهر قريباً مجموعة أخرى من الأسئلة الشائكة بالنسبة إلى صانعي السياسة.


إذا أصبحنا قادرين اليوم على توقّع الخطوات التي ينوي الخصوم أو الأشرار اتخاذها قبل سنوات من تنفيذها، ما طبيعة المسؤوليات التي يُفترض أن نتحمّلها قبل التحرك، وما هو دور الدبلوماسية في هذا المجال؟ وكيف يضمن صانعو السياسة ألا تتحول قدرة الذكاء الاصطناعي على إطلاق التوقعات إلى تبرير بسيط لاستعمال القوة العسكرية بطريقة استباقية، حتى لو كانت هذه الخطوة لا تتماشى مع المصالح أو القيم الأميركية؟ وما هي الجوانب الشرعية أو القانونية لإطلاق تحرّكات فتّاكة على الساحة الدولية انطلاقاً من توقعات الذكاء الاصطناعي؟ وهل من واجبنا أن ننشر التحذيرات علناً؟ وهل من دور محتمل للغموض الاستراتيجي في عالمٍ جعله الذكاء الاصطناعي شفافاً لهذه الدرجة، أم أنّ واشنطن سترغب في إبلاغ خصومها بأنها تعرف ما يخططون له؟ أخيراً، متى سيصبح الجمود مبرراً أو حتى ضرورياً؟ في النهاية، لا يُعتبر الذكاء الاصطناعي جزءاً من الخيال العلمي، فقد تحوّل إلى واقع ملموس اليوم وتسلّل إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض.



أصبحت التكنولوجيا المعاصرة متفوّقة بكل وضوح، لكننا بدأنا نُطوّر للتو القدرات البشرية لاستعمالها ونُحدِث التعديلات التنظيمية، والإجرائية، والعقائدية اللازمة، لحصد منافع الأمن القومي المبني على الذكاء الاصطناعي مع مرور الوقت.

MISS 3