بول رونزهايمر

بول رونزهايمر عن "أرتساخ" والصراع الدائر: شاهدنا اندلاع هذه الحرب ولم نحرّك ساكناً!

12 تشرين الثاني 2020

المصدر: Bild INTERNATIONAL

02 : 01

حين كنتُ أبحث عن ملجأ للاختباء من قنابل الجيش الأذربيجاني التي تنهمر كالمطر في أقبية "كاراباخ" في وقتٍ سابق من شهر تشرين الأول، راحت الجدران تهتزّ بشدة ورأيتُ ملامح الخوف ترتسم على وجوه الناس وعيونهم الشاخصة بقلق قاتل. لم أكف حينها عن التساؤل: لماذا يبدو حلف الناتو والاتحاد الأوروبي غير مُهتمَّين بما يحصل في "كاراباخ"؟ لماذا الكل يتغاضى عما يحصل هنا؟ في تلك المنطقة الصغيرة التي يعيش فيها سكان أرمن من ألطف ما يكون؟ لماذا كل هذا التجاهل الدولي لمأساة حقيقية؟

أُبرِم اتفاق بين طرفَي الصراع الآن من دون مشاركة الاتحاد الأوروبي والناتو، ومن دون "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا"، التي شاركت في المفاوضات حول هذا الصراع منذ العام 1992 لكن تم استبعادها بالكامل اليوم. يعكس ما حصل فشلاً ذريعاً. إنه إحراج كبير لألمانيا باعتبارها منتسبة إلى المجموعة المسمّاة "مجموعة مينسك".

وكما في كل نزاع في المنطقة، ظهر فائز واحد في هذه المعمعة كلّها مجدداً: بالتعاون مع رئيسَي الحكومة في أذربيجان وأرمينيا، فرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقف إطلاق النار في منطقة الصراع. يشكّل هذا الوضع هزيمة مؤلمة لأرمينيا ورئيس حكومتها نيكول باشينيان.

بموجب هذا الاتفاق، يتعين على أرمينيا أن تسلّم أكثر من 80% من الأراضي إلى أذربيجان، الأراضي التي غالبية سكانها من الأرمن. ستنشر القوات الروسية دوريات في الشوارع بصفتها "قوات لحفظ السلام". إنه استهزاء بكل من كان شاهداً على نوعٍ من "السلام" الذي فرضته روسيا في سوريا وأوكرانيا.



دير داديفانك الواقع في مقاطعة كلباجار - أرتساخ (ناغورنو كاراباخ)



من المستبعد إذاً أن يصمد رئيس وزراء أرمينيا باشينيان سياسياً بعد ما حصل من خسارة، فالناس في الشوارع يحتجون عاليـــــاً رفضاً للاتفاق الأخير. موقفه في غاية الصعوبة. لكن من الواضح أيضاً أن أرمينيا لم تكن تملك أي فرصة للفوز ضد القوة العسكرية الأذربيجانية المتفوقة التي كانت تحظى بدعمٍ من تركيا وتلقّت طائرات بلا طيار من إسرائيل، ناهيك عن المرتزقة المتطرفين الذين شاركوا في الحرب الشرسة.

أصبح الأرمن المقيمون في "ناغورنو كاراباخ" معرّضين الآن للتهجير. ولا أحد يثق بكلام حكومة أذربيجان التي أعلنت أن السكان سيُسمَح لهم بالبقاء.

الرئيس الأذربيجاني معروف بأكاذيبه. حين سأله مراسل قناة "بي بي سي" هذا الأسبوع عن السبب الذي يدفع أذربيجان إلى قصف المدنيين، قال إنها "أخبار كاذبة". وحين أخبره المراسل بأن الصحافيين التابعين للقناة شاهدوا قصف أهداف مدنية بأم العين، كرر التهمة نفسها عن ترويج "أخبار كاذبة".

أنا شخصياً كنتُ شاهداً على النهج الوحشي الذي يستعمله الجيش الأذربيجاني. حين كنا نغطي الأحداث في "ستيباناكيرت"، عاصمة "ناغورنو كاراباخ"، اضطررنا لتمضية كل ليلة في أحد الأقبية. لم يتوقف صوت صفارات الإنذار هناك وكانت الاعتداءات عنيفة.





خلال النهار، حين كانت تمرّ نصف ساعة من دون سماع صفارات الإنذار المرافِقة للغارات الجوية على غير عادة، كنا نستطيع رؤية حجم الأضرار. لم تكفّ صواريخ الجيش الأذربيجاني عن استهداف المباني السكنية، حتى أن أهدافاً مدنية واضحة تعرّضت للقصف مرتين، منها كنيسة في مدينة "شوشا". بعد وقتٍ قصير على زيارتنا لذلك الموقع لتغطية الاعتداء الأول، حصل اعتداء آخر وتعرّض خلاله صحافي روسي لإصابة بالغة.

في المقابل، أقدم الجانب الأرمني على قصف أهداف مدنية في أذربيجان أحياناً كردّ فعل على الهجوم غير المتوازن ومات عدد من الناس نتيجةً لذلك. وحين سألتُ الرئيس الأرمني عن هذا الموضوع في إحدى المقابلات، أجاب قائلاً: "عند اندلاع حربٍ شرسة كتلك التي أطلقتها أذربيجان، حيث تُستعمَل جميع أنواع الأسلحة الممكنة، بما في ذلك القوة الجوية، والجماعات الإرهابية من سوريا، والمعدات العسكرية التركية، والطائرات التركية بلا طيار وجميع الخيارات المماثلة، هل تتوقع أن يكون الطرف الآخر مهذباً ولا يحرك ساكناً أو أن يستعمل سكاكين الصيد"؟

أجرى الجانب الأرمني مقابلات كثيرة مع عدد من الصحافيين الدوليين. كان الحصول على معلومات وافية منهم عما يحصل متوافراً من دون أي رادع أو محظورات. وحصل المراسلون على الإذن للوصول إلى مدن محاصرة مثل "ستيباناكيرت" عاصمة "أرتساخ" الاسم الذي يعطى بالارمنية لإقليم ناغورنو كاراباخ. في المقابل، لم تسمح أذربيجان إلا لمجموعة منتقاة من الصحافيين بدخول البلدوكان عددهم قليلاً جداً، وكانت تمنعهم في معظم الأوقات من تغطية الأحداث على خط المواجهة، لا بل تعلمهم بضرورة الاكتفاء بما ينقل إليهم من معلومات من الجانب الاذربيجاني.

تلّقيتُ وعداً بإجراء مقابلة فيديو مع رئيس أذربيجان، لكنها أُلغِيت مجدداً قبل وقتٍ قصير من موعدها. من الواضح أن السبب يتعلق بالخوف من الأسئلة المحرجة.

وفق الأمم المتحدة، تنتمي "ناغورنو كاراباخ" إلى أذربيجان بموجب القانون الدولي. لكن هل يبرر هذا الواقع إطلاق حرب وحشية وسقوط آلاف الضحايا الأرمن الأبرياء سكان المنطقة الأصليين؟ وهل يبرر استعمال أسلحة وحشية مثل طائرات "كاميكازي" بلا طيار من إسرائيل؟ وهل ذلك أساساً سبب كافٍ لتفسير إغفال العالم و"منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عن سقوط هذا العدد الكبير من القتلى ووجود هجمات وحشية بهذا الشكل؟ هذا السكوت التام هل كان هناك ما يبرره بالفعل؟





في أقبية "كاراباخ"، قابلتُ عدداً كبيراً من الأشخاص المبهرين الذين يحبون بلدهم ويريدون السلام فعلاً، كل ما يريدونه هو العيش في أراضيهم ومنازلهم بسلام ومعظمهم قرويون ويخشون تهجيرهم. من واجب العالم الذي أشاح بنظره عن هذا الصراع أن يلتفت إلى تلك المنطقة الآن على الأقل.

لا يمكن الوثوق برئيس أذربيجان المعتاد على الكذب وسجله حافل بالاكاذيب المسجلة بالفيديو. من الضروري أن يأخذ المراقبون الدوليون المبادرة لمنع قتل الناس وتهجيرهم في "أرتساخ". إنه واجب إنساني. حماية هؤلاء من القتل مهمة إنسانية هي من واجب البشرية جمعاء.

لن أنسى كلمات المتقاعدة ريتا (72 عاماً) التي قابلتُها في أحد أقبية "أرتساخ" في تشرين الأول الماضي. قالت لي: "خسرتُ زوجي خلال الحرب الأولى وها نحن نشهد الآن حرباً أخرى. اليوم، يعيش أولادي وأصهرتي وأحفادي الحرب أيضاً. ما الذي يريدونه منا؟ لماذا يصرّون على مهاجمتنا؟ متى سيفهمون أخيراً أننا لن نغادر أرضنا ومنازلنا يوماً؟ لماذا يظنون أنهم يستطيعون تهجيري في هذا العمر"؟

لا يريد سكان "أرتساخ" أن يغادروا المنطقة. لكن هل سيتركهم الطرف الآخر يعيشون بسلام؟ وهل سنتابع الإغفال عن ذلك الصراع أم سنقرّر أخيراً رؤية ما يحصل في الحقيقة فنقف وقفة مع المحق ضدّ الظالم؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.