ريم ممتاز

إيمانويل ماكرون... تحليلاته السياسية أفضل من أدائه الرئاسي

27 تشرين الثاني 2020

المصدر: Politico Magazine

02 : 00

حين يتعلق الموضوع بتحليل السياسة الخارجية، يمكن اعتبار إيمانويل ماكرون زعيماً عالمياً. لكن يكشف الرئيس الفرنسي عن عيوبه على الساحة الدولية كلما زاد كلامه. في كل مرة يجري فيها ماكرون مقابلة مهمة أو يلقي خطاباً أساسياً، يُعجَب به معظم صانعي السياسة الفرنسيين والأوروبيين، حتى أنهم ينبهرون أحياناً بالرؤية الاستراتيجية التي يُعبّر عنها بطلاقة.

يتأسف المحللون والصحافيون البريطانيون صراحةً لأن رئيس الوزراء بوريس جونسون، رغم تعليمه الكلاسيكي، لم يُلْقِ بعد أي خطابات مؤثرة بهذا الشكل. ويعترف المسؤولون الألمان في أوساطهم الخاصة بأنهم يحسدون ماكرون على أسلوبه وحيويته، ما يتعارض مع صورة أنجيلا ميركل الرتيبة. كذلك، يشيد صانعو السياسة في دول البلطيق وأوروبا الشرقية ببراعته الفكرية أو حتى تعامله الودّي مع روسيا.

اتّضح جزء من ردود الأفعال الإيجابية مجدداً خلال هذا الأسبوع، بعدما استفاض ماكرون في الكلام عن الشؤون العالمية في مقابلة من 12 ألف كلمة مع صحيفة "لو غراند كونتينينت". لكنّ تحليلاته الجازمة وتعليقاته الاستفزازية تجعله أشبه بخبير بارز في الشؤون السياسية بدل أن يكون رئيس القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي والدولة الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

سبق ومرّت ثلاث سنوات ونصف على بدء عهده الرئاسي. ربما يستطيع ادعاء بعض النجاحات البارزة، لكنّ سجل سياسته الخارجية لا يضاهي عموماً خطاباته المنمّقة وطموحاته الكبرى.

تقول تارا فارما، رئيسة مكتب باريس للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "كانت الالتزامات التي قامت بها فرنسا طموحة أكثر من اللزوم ولم تنجح في إقناع الولايات المتحدة بمتابعة التعاون معها في المسائل الكبرى، أي الملف الإيراني والمناخ والتجارة وفيروس "كوفيد - 19".

عملياً، لم يكن وضع ماكرون سهلاً على الجبهة العابرة للأطلسي. فقد واجه هناك الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يكف عن اتخاذ خطوات أحادية الجانب وقرر بكل حماسة الانسحاب من المنظمات الدولية ومن اتفاقيَن دوليَين أساسيَين: اتفاق باريس للمناخ واتفاق إيران النووي. حاول ماكرون بكل شجاعة أن يحدّ من الأضرار أو يحافظ على استقرار الوضع لكنّ خطاباته القوية لم تنجح في إقناع واشنطن بتغيير مسارها الأساسي.

مع وصول جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية الآن، سيحصل ماكرون على شريك حقيقي في البيت الأبيض، ما يعني أنه ملتزم بالتعاون عن قرب مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين والعودة إلى المنتديات الدولية. لكن رغم إعادة إحياء العلاقات العابرة للأطلسي، فشل ماكرون في ترسيخ رؤيته حول بناء نسخة مستقلة استراتيجياً من أوروبا ضمن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، مع أنه نجح في جعلها جزءاً محورياً من النقاش.

اتّضح هذا الواقع بالكامل هذا الأسبوع، حين تصادم الرئيس الفرنسي مع وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارينباور التي تفوقت عليه خلال نقاش محتدم حول قدرة الاتحاد الأوروبي على تعزيز إمكاناته الدفاعية على أرض الواقع (وسرعة تحقيق هذا الهدف) فيما تتجه الولايات المتحدة نحو محور آسيا.



كرامب كارينباور



أجندة مثقلة بالبنود

يتعلق أكبر إنجاز حققه ماكرون حتى الآن ويستطيع تحويله إلى إرث له بعد انتهاء عهده بإنشاء صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من فيروس كورونا: تشكّل هذه الخطوة ذروة طموحات فرنسية قديمة بجعل الاتحاد يتحمّل ديوناً مشتركة. كانت موافقة ميركل أساسية طبعاً لتنفيذ هذه الفكرة، لكن تعاونت حكومة ماكرون مع برلين عن قرب لتحديد أسس الخطة المرتقبة. حصل ذلك بعدما بذل الرئيس الفرنسي جهوداً كبرى طوال سنوات لبناء علاقة وثيقة مع برلين.

في مجالات أخرى، دعا ماكرون أوروبا إلى تطوير مقاربة أكثر تماسكاً للتعامل مع الصين وتجرأ على دخول المجال الرقمي، فأدى دوراً أساسياً في "نداء كرايستشيرش" حيث تتعهد الدول والشركات بحذف المحتويات المتطرفة عن الإنترنت غداة الهجوم الإرهابي في نيوزيلندا في العام 2019.

كذلك، قاد ماكرون الجهود الرامية إلى جعل الاتفاقيات التجارية تتماشى مع اتفاق باريس وحاول فرض مقاربة ذات طابع جماعي مضاعف لإطلاق استجابة عالمية ضد فيروس كورونا. لكن يُعتبر جزء من ادعاءاته حول تأثيره على المشهد العالمي مبالغاً فيه، بما في ذلك تأكيده على دور فرنسا المحوري في إبقاء الصين ضمن اتفاق باريس للمناخ.

يقول أنطوان بونداز، باحث في الشؤون الصينية في "مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية" في باريس: "تلك الادعاءات هي مجرّد أمنيات. بقيت الصين في الاتفاق المناخي لأن هذه الخطوة تصبّ في مصلحتها، فقد سمحت لها بترسيخ الفكرة القائلة إن الولايات المتحدة دولة أحادية الجانب بينما تبقى الصين قوة متعددة الأطراف. كذلك، تُعتبر التزاماتها باتفاق باريس طويلة الأمد، ما يعني أنها لن تؤثر بقوة على اقتصادها في الوقت الراهن".

على حدود أوروبا وفي محيطها، تحركت فرنسا في عهد ماكرون على جبهات متعددة، فاستعملت الديبلوماسية حيناً والقوة العسكرية أحياناً. لكنها فشلت عموماً في تغيير المشهد السياسي، ما أدى إلى إضعاف طموحات فرنسا بقيادة كتلة أوروبية تستطيع منافسة الولايات المتحدة والصين.

يقول توبياس شنايدر، باحث في "المعهد العالمي للسياسة العامة" في برلين: "يتخذ الفرنسيون فعلياً الخطوات اللازمة لتنفيذ كلامهم، وهذا ما فعلوه في الساحل الإفريقي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط والخليج وحتى أوروبا الوسطى. إنها أجندة مبهرة وطموحة. لكن رغم هذه الطموحات العظيمة، تبقى فرنسا قوة متوسطة الحجم وتجد صعوبة في رسم مسار الأحداث وحدها، حتى في محيطها الخارجي المجاور".

في وقتٍ سابق من هذا الشهر، استُبعِدت فرنسا من اتفاق وقف إطلاق النار في "ناغورنو كاراباخ" رغم محاولة ماكرون المشاركة في هذه الجهود. لعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دور الوساطة وحده في ذلك الاتفاق، فيما شاركت تركيا في فرض النتائج النهائية بعد تدخّلها العسكري الحاسم.

في لبنان، فشلت محاولة فرنسا للتوصل إلى حل للأزمة السياسية التي يمر بها البلد حتى الآن. فقد تفوّقت ألاعيب القوى المحلية على ماكرون وطغى صراع القوة بين الولايات المتحدة وإيران على جهوده رغم ثقل فرنسا التاريخي في لبنان واستعمال الرئيس الفرنسي مستوىً غير مألوف من رصيده السياسي الشخصي هناك.

في شرق البحر الأبيض المتوسط، اتخذ ماكرون موقفاً قوياً ضد ما وصفه بالسلوك التركي التوسّعي والمُهيمِن. لكنه فشل في إقناع حلفائه الأساسيين في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي بدعم موقفه الصارم. عبّر الكثيرون عن دعمهم لليونان وقبرص في خلافهما مع تركيا، لكنهم تبنّوا مقاربة أكثر حذراً.

في ليبيا، لم يُعطِ دعم فرنسا الأولي للقائد خليفة حفتر النتائج المرجوة، علماً أن موقفها كسر وحدة الصف الأوروبي. سرعان ما أدى التدخل العسكري التركي إلى تقوية خصم حفتر، أي رئيس الحكومة المعترف بها في الأمم المتحدة فايز السراج.

كذلك، أدى قرار ماكرون إقامة حوار مع روسيا إلى تأجيج الشكوك وانعدام الثقة في علاقاته مع دول أوروبا الشرقية والبلطيق، لذا لم تحقق هذه المقاربة النتائج المنشودة بعد وقد اعترف وزير الدفاع الفرنسي شخصياً بذلك.

في مقابلة نُشرت هذا الأسبوع، كان "الخبير السياسي" ماكرون ذكياً بما يكفي حين قال إن "الأمر الواقع أصبح العقيدة الجديدة لعدد كبير من الدول"، فذكر أمثلة حيث تستطيع روسيا وتركيا التصرف على سجيّتهما خارج حدودهما لحماية ما تعتبرانه مصالحهما الخاصة من دون التعرّض لأي محاسبة. أضاف ماكرون: "يجب أن نجد آليات فاعلة إذاً لمحاصرتهما". لكن لم ينجح ماكرون "الرئيس" في ابتكار آليات مماثلة حتى الآن. في المقابلة نفسها، جذب اختيار ماكرون للكلمات انتباه الجميع بالشكل الذي يتمناه أي محلل للسياسة الخارجية. لكن تبدو تلك التعليقات غير حكيمة حين تصدر عن رئيسٍ يقول دوماً إنه يريد تعزيز التعاون مع الحلفاء.

رغم وصول إدارة أميركية أكثر ودّية قريباً، لم يستعمل ماكرون مطلقاً كلمة "عابر للأطلسي" في مواقفه، حتى عندما تكلم مراراً عن ضرورة اكتساب استقلالية استراتيجية أوروبية. هذا ما يجعل الداعمين الأوروبيين للعلاقات العابرة للأطلسي يقلقون من الموقف الفرنسي برأي فارنا. كذلك، انتقد ماكرون علناً وزيرة الدفاع الألمانية كرامب كارينباور التي كانت تُعتبر سابقاً وريثة ميركل الأوفر حظاً لكن من المتوقع الآن أن تتنحى قريباً من منصبها كرئيسة حزب "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" الحاكم.

وفي رد ضمني على كلامه هذا الأسبوع، أصرّت كرامب كارينباور على انتقاد مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية على اعتبار أن أوروبا يجب أن تتكل على الولايات المتحدة للحفاظ على أمنها في المستقبل المنظور.

اعتبر المراقبون أن انتقادات ماكرون ومحاولاته إحداث شرخ بين كرامب كارينباور وميركل قد تترافق مع نتائج عكسية لأن مواقفه تقوّي مكانة وزيرة الدفاع محلياً.

في هذا السياق، يقول ديبلوماسي أوروبي: "إذا كان إيمانويل ماكرون يحاول تحسين فرص كرامب كارينباور كرئيسة "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" ومرشّحة لمنصب المستشارة الألمانية، يمكن القول إنه يحقق نتائج ممتازة"!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.