64336

الإصابات

531

الوفيات

29625

المتعافون

هانا لوباكوفا

بوتين يجازف بتحويل بيلاروسيا من حليفة طبيعية إلى عدوّة!

23 أيلول 2020

المصدر: Atlantic Council

02 : 01

نجح فلاديمير بوتين خلال الشهر الماضي في إنقاذ نظيره الدكتاتوري ألكسندر لوكاشينكو، لكن ما هي الكلفة التي تكبّدها الكرملين مقابل هذا الموقف؟ ترافق التدخل الروسي في بيلاروسيا مع بعض المكاسب الفورية، فنجح في منع انهيار نظام لوكاشينكو أو تأجيله على الأقل، وتجنب السيناريو المريع المرتبط بسقوط حاكم مستبد بقوة الشعب في جوار موسكو. لكنّ ذلك التدخل جعل روسيا الآن مسؤولة جزئياً عن إطلاق حملة قمع وحشية ومستمرة وإطالة عمر النظام الذي خسر مصداقيته بالكامل.

يجازف دعم الكرملين للوكاشينكو فاقد الشعبية بتأجيج المشاعر المعادية لروسيا في واحد من البلدان القليلة التي تؤيد فيها الأغلبية حتى الآن استمرار العلاقات الوثيقة مع موسكو. هل افتعل بوتين مشكلة كبرى في مجال السياسة الخارجية على المدى الطويل فيما كان يحاول حل مشكلة أخرى على المدى القصير؟

عشية اللقاء بين بوتين ولوكاشينكو في مدينة "سوتشي" هذا الأسبوع، أطلقت الكاتبة البيلاروسية الفائزة بجائزة نوبل، سفيتلانا أليكسيفيتش، موقفاً تحذيرياً فاعتبرت أن موسكو تلعب بالنار: "قد تكسب روسيا الأراضي لكنها ستخسر أشقاءها. لطالما اعتبر سكان بيلاروسيا الروس أشقاءهم. لكن إذا أصرّت روسيا على سياساتها الراهنة، لا مفر من أن يتغير هذا الوضع".

في غضون ذلك، بدأ آخرون في بيلاروسيا يطلقون توقعات مشابهة. في 14 أيلول، نشر "مجلس التنسيق" الخاص بالمعارضة المنادية بالديمقراطية في البلاد مناشدة موجّهة للمسؤولين الروس وأعضاء من الرأي العام، فشدّد البيان على التزام المعارضة بالحفاظ على روابط قوية مع روسيا لكنه حذر في المقابل من احتمال تضرر العلاقات الثنائية بشدة إذا تابعت موسكو دعم لوكاشينكو.





كان الدور الروسي الحاسم في صمود نظام لوكاشينكو كفيلاً بضخ جانب جيوسياسي غير مسبوق في الحركة الاحتجاجيـــة المنادية بالديمقراطيـــــة في بيلاروسيا. حين اندلعت الاحتجاجـــات للمرة الأولى في 9 آب غــداة الانتخابات الرئاسية الشائبة، حرص قادة المعارضة في البداية على عدم ذكر أي مسائل مرتبطة بالسياسة الخارجية.

تكلمت قائدة المعارضة والمرشّحة للرئاسة، سفياتلانا تسيخانوسكايا، أمام أعضاء البرلمان الأوروبي عبر رابط فيديو في 25 آب وعبّرت عن موقف الحركة الحيادي فقالت: "الثورة في بيلاروسيا ليست جيوسياسية، وهي ليست ثورة ضد الروس أو معهم ولا ضد الاتحاد الأوروبي أو معه، بل إنها ثورة ديمقراطية. يطالب سكان بيلاروسيا بكل بساطة بانتخابات حرّة ونزيهة". لكنّ ادعاءات الحيادية لم تمنع الكرملين من الدخول في هذه المعمعة. كان بوتين من أوائل المسؤولين الذين حرصوا على تهنئة لوكاشينكو علناً بعد إعادة انتخابه. وبطلبٍ من لوكاشينكو، أرسل الزعيم الروسي لاحقاً فِرَقاً دعائية من قناة "آر تي" التابعة للكرمليــــــن لإدارة التلفزيـــون الحكومي البيلاروسي "والتشاور مع زملائهم البيلاروس حول مسائل متنوعة". في أواخـــر آب الماضي، كَثُر الكــلام عن سيطرة روسية غير مسبوقة على القطاع المعلوماتي البيلاروسي.

امتدّ دعم الكرملين أيضاً إلى النطاق الأمني. أعلن بوتين على التلفزيون الروسي الحكومي في 27 آب عن حشد قوى أمن روسية احتياطية واحتمال نشرها في بيلاروسيا عند خروج الوضع عن السيطرة. بعبارة أخرى، أكدت روسيا على جهوزيتها التامة لاستعمال القوة عند الحاجة لإبقاء لوكاشينكو في السلطة.

بعدما اتّضحت معالم التدخل الروسي بشكلٍ متزايد اليوم، بدأت الأوضاع الجيوسياسية تلعب دوراً أكبر في الحركة الاحتجاجية. ظهرت رسائل معادية للكرملين خلال المسيرات، إلى جانب أعلام بلدان غربية متنوعة. وكُتِب على إحدى اليافطات "سنجد الحل من دون بوتين"! اتضحت هذه النزعة أيضاً في شعارات أحدث احتجاج كبير شهدته مدينة "مينسك" في 13 أيلول، فرُفِعت عبارة "لن نسمح للوكاشينكو ببيع البلد [إلى روسيا]".

في ظل الكلام عن سيطرة روسية خفية، كان عدد كبير من سكان بيلاروسيا يخشى حصول الأسوأ قبيل اجتماع 14 أيلول بين لوكاشينكو وبوتين في "سوتشي". ترافقت تلك القمة مع مظاهر لافتة من الانبطاح السياسي ولغة جسد خاضعة على نحو صادم، ما يعكس حجم المأزق الذي يواجهه لوكاشينكو. لكن لم يضطر هذا الأخير لمقايضة سيادة بيلاروسيا صراحةً بصموده في الحكم. بل أعلنت روسيا عن تقديم قرض بقيمة مليار ونصف دولار أميركي إلى "مينسك"، ما يسمح بتعويم لوكاشينكو اقتصادياً لبضعة أشهر إضافية تزامناً مع إعادة التأكيد على الالتزامات الأمنية ووضع الخطط المرتبطة بالتدريبات العسكرية الشهرية المشتركة على مر العام 2021.

قد تكون أجواء الحذر السائدة عموماً في "سوتشي" إثباتاً على أن موسكو ومينسك تدركان أن أي محاولات للضغط باتجاه تعميق التكامل بين البلدين قد تصبح محفوفة بالمخاطر والإخفاقات. على الصعيد الرسمي، توحدت روسيا وبيلاروسيا تحت راية "دولة الاتحاد" منذ فترة التسعينات. لكن عملياً، بقيت طبيعة هذه الشراكة عرضة للتأويل. لقد أثبت لوكاشينكو أنه قادر على استغلال هذا الغموض بأفضل الطرق. على مر العقدين الأخيرين، اكتسب زعيــــم بيلاروسيا درجة من الإعجاب نظراً إلى نجاحه في الحفاظ على علاقات وثيقة مع الكرملين تزامناً مع تجنب مطالب موسكو المتكررة بتطوير هذه العلاقة لأقصى الدرجات.

تتماشى هذه المقاربة مع المزاج السائد في بيلاروسيا حيث تُعتبر المواقف من روسيا ودّية تقليدياً. بالإضافة إلى الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية القوية التي تربط بين البلدين المجاورَين، تتكل بيلاروسيا بشدة على روسيا في المجال الاقتصادي أيضاً ولطالما كانت موسكو أهم شريكة تجارية للبلد ومن أبرز موردي الطاقة ومصدراً مهماً لتوظيف آلاف المهاجرين الاقتصاديين من بيلاروسيا.

لكن رغم هذه العلاقة الحسنة، لم تبرز أي أدلة دامغة يوماً على وجود دعم بيلاروسي شعبي قوي لتعميق الوحدة مع روسيا. حين بدأ الكرملين يكثّف مطالبه لتعزيز التكامل بين البلدين في أواخر العام 2019، نزل سكان بيلاروسيا إلى الشوارع دفاعاً عن استقلال بلدهم خلال احتجاجات مهّدت لنشوء الحركة المنادية بالديمقراطية في أنحاء البلد راهناً.

تؤكد أحدث البيانات على أن جزءاً ضئيلاً من الشعب البيلاروسي يريد أن يصبح بلده جزءاً من روسيا. من الواضح أن الرأي العام المحلي حسم قراره لصالح بناء دولة تستطيع مقاومة أي محاولة مباشرة لفرض التكامل بالقوة.





لا تحتاج موسكو بالضرورة إلى فرض سيطرتها على بيلاروسيا عبر عملية عسكرية تشبه ما حصل في شبه جزيرة القرم. تكلم بعض النقاد عن احتمال حصول "ضمّ سلس" على أن يبقى النظام الراهن في السلطة ظاهرياً بينما يسيطر الروس تدريجاً على اقتصاد البلد وسياسته الخارجية وأمنه. في هذا السياق، يترافق أداء لوكاشينكو الضعيف والمتساهل اليوم مع عدد من المنافع الواضحة.

تملك موسكو أيضاً أسباباً محلية وجيهة كي ترغب في منع أي تحولات جذرية في "مينسك". إذا سقط لوكاشينكو وحاولت بيلاروسيا الديمقراطية السير على خطى أوكرانيا والخروج من مدار الكرملين، ستشكّل هذه التطورات ضربة موجعة لهيبة بوتين. وإذا نجحت أي انتفاضة شعبية في الإطاحة بلوكاشينكو، قد يصبح هذا الحدث مصدر إلهام للقوى الديمقراطية داخل روسيا.

يطارد انهيار القوة السوفياتية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات بوتين وأوساطه الداخلية حتى الآن، فقد أدى سقوط جدار برلين في تلك الحقبة إلى سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي بلغت ذروتها مع تفكك الاتحاد السوفياتي بالكامل. من المتوقع أن يبدي المسؤولون الروس استعدادهم لدفع أي ثمن تقريباً لتجنب أن يكرر التاريخ نفسه، كما أنهم لن يسمحوا لبيلاروسيا بالتحول إلى رمز خطير لقوة الشعب في مكان قريبٍ لهذه الدرجة من روسيا.

من الواضح أن بوتين لا يملك خيارات كثيرة باستثناء متابعة دعم لوكاشينكو حتى إيجاد بديل مناسب عنه على الأقل. قد تسمح تقوية نظام لوكاشينكو بمعالجة عدد كبير من مخاوف الكرملين العاجلة، حتى أنها قد تحقق مكاسب أمنية ملموسة. لكن تجازف هذه المقاربة بتسميم المواقف البيلاروسية تجاه موسكو خلال العقود المقبلة.

من خلال دعم زعيم مستبد خسر كل مصداقيته بنظر ملايين المواطنين في بيلاروسيا، بدأ بوتين يخسر تعاطف الناس وتأييدهم. لن يكون نسيان هذه الخيانة سهلاً بأي شكل. تحمل الأحداث التي تشهدها بيلاروسيا في الوقت الراهن دلالة تاريخية كبرى ومن الواضح أن قرار الوقوف إلى جانب لوكاشينكو في هذه الظروف يضع بوتين على الجانب الخاطئ من التاريخ. هو يجبر الشعب البيلاروسي على مساواة روسيا بحاكمه المستبد ويؤجج المشاعر المعادية لروسيا بطريقة غير مسبوقة. قد يعتبر بوتين هذا التوجه ضرورة تكتيكية، لكنه يشكّل في الوقت نفسه خطأً استراتيجياً فادحاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.