64336

الإصابات

531

الوفيات

29625

المتعافون

مايكل كاربنتر

خطة موسكو الحقيقية في بيلاروسيا

11 أيلول 2020

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

ألكسندر لوكاشينو و فلاديمير بوتين
يشعر قادة الغرب بالقلق حول الرد الروسي على تصاعد الاحتجاجات الشعبية المعادية للنظام الاستبدادي في بيلاروسيا بقيادة ألكسندر لوكاشينكو. لن يكون استعمال القوة قراراً مستبعداً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أعلن على التلفزيون الحكومي أن لوكاشينكو طلب منه إبقاء شرطة مكافحة الشغب في حالة تأهب "تحسباً لخروج الوضع عن السيطرة".

لن يكون هذا المسار توجه بوتين المفضّل في بيلاروسيا على الأرجح. عمد الكرملين إلى غزو الأراضي واحتلالها في جورجيا وأوكرانيا لمنع البلدين من اتخاذ وجهة جيوسياسية نحو الغرب. لكن زرع الإمبرياليون الجدد في الكرملين بهذه الطريقة بذور المقاومة لأي شكل من الاحتلال الروسي وأججوا الدعم الشعبي للتكامل الأوروبي الأطلسي، لا سيما في أوساط الشباب في جورجيا وأوكرانيا. بدأت موسكو تستنتج، ولو في مرحلة متأخرة، أن أي نوع من حملات التضليل لن يعكس هذه النزعات.

لهذا السبب، يحمل بوتين خطة مختلفة لبيلاروسيا. بدل إرسال "الرجال الخضر الصغار" لاحتلال الأراضي البيلاروسية، تريد موسكو تطبيق مقاربة "الضم السلس". تقضي هذه الاستراتيجية بتحقيق الأهداف النهائية تدريجاً، بدءاً من التكامل الاقتصادي والعملة المشتركة، مروراً بالتكامل السياسي عبر تبنّي سياسة خارجية ودفاعية مشتركة، وصولاً إلى إنشاء دولة اتحادية شاملة تترافق فعلياً مع ضم بيلاروسيا إلى روسيا.





في السنوات القليلة الماضية، كثّف بوتين ضغوطه على لوكاشينكو كي يرضخ لهذه الخطة عبر التشديد على بُعدها الاقتصادي. لطالما قدمت موسكو دعماً كبيراً لصادرات النفط في بيلاروسيا، لكن عمد بوتين إلى تعليق هذا الإجراء على أمل إخضاع الاقتصاد البيلاروسي. لقد لجأ إلى تكتيكات تافهة لتحقيق غايته، ففرض ضوابط على الصادرات الزراعية البيلاروسية إلى روسيا. اليوم ترسل موسكو طائرات مُحمّلة بـ"تقنيين سياسيين" إلى مينسك بحجّة الأزمة السياسية الراهنة، فضلاً عن ضباط استخباريين سريين، وناشطين في الفضاء الإلكتروني، ومستشارين إعلاميين، وخبراء دعائيين، ومستشارين أمنيين. إنهم رجال "رماديون" بدل العناصر "الخضر الصغار"، وهم متخصصون بالحروب السياسية. تقضي مهمتهم الفورية بوضع الأسس اللازمة لاستراتيجية "الضم السلس".

يحتاج الكرملين إلى لوكاشينكو في السلطة لتحقيق هذا الهدف، في الوقت الراهن على الأقل. يتناقش مستشارون تابعون لجهاز الأمن الفدرالي الروسي راهناً مع الزعيم البيلاروسي لتفكيك الحركة الاحتجاجية عبر خليط من القمع الجماعي وتهديدات محددة ضد قادة المعارضة (يمكن التهديد مثلاً بأخذ أولادهم وإرسالهم إلى دور أيتام). بناءً على قواعد موسكو المثبتة لتأجيج الصراعات الأهلية في البلدان الأخرى، بدأ التقنيون السياسيون الروس يحاولون إحداث شرخ داخل الحركة الاحتجاجية، وتحديداً بين سكان شرق بيلاروسيا وغربها، وبين الطبقة العاملة والنخبة المثقفة، وبين المسيحيين الكاثوليك والأرثوذكس. وصل مذيعون تلفزيونيون روس من موسكو لإقناع سكان بيلاروسيا بأن صحوتهم الوطنية هي مجرّد مؤامــــــرة خارجية يقودها عملاء للخارج.

حتى الآن، لم يقتنع سكان بيلاروسيا بهذه الفكرة. نَفَر المواطنون العاديون من لوكاشينكو بعدما وصف المحتجين بكلمة "جرذان" وظهر إلى جانب ابنه المراهق وهو يرتدي درعاً واقياً ويحمل بندقية بشكلٍ أخرق: أوضح هذا المشهد أنه لا يعكس بأي شكل صورة "رجلٍ من الشعب". كذلك، انهارت شرعيته (تكشف استطلاعات سرية قامت بها منظمة غير حكومية داخل بيلاروسيا أن نسبة تأييده أصبحت أقل من 10%) ويدرك الكرملين هذه الحقيقة على ما يبدو. فيما ينشغل لوكاشينكو في ترهيب قادة المعارضة، بدأ "الرجال الخضر الصغار" التابعون للكرملين يفرضون سيطرتهم على المؤسسات الأمنية في بيلاروسيا، على غرار لجنة أمن الدولة ووزارة الداخلية والقوات المسلّحة.

في أواخر شهر آب، ظهرت تقارير مفادها أن لوكاشينكو قابل مسؤولاً مرموقاً من الكرملين في مقر إقامته. وبعد وقتٍ قصير، صرّح الرئيس بوتين أمام وسائل الإعلام بأن لوكاشينكو "مستعد للتفكير باحتمال إجراء إصلاحات دستورية وتبنّي دستور جديد وتنظيم انتخابات جديدة، برلمانية ورئاسية، استناداً إلى ذلك الدستور الجديد". ثم أدلى لوكاشينكو بتصريح يصبّ في الخانة نفسها، فأعلن أمام وكالة إخبارية بيلاروسية حكومية أنه مستعد للتحاور مع نقابات الطلاب والعمال حول تعديلات دستورية جديدة. لكنه شدّد في المقابل على عدم استعداده للتواصل مع قادة الحركة الاحتجاجية فقال: "لا أعني بكلامي مرتكبي الشغب الذين يجولون الشوارع ويطالبون بالحوار وهم يصرخون. لا يريد هؤلاء أي حوار".

أصبحت الرسالة التي تريد موسكو ومينسك توجيهها واضحة: التعديلات الدستورية والانتخابات الجديدة آتية حتماً لكنها ستحصل بشروط موسكو. ستُمهّد التعديلات المقترحة لتوسيع التكامل الاقتصادي مع روسيا، لكنها ستكون معلّبة على الأرجح، تماماً مثل مسار تفكيك نظام لوكاشينكو الدكتاتوري. من المتوقع مثلاً أن يؤدي توسيع دور البرلمان ظاهرياً إلى منح القوة للشعب، لكنه يُمكّن الأحزاب التي يحرّكها الكرملين عملياً من فرض نفوذ إضافي. سيكون هذا النوع من الأحزاب أساسياً لموسكو إذا ظهر زعيم بيلاروسي مستقبلي أكثر استقلالية في تفكيره من لوكاشينكو. كذلك، قد يبدو الوعد بإجراء انتخابات جديدة تنازلاً لصالح الحركة الاحتجاجية لكنه يسمح لموسكو بشراء الوقت لانتقاء أسماء موالية للكرملين وترشيحها لتولي مناصب عامة.

لكن يجب أن ينزع لوكاشينكو وبوتين فتيل الأزمة الراهنة قبل أن يتمكنا من تنفيذ خططهما. من المتوقع أن يكثف لوكاشينكو حملة القمع ضد قادة الحركة الاحتجاجية خلال الأسابيع المقبلة فيما يتولى خبراء من جهاز الأمن الفدرالي الروسي تقديم المساعدة من وراء الكواليس. في الوقت نفسه، قد يطلق نظامه "حواراً" مع شخصيات بارزة في بيلاروسيا: لن تشمل هذه المبادرة قادة الاحتجاجات بل سياسيين رفيعي المستوى يمكن الاتكال عليهم لتعزيز العلاقات القوية مع الكرملين.

يجب ألا يقع قادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وديمقراطيات غربية أخرى في فخ تشريع حوار منظّم وفق هذا السيناريو. ويجب ألا يتحاوروا مع الكرملين حول بيلاروسيا على حساب قادة الاحتجاجات المحلية. بل من الأفضل أن يرفعوا شعار "لا حوار عن هذه المسألة من دون ممثلين حقيقيين عن بيلاروسيا على طاولة التفاوض".





عملياً، يُفترض أن تقدم الأنظمة الديمقراطية الغربية دعماً قوياً للصحوة المدنية الوطنية في بيلاروسيا. كانت الحركة الاحتجاجية الأخيرة كفيلة بنشر شكلٍ جديد من الوعي العام الذي يتابع تعبئة السكان ويضمن توحيد صفوفهم. على غرار "حركة التضامن" البولندية التي نشأت منذ 40 سنة في أحواض بناء السفن في مدينة "غدانسك"، يضمن هذا الوعي المستجد توحيد الصفوف بين الطبقة العاملة والنخبة المثقفة وبين المجتمعات الحضرية والريفية، أو حتى بين الشباب المهووس بتكنولوجيا المعلومات والجدّات المتقدمات في السن خلال هذا الزمن المعاصر في بيلاروسيا. كان لافتاً أن تجذب تلك الحركة أيضاً بعض أعضاء الطبقة الحاكمة الموالية للحزب الشيوعي.

يُفترض أن يقوي قادة الغرب هذه الحركة عبر دعم قادتها ومطالبهم بالكامل: هم يريدون إجراء انتخابات جديدة غداة عملية انتقالية ديمقراطية سلمية ويطالبون بإنهاء مظاهر الترهيب والقمع فوراً، ورفع الضوابط المفروضة على وسائل الإعلام، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. يجب أن يفهم المواطنون في بيلاروسيا أنهم مسؤولون عن رسم مستقبلهم وأن الغرب سيدعم حقهم المستقل بالتأثير على شؤون بلدهم. لا تستطيع البلدان الغربية أن تتدخل في بيلاروسيا ويُفترض ألا تفعل أصلاً. لكنها تملك أدوات أخرى في متناول يدها للمشاركة في توجيه نتائج الأزمة الراهنة. يمكنها مثلاً أن تفرض عقوبات على عملاء لوكاشينكو المتورطين بأعمال القمع وتمنعهم من السفر إلى دول الغرب وتُجمّد أصولهم في الأوساط الغربية. كذلك، تستطيع هذه الجهات أن تطرح خطة اقتصادية لإعادة الإعمار على طاولة المفاوضات في حال نجحت العملية الانتقالية الديمقراطية.

يتردد عدد كبير من السياسيين الغربيين في التحرك لأنهم يتوقعون أن تُقدِم موسكو على غزو بيلاروسيا أو تستعمل وسائل قمعية لإبقاء لوكاشينكو في السلطة. لن يتوانى الكرملين طبعاً عن استخدام نفوذه الضمني لتحقيق هدفه المرتبط باستراتيجية "الضمّ السلس". لكنه سيواجه مقاومة شرسة من المجتمع البيلاروسي. في ظروف مماثلة، لا تستطيع الأنظمة الديمقراطية الغربية أن تقف على هامش الأحداث أو تدعم مرحلة انتقالية تحت سيطرة روسيا في أسوأ الأحوال. بنظر سكان بيلاروسيا، سيكون هذا النوع من الرضوخ مرادفاً لخيانة آمالهم بأسوأ الطرق، ما يعني أن يستبدل الكرملين النظام الدكتاتوري الراهن بنظام استبدادي ووحشي بالقدر نفسه. على قادة الغرب إذاً أن يقدموا دعماً كاملاً للحركة الديمقراطية في بيلاروسيا وزعيمتها سفياتلانا تسيخانوفسكايا ويطرحوا الحوافز اللازمة للجهات الناشطة ميدانياً بانتظار تطور الأحداث في المرحلة المقبلة. يُفترض ألا يكون اتخاذ هذا القرار صعباً!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.