5062

الإصابات

65

الوفيات

1837

المتعافون

غاري دريفيتش

The Clock Mirage... الزمن مفهوم وهمي؟

22 أيار 2020

02 : 00

كتاب جديد عن نضالنا الأزلي لحصر الزمن وإخضاعه لقواعدنا...

حين تكثر أوقات فراغنا، نصبح أكثر ميلاً إلى التفكير بالزمن. بسبب تدابير الحجر المنزلي في ظل انتشار فيروس كورونا اليوم، حصل ملايين الناس على ساعات فراغ غير مسبوقة منذ سنوات. مع تفاقم المخاطر الصحية والمصاعب الاقتصادية، من الطبيعي ألا يستمتع معظم الناس بهذه الفترة: بعيداً عن الروتين والالتزامات ووسائل النقل والحصص والجداول المُلزِمة، أصبح الزمن كياناً بحد ذاته ولم يعد مجرّد مؤشر. لا يمكن الاستفادة منه اليوم كما كنا نفعل في أفضل أيامنا، بل إننا بدأنا نتصارع معه.

إنه الوقت المناسب إذاً لقراءة كتاب جوزيف مازور الجديدThe Clock Mirage: Our Myth of Measured Time (سراب الساعة: خرافاتنا عن الزمن البطيء). يجمع مازور في هذا الكتاب بين الفيزياء وعلم النفس، ويحلل تعلّق البشر القديم بالأيام والساعات والثواني، ويستعرض أحدث الاكتشافات عن الساعة الداخلية في الجسم. يكتب مازور: "صحيح أن الزمن لا يرتبط بنبضنا، لكنه أكثر ارتباطاً بخلايا الجسم وأدمغتنا التي تستحدث الذكريات لإبلاغ جسمنا بأننا جزء أساسي من الإيقاعات التي تثبت أننا أحياء".

أدى ظهور الوقت إلى تغيير حياة البشر. لم نعد نأكل وننام حين نشعر بالجوع أو التعب، بل عندما تبلغنا الساعة بموعد هذه النشاطات. أصبح الوقت المجرّد أداة وجودية جديدة برأي مازور وتحوّل الزمن إلى سلعة بحد ذاتها. يتقدم الزمن بإيقاع متسارع. قد يشعر به البشر وقد لا يفعلون، لكن يصعب أن يستوعب قصيرو النظر هذا المفهوم.

يمكن اعتبار كل شكل من العلوم دراسة للوقت، إذ يبقى الزمن في جميع الأبحاث عاملاً متغيراً. لكن لطالما وجدنا صعوبة في تعريف اللحظة (أي المدة الفاصلة بين الماضي والمستقبل)، أقلّه منذ أن تجادل زينون الإيلي ومفكرون يونانيون آخرون حول اعتبار مسار السهم رحلة متواصلة أو سلسلة من الحركات الفردية أو الاثنين معاً. حتى لو كنا نعجز عن إيجاد جواب مؤكد، نستطيع استيعاب تجربتنا مع الوقت. يصفه مازور على الشكل الآتي: "يشير التسلسل السريع للحظات الحاضرة إلى تدفق متواصل للوقت".

يضيف مازور إلى فصول الكتاب مقاطع فاصلة حيث يناقش تجاربه مع أشخاص يشعرون بالوقت لأقصى الدرجات، على غرار الرياضيين ورواد الفضاء وسائقي الشاحنات لمسافات طويلة والسجناء والطيار الذي يعبّر عن حقيقة عالمية مثبتة: "العودة إلى المنزل تبدو أسرع دوماً"!

تعكس أفكارهم جانباً أساسياً من الزمن الذي يختبرونه. إنه وقت خيالي برأي مازور، أو مجرّد "خدعة لمساعدتنا على التكيف مع رغبتنا الجامحة في تفسير عالمنا وتنظيمه".





يكون ميلنا إلى ربط الزمن برقم معيّن مجرّد "شكل خارجي للوقت وليس الوقت بحد ذاته". من دون الساعة التي تسجّل الوقت، لا وجود لهذا المفهوم إلا في إطار آثاره الشخصية على ذاكرة البشر ومصيرهم". نستطيع استعمال الوقت المحسوب لخداع أنفسنا، فنضبط الساعة قبل خمس دقائق من الوقت الصحيح مثلاً كي نستعجل في ما نقوم به، لكننا لا نستطيع الإمساك بالزمن بأي طريقة.

إذا تخلصنا من ساعاتنا، سنفهم سريعاً أن المفهوم الذي نحمله عن الزمن هو مجرّد سراب. في التجارب التي فرضت على الناس الانتقال إلى مساحات تخلو من النوافذ والساعات، وفي سجلات مستكشفي الكهوف المحتجزين تحت الأرض طوال أسابيع أو أشهر، لم يعد الأفراد يجيدون تقدير الوقت الخارجي، فاستسلموا لإيقاعات تُحددها وظائفهم الجسدية الخاصة التي تختلف بشدة عن دورة الأربع وعشرين ساعة. غرق البعض في دورات تمتد على 36 ساعة من اليقظة و12 ساعة من النوم. ولم يعد الآخرون يلاحظون الفرق بين النوم لثماني عشرة ساعة والنوم لساعتين.

لا داعي للانتقال إلى كهف كي نفهم الطابع المتبدّل للوقت، بل يكفي أن نتقدم في السن. تقع الساعة الداخلية في جسمنا داخل منطقة الوطاء الدماغية وتُوجّهها جيناتنا وأثر الضوء على شبكية العين، لكنها تتأثر بشكلٍ أساسي بالتقاليد الثقافية على الأرجح. توضح الأبحاث أن مفهوم الوقت في عقلنا يتسارع حين نخوض تجارب سعيدة، لكنه يتباطأ حين تكون الأحداث مملة ويكاد يتوقف في المواقف الخطيرة أو العصيبة. لهذا السبب، نميل إلى تذكّر هذه اللحظات الشائكة بوضوح.

لكنّ أنظمة ساعتنا الداخلية تضعف مع التقدم في السن، فتتراجع مدة نومنا ونخصص وقتاً إضافياً لأنفسنا، ومع ذلك يمر الزمن بوتيرة أسرع في هذه المرحلة. يتعلق سبب محتمل بتراجع اللحظات البارزة في حياتنا، مثل القبلة الأولى أو اقتناء أول سيارة أو إنجاب أول طفل... بعبارة أخرى، لن نركّز بالقدر نفسه على اللحظات الروتينية المألوفة. وحين تتراجع اللحظات التي تستحق البقاء في ذاكرتنا، من الطبيعي أن نشعر بتسارع الوقت. لكن يفكر الشبان بمرور الوقت أكثر من غيرهم، فهم يراقبون الساعة عن قرب ويضجرون بسهولة ويتعطشون لكل ما هو جديد.

نحن نتخذ قراراتنا بناءً على تجارب الماضي ونفكر بمسار المستقبل في الوقت نفسه، ومع ذلك نبقى دوماً في الزمن الحاضر. لكنّ "الحاضر يصبح ماضياً بلمح البصر" ونشعر جميعاً بأننا نعجز عن إيقاف الوقت. لقد كتب مازور كتاباً عن حاضرنا لأنه يتوصل دوماً إلى استنتاجٍ يجب أن يعترف به الجميع: نحن الخاسرون في معركتنا ضد الزمن!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.