79529

الإصابات

625

الوفيات

40352

المتعافون

جورج عقيص

عن جدلية القوات والثورة

8 أيلول 2020

02 : 00

لا تعطي كتب التاريخ أمثلة ولو قليلة عن ثورات شعبية قامت بوجه سلطة مركّبة لا تأتلف مكوناتها بل تتعايش قسراً، ولا عن ثورات وجدت صدىً لها في صفوف احزاب ممثلة في المجلس النيابي، الذي تسعى تلك الثورة الى اسقاطه بهدف انتخاب واحدٍ جديد يأخذ مطالبها واجندتها في حسبانه السياسي.

يصعب، بالتالي، تفسير الاهتزازات والارباكات في العلاقة بين الثورة التي لا توفر أحداً من التركيبة السياسية، وبين حزب "القوات اللبنانية" الذي يحسب نفسه على الثورة اكثر مما يحسب نفسه على السلطة، فتقوم قيامة الثورة ان أيدتها القوات متهمة اياها بالانتهازية، وتقوم قيامة "القوات"، بالمقابل، اذا وضعتها الثورة في قالب السلطة وطالبت بكسر القالب برمّته.

كما تصعب مقارنة هذه العلاقة بسواها من العلائق السابقة سواء في لبنان او العالم، لأنها انموذج فريد عن الفهم المتبادل بين جماعتين تناصبان العداء الآني لنفس الخصم، واحدة من زمن الحرب تحولت الى تنظيم سياسي مؤسساتي حسم امر خروجه النهائي من السلطة بكل اشكال الاشتراك، بعد ان جرّبها كلها وأيقن عدم جدواها في ظل الظرف السياسي المستحكم بلبنان منذ مدّة، واخرى ولدت من رحم الازمات وتمثّل رأياً عاماً غير محدّد لا بالجغرافيا ولا بالانتماء الطائفي ولا حتى بالاسماء والأوجه.

ان هذه الجدلية قامت عقيمةً وهي تتحوّل اليوم الى عبثية ورعونة سياسيتين، لا بدّ من محاولة تبسيطها وتجاوزها تحقيقاً للنفع العام الذي لا تحققه حتماً هكذا جدليات.

إننا في "القوات اللبنانية" نريد للثورة ان تنجح. هذه هي الثابتة واللازمة والمسلّمة.

وليس امام الثورة الا ان تصدّق هذه الارادة، ونوجز اسباب ارادتنا بنجاح الثورة، بأن نجاحها يعني حتماً سقوط كل ما ننادي نحن باسقاطه، وفشلها يعني ايغال مشروعنا في الصعوبة واستفرادنا من قبل الطغمة الحاكمة.

ان تتوحّد الثورة خلف مشروع سياسي متكامل او ان تكتفي باسقاط السلطة السياسية القائمة، هذا شأنها...

ان تتمظهر لاحقاً على شكل احزاب سياسية او ان تبقى مجموعات تلتقي وتتباعد حسب الموضوع والظرف، هذا ايضاً شأنها...

ان تخوض الانتخابات النيابية، أياً يكن موعدها، بلوائح كاملة او فرادى وبالتحالف مع من يشبه خطابها من الاحزاب، هذا ايضاً وايضاً شأنها...

ان تبقي على شعار كلّن يعني كلّن او تقيم التمييز الايجابي بين القوى السياسية بحسب سلوكها، هذا بالتأكيد شأنها.

ولكن ان ترفض بعض جماعات الثورة علينا الحق في تمييز انفسنا عن الطبقة السياسية، فهذا عبث ولغو...

ان تصبح عقدة الثورة الاساسية وخطابها الاول، اتهام "القوات" بركوب موجة الثورة، لا مواجهة السلطة الحاكمة التي تريد تحجيم الثورة وانهائها كلياً، فهذا ايضاً عبث ولغو...

ان تنكر مجموعات الثورة "بعض" فضائل حزب "القوات" وفي طليعتها مجابهة الدويلة داخل الدولة وعدم الانغماس بالفساد، فهذا ايضاً وايضاً عبثٌ ولغو.

وكل ما سبق يضرّ بالثورة بحسب رأيي اكثر مما يضرّ بـ"القوات".

لذلك اعتقد ان خريطة الطريق في العلاقة بين "القوات" وبعض قوى الثورة يجب ان تقوم على المحطات التالية:

1 - انكار مقابل انكار، او تسليم بالحقّ مقابل التسليم بالحق.

2 - توقف مناصري "القوات" عن الهجوم على الثورة، لمجرد اصرارها على استعمال مقولة كلّن يعني كلّن. والاصرار من طرفنا على اتخاذ كل ما يميّزنا عن الطبقة السياسية، فتسقط المقولة تلك ساعتئذٍ بفعل تراكم المواقف وبدون جهد لدى الرأي العام وتصير عبئاً على مطلقيها فترتدّ عليهم.

3 - التعايش مع فكرة الثورة غير المنظّمة ومحاولة تحقيق الاهداف المشتركة معها، بمعزلٍ عن الاهتمام بقياس نسب المساهمة في تحقيق تلك الاهداف، الذي له اوانه المنفصل.

4 - السعي للوصول الى ثورة منظمة تعمل على تنقية ذاتها والتحول الى حزب سياسي، وعند ذلك سيكون مكسب القوات الاكيد هو في التنافس مع حزبٍ سلمي ديموقراطي يحمل اهدافاً سياسية سامية، لا مع زمر وعصابات نفعية لا مشروع لديها سوى الوصول الى السلطة والاستيلاء على منافعها.

حتى ذلك الحين، اتوجّه الى كل رفاقي في الثورة، وهم كثر، ليس بنصيحة - لأن بعضهم لا يحبّ تلقّي النصائح - بل بتمنٍّ: ان يمضوا في سبيل ثورتهم بقلوب مفتوحة على جميع الافكار والاشخاص، كما نمضي نحن في سبيل تحقيق رؤيتنا كي نصل واياهم الى لبناننا الجديد الذي لا شك فيه الكثير من المساحات المشتركة بيننا.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.