روبين رايت - نيويوركر

الشرق الأوسط...

هل يتعافى من كورونا وانهيار أسعار النفط؟

16 أيار 2020

02 : 00

منذ سنة، احتفلت إيران بيوم الجيش الوطني عبر استعراض قوتها العسكرية بطريقة مبهرجة. في ظل تصاعد التوتر مع إدارة ترامب مجدداً، تجولت الدبابات والصواريخ بعيدة المدى والمُحمّلة على شاحنات مسطحة في شوارع طهران، وكشفت تشكيلات القوات العسكرية المنظّمة عن تنوّع الجيش. لكن اختلف العرض كثيراً هذه السنة وحمل رسالة مختلفة. بعد تسجيل أكثر من مئة ألف حالة مؤكدة من فيروس "كوفيد - 19" في إيران، شمل الاحتفال بيوم الجيش هذه المرة جنوداً يسيرون ببذلات واقية وأقنعة للوجه إلى جانب طوابير من سيارات الإسعاف والشاحنات المسطحة التي تحولت إلى عيادات متنقلة، ومركبات عسكرية ترشّ كميات هائلة من المطهّرات في الجو. وقدّم عناصر الجيش عرضهم على بُعد ستة أقدام من بعضهم البعض. لم يحضر الرئيس الإيراني العرض، بل أعلن في رسالة إلى الجيش الوطني: "العدو مختبئ الآن، والأطباء والممرضون موجودون على الخطوط الأمامية للمعركة. جيشنا ليس رمزاً للروح الحربية بل تجسيداً لدعم البلد وتحقيق مصالحه الوطنية".

يُعتبر الشرق الأوسط من أكثر المناطق تقلّباً في العالم منذ أكثر من سبعة عقود، وقد واجه في الشهرَين الأخيرَين كارثة مزدوجة: انتشار فيروس كورونا وانهيار تاريخي لأسعار النفط العالمية. شكّلت إيران بؤرة الفيروس الأصلية في المنطقة، وسجّل 17 بلداً عربياً إلى جانب إيران وإسرائيل أكثر من 220 ألف إصابة وفاقت الوفيات فيها التسعة آلاف شخص.

في الوقت نفسه، تعرّضت الأنظمة الاقتصادية في أنحاء المنطقة لضربة قاسية بعد انهيار أسعار النفط بمستويات غير مسبوقة تاريخياً خلال الشهر الماضي نتيجة إغراق السوق بالإمدادات وانخفاض الطلب على النفط والغاز تزامناً مع تدابير الإقفال التام عالمياً. قبل سنة، بلغ سعر النفط 67 دولاراً للبرميل الواحد. وفي الشهر الماضي، انهارت الأسعار عالمياً وانخفض سعر النفط الأميركي للمرة الأولى تحت عتبة الصفر. وحين امتلأت منشآت التخزين بالكامل لدى المنتجين، اضطر البعض لدفع المال للشراة كي يأخذوا النفط الذي تعجز الشركات عن الاحتفاظ به. تقول سوزان مالوني من معهد "بروكينغز": "لا أتوقع أن يتعافى الشرق الأوسط. سيكون أثر هذا الوضع كارثياً على المنطقة لأن انتشار "كوفيد - 19" وانهيار أسعار النفط في الوقت نفسه يشكلان ضربة موجعة للدول المُنتِجة للنفط التي شكّلت مصدر رخاء لبقية بلدان المنطقة".

منذ أواخر شباط الماضي، تغيّر المشهد العام في أنحاء المنطقة وتبدلت معه أجندة قادتها ووقائع الحياة اليومية. في محافظة إدلب السورية، آخر ساحة معركة كبرى في الحرب الأهلية هناك، تجولت مقطورة عليها رسومات ضخمة ومنزلية الصنع لفيروس كورونا باللون الأحمر في أنحاء الشوارع لتحذير السكان الغارقين في الحرب من خطر أكبر من نظام الأسد. وفي المملكة العربية السعودية، أصبح المسجد الكبير في مكة المكرمة فارغاً على نحو مريب. في آذار الماضي، حظرت المملكة جميع عمليات الحج، بما في ذلك الحج السنوي إلى مكة، علماً أنها لم تنقطع منذ غزو نابوليون لمصر في العام 1798.

حتى أن مساعي البقاء على قيد الحياة تطغى اليوم على أعمق الخصومات في المنطقة. أغرق الإسرائيليون صانعي الأقمشة في غزة بطلبيات لصنع الأقنعة ومعدات واقية أخرى، واستُبدلت الكتابات المناهضة لإسرائيل على جدران غزة برسومات لفيروس كورونا وأشخاص يضعون الأقنعة.



فنّانون فلسطينيون يرسمون لوحات جدارية كجزء من حملة توعويّة للوقاية من فيروس كورونا في خان يونس جنوب قطاع غزة



تزامنت أزمتا الوباء وانهيار أسعار النفط مع أقصى درجات الفوضى: ثلاث حروب أهلية مستمرة (منذ خمس سنوات في اليمن، وست سنوات في ليبيا، وتسع سنوات في سوريا)، واحتجاجات قاتلة في العراق منذ أشهر، وانهيار النظام النقدي في لبنان، وإجراء ثالث انتخابات إسرائيلية خلال سنة، وانتشار ملايين اللاجئين والنازحين في مخيمات بدائية في الأردن والعراق ولبنان، وتجدد الاعتداءات الانتحارية والاغتيالات من جانب "داعش". وباستثناء إسرائيل، تفتقر معظم بلدان الشرق الأوسط إلى الفِرَق الطبية والمستشفيات والمعدات اللازمة لتقديم رعاية صحية مناسبة للناس في زمن الوباء، كما أنها تفتقر إلى الموارد المالية لإنقاذ وضعها الاقتصادي.

جاءت هذه الأزمات لتجعل الشرق الأوسط أكثر تقلباً مما هو عليه. تبلغ نسبة السكان تحت عمر الثلاثين حوالى 60% في هذه المنطقة، ما قد يؤثر على عدد الناجين من الوباء. لكن كان الشبان رأس حربة في إطلاق الاحتجاجات في المنطقة أيضاً، وقد يعبّرون الآن عن تجدّد غضبهم لأنهم الجيل الأكثر تأثراً بتصاعد نسبة البطالة. في بلدان كثيرة، كان ثلث الشبان تقريباً عاطلاً عن العمل قبل الوباء. في لبنان مثلاً، خرق المتظاهرون قرار الحجر المنزلي في مدينة طرابلس الشمالية وأحرقوا البنوك احتجاجاً على انهيار العملة الوطنية وتأثير الأزمة على حياتهم. قُتِل الشاب فواز السمان البالغ من العمر 26 عاماً خلال مواجهة مع الجيش اللبناني، فاعتُبر سريعاً "شهيد ثورة الجياع". تقول مالوني: "إنها نقطة تحوّل مفصلية. سيترافق هذا الوضع مع آثار سياسية طويلة الأمد، ولا مفر من أن يؤجج النزعة الشعبوية وغضب الشعوب ضد حكوماتها".

تشمل إيران، بؤرة الفيروس في المنطقة، حوالى نصف مجموع حالات كورونا. وكانت إيران مصدر الإصابات في 23 بلداً في أربع قارات، من الولايات المتحدة إلى السويد، ومن تايلاند إلى نيوزيلندا. لا يزال الوباء في مراحله الأولى في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط برأي بول سالم، رئيس "معهد الشرق الأوسط" في العاصمة واشنطن. وتفتقر المناطق الأكثر هشاشة إلى الوسائل اللازمة للتكيف مع انتشار العدوى، أبرزها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في أنحاء المنطقة، والأحياء الفقيرة في الدار البيضاء والجزائر، ومناطق الحروب في اليمن وليبيا، والمساحات المكتظة مثل قطاع غزة. يضيف سالم: "نظراً إلى غياب أي علاج أو لقاح حتى الآن، ستستمر تدابير الإقفال التام لفترة طويلة، وقد تصبح الخسائر البشرية خلال سنة أو سنتين هائلة. قد يموت الناس في الشرق الأوسط بسبب هذا الوباء بأعداد تفوق ضحايا حروب المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى".

على صعيد آخر، تواجه كل حكومة تحديات اقتصادية هائلة. انهارت الجزائر التي تسجل أعلى عدد وفيات بسبب "كوفيد-19" في أفريقيا وتتكل على منتجات البترول لتلقي 60% من عائداتها. هذا الأسبوع، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون عن ضرورة تخفيض ميزانية البلد إلى النصف. وكانت ميزانية المملكة العربية السعودية للعام 2020 تتطلع إلى أسعار تفوق الثمانين دولاراً للبرميل الواحد. تتكل أكبر مُنتِجة للنفط في العالم على قطاع البترول لتأمين 87% من إيرادات الميزانية، لكنها باتت مضطرة اليوم للاتكال على احتياطياتها الأجنبية التي تبلغ 32 مليار دولار وعلى أسواق الديون لتلبية أبسط متطلباتها.

قد يبقى أثر الاتفاق المبرم في الشهر الماضي بين 23 دولة مُنتِجة للنفط لتخفيض الإنتاج بمعدل 10 ملايين برميل في اليوم محدوداً. في نيسان الماضي، توقعت الوكالة الدولية للطاقة أن يتراجع الطلب العالمي على النفط بمعدل 29 مليون برميل يومياً. لذا من المنتظر أن تخسر ليبيا وإيران والعراق ودول خليجية أخرى إيرادات بقيمة عشرات ملايين الدولارات.

للتحكم بالوباء، أصبحت الحكومات المعروفة بحكامها المستبدين في المنطقة أكثر استبداداً، فأغلقت المساحات العامة وسيـــطرت على أقوال الشعوب وتحركاتها، علماً أن هذه الشعوب تواجه في الوقت نفسه مشاكل البطالة والجوع. فرضت الإمارات العربية المتحدة، التي سـجّلت أكثر من 15 ألف إصـابة بفيروس "كوفيد - 19"، غرامة تفوق الخمســة آلاف دولار علــــى كل من يخالف القرارات الرسمية حول الوباء. أما المملكة العربية السعودية التي سجّلت أكثر من 30 ألف حالة، ففرضت حظراً صارماً للتجول ومنعت الدخول إلى مدن كثيرة والخروج منها. سجلت مصر من جهتها أكثر من 7 آلاف حالة وجرّمت "نشر الهلع" بسبب الوباء. في الوقت نفسه، منح البرلمان المصري صلاحيات هائلة إضافية للرئيس عبد الفتاح السيسي والأجهزة الأمنية. يقول جو ستورك، نائب مدير منظمة "هيومن رايتس ووتش" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في بيان له: "تستغل الحكومة المصرية الوباء لتوسيع قانون الطوارئ المصري التعسفي بدل إصلاحه. على السلطات المصرية أن تعالج مخاوف الصحة العامة الحقيقية من دون أن تفرض أدوات قمع إضافية".

أخيراً، تزامنت الأزمة المزدوجة مع شهر رمضان المبارك الذي بدأ في 24 نيسان. في الظروف العادية، يكون هذا الشهر من أكثر الأوقات بهجة في السنة للمسلمين، فيصومون من الفجر إلى الغسق، ثم يكسرون الصوم اليومي بموائد إفطار يتقاسمونها مع عائلاتهم الكبيرة وجيرانهم وجماعات من المصلين في المسجد. لكن أصبحت مناسبات الإفطار اليوم عبارة عن وجبات طعام صغيرة ومتواضعة في ظل الحجر المنزلي. كان الأردن من بين بلدان كثيرة منعت الصلاة في المساجد خلال شهر رمضان. لو كان القادة حكماء بما يكفي، يظن سالم أنهم كانوا عملوا على تخفيض الإنفاق الدفاعي، ووضعوا حداً للتدخلات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة في الحروب، وركزوا على مسائل الصحة والرعاية الاجتماعية. لقد أثبتت موجات الاحتجاجات قبل الوباء أن الشرق الأوسط أصبح مستعداً للتغيير. لكنّ تاريخ هذه المنطقة يبقى حافلاً، لذا تبدو التوقعات في المرحلة المقبلة قاتمة. هذه المؤشرات كلها لا تنذر بمستقبل واعد في الشرق الأوسط بعد زمن الوباء!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.