عقلي شاه

هل يخسر الجيش الباكستاني سيطرته على مقاليد السلطة؟

9 كانون الثاني 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

يستعمل الجيش الباكستاني خصومته مع الهند منذ فترة طويلة لتشريع قوته السياسية والاقتصادية والبقاء فوق الشبهات. لم يتفوق هذا الجيش مطلقاً في أي صراع عسكري، لكنه شنّ حرباً ناجحة ضد الديموقراطية، فحكم باكستان مباشرةً طوال نصف الحقبة التي تلت الاستقلال وفرض نفوذاً سياسياً مفرطاً على الحكومات المدنية المُنتخَبة خلال معظم فترات النصف الثاني من تلك الحقبة.

ساعد الجنرالات رئيس الوزراء الحالي عمران خان على الوصول إلى السلطة عبر انتخابات برلمانية تم التلاعب بها بشكلٍ فاضح في العام 2018، وهم يديرون البلد راهناً من وراء الكواليس بفضل أضعف حُكْم مدني ظاهري شهدته باكستان على الإطلاق.

لكن في الأشهر الأخيرة، واجه الجيش تحديات سياسية متزايدة. نظّمت "الحركة الديموقراطية الباكستانية" (تحالف غير مسبوق من أحزاب المعارضة التي كانت مفكّكة في المرحلة السابقة) مسيرات حاشدة ضد حكومة خان وطالبت باستقالته. برأي جزء كبير من الباكستانيين، يُعتبر الجيش القوة الحقيقية وراء سلطة خان والسبب في مشاكل البلد السياسية والاقتصادية. مهّد الغضب الشعبي لحصول تحوّل بارز في الوضع العام، فقد بدأت شخصيات سياسية مرموقة ترفع الصوت للمرة الأولى ضد هيمنة الجيش على باكستان، وقد يؤدي هذا التحول في نهاية المطاف إلى تهديد سيطرة الجيش على السلطة السياسية.

حاول القادة المدنيون المُنتخبون إضعاف سطوة الجيش على الأمن القومي والسياسات الخارجية ومخصصات الميزانية خلال العقد الذي اتى بعد إسقاط الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف. ردّ الجنرالات على هذه التحديات حينها عبر السعي إلى تشويه الديموقراطية بدل تدميرها بالكامل. لقد تظاهروا بأنهم يدعمون الحُكم المدني لكنهم تابعوا إضعاف حكومات "حزب الشعب الباكستاني" و"الرابطة الإسلامية الباكستانية" (جناح نواز) بطرق متنوعة، منها تحدّي تلك الأحزاب مباشرةً والتهديد بإسقاط حكوماتها بسبب احتدام الخلافات السياسية. استاء القادة العسكريون من نواز شريف لأنه أراد أن يحدّ من استعمال المقاتلين الإسلاميين ضد الهند ورفض عدم محاسبة الجيش مباشرةً عبر اتهام مشرف بالخيانة في العام 2014.

لاستبدال شريف العدائي، وجد الجنرالات الشريك المثالي لهم في عمران خان، فهو لاعب كريكت محبوب وسجلّه ليس ملوثاً بتُهَم الفساد بل يحظى بدعم فئات من الطبقة الوسطى المتعلّمة في المدن نظراً إلى حملته الشعبوية المناهضة للفساد ضد السياسيين التقليديين. كذلك، كان خان مستعداً لأداء دور ثانوي بعد الجنرالات، ويقال إنه تآمر مع أقوى جهاز استخبارات في باكستان لتنظيم الاحتجاجات طوال أشهر متواصلة في العام 2014 والمطالبة بإسقاط شريف غداة انتشار ادعاءات حول تزوير انتخابات العام 2013 التي أوصلته إلى السلطة. تفيد التقارير بأن الجيش ضغط على شريف لتقديم استقالته لكنه تراجع عن موقفه بعدما تعهدت أحزاب المعارضة في البرلمان، بما في ذلك "حزب الشعب الباكستاني"، بمعارضة أي تدخّل عسكري.

استعداداً لوصول خان إلى السلطة، عمد الجنرالات إلى تجريد شريف من أهليته لتولي أي منصب حكومي في العام 2017 من خلال إطلاق تحقيق قضائي مرتبط بـ"وثائق بنما" (تحقيق دولي حول طرق استعمال الحسابات المصرفية سراً في الملاذات الضريبية). كذلك، عزز جهاز الاستخبارات الباكستاني الانشقاقات في "الرابطة الإسلامية الباكستانية"، وادعى بعض المراقبين أن القوات العسكرية المنتشرة في مراكز الاقتراع تلاعبت بعملية احتساب الأصوات خلال الانتخابات البرلمانية للعام 2018، وقد سهّلت هذه الخطوات انتصار حزب خان.

حاول الجيش منذ ذلك الحين أن يقيم توازناً حذراً بين الديموقراطية والدكتاتورية عبر كبح جميع مظاهر المعارضة والانشقاق، فزاد الضغوط على جماعات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وأحزاب المعارضة، وحتى السلك القضائي. لكن يتعلق أسوأ تكتيك يستعمله بالاختفاء القسري. في شهر تموز الماضي، أقدم عناصر من الاستخبارات كانوا يرتدون زي الشرطة على خطف الصحافي المرموق مطيع الله جان المعروف بانتقاده اللاذع للجيش حين كان في شارع مزدحم في وسط العاصمة إسلام أباد. ثم اضطر الخاطفون لإطلاق سراحه بعد ساعات لأن كاميرات المراقبة سجّلت عملية الخطف وسبّبت هذه الحادثة سخطاً عارماً على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن لا يكون الآخرون محظوظين بقدر هذا الصحافي دوماً.

لطالما برّر الجنرالات الانقلابات السابقة وهيمنة الحُكم العسكري عبر اعتبار ممارسات الغدر والفساد المزعومة في الحكومات المدنية تهديداً على الأمن القومي. لكن كشفت فضيحة فساد حديثة مدى نفاق الجيش وأثارت الشكوك حول حجم الفساد في أعلى مراتب القوات المسلّحة. كشف تحقيق أجراه الصحافي أحمد نوراني أن أفراداً من عائلة الجنرال النافذ السابق عاصم باجوا الذي أصبح اليوم رئيس هيئة "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" ويتولى الإشراف على مشاريع البنى التحتية التي تموّلها الصين وتصل قيمتها إلى 70 مليون دولار ضمن "مبادرة الحزام والطريق" الصينية) يملكون إمبراطورية تجارية بملايين الدولارات وفيها مراكز تسوّق وأملاك سكنية ومطاعم وشركات بناء واتصالات في كندا وباكستان والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة. أنكر باجوا هذه الادعاءات، فيما أشارت التقارير إلى إقدام عملاء من الاستخبارات العسكرية على خطف مسؤول مدني يُشتَبه بمشاركته في التحقيق الذي أجراه نوراني.

كانت سيطرة الجيش على وسائل الإعلام كفيلة بإخماد قوة الفضيحة. اعتاد ضباط من أجهزة الاستخبارات العسكرية ومن الجناح الإعلامي في الجيش على اختيار القصص الإخبارية التي تستحق تسليط الضوء عليها، والافتتاحيات الصحفية المُعدّة للنشر، والمشاركين في البرامج الحوارية، والمواضيع التي يمكن مناقشتها، وحتى هوية مقدّمي البرامج. لقد حوّل الجيش أهم وكالة لمكافحة الفساد في باكستان، أي ديوان المحاسبة الوطني، إلى أداة للثأر السياسي فيستعملها لاستهداف قادة من "الرابطة الإسلامية الباكستانية" و"حزب الشعب الباكستاني".

يتلاعب الجنرالات أيضاً بالسلك القضائي لإدانة المعارضين السياسيين من أمثال شريف. امتثل أحد القضاة لإملاءات الجيش تحت الإكراه، فأصدر قراراً تعسفياً بحق رئيس الوزراء الأسبق وحَكَم عليه بالسجن لسبع سنوات بتهمة الفساد. كل من يرفض أوامر الجيش أو يتحداها قد يدفع ثمناً باهظاً. خضع قاض (فايز عيسى) في المحكمة العليا الباكستانية لتحقيق يهدف إلى عزله بتهمة "سوء السلوك الفاضح" بعدما انتقد نشاطات الجيش "غير القانونية"، بما في ذلك فرض رقابة على وسائل الإعلام وتوزيع أموال نقدية لاسترضاء أعضاء من جماعة إسلامية متطرفة تورطت في مواجهة عنيفة مع حكومة "الرابطة الإسلامية الباكستانية" في العام 2017.

لكن يواجه الجيش وخان تحديات متزايدة في الأشهر الأخيرة. شكّلت أحزاب المعارضة الباكستانية جبهة موحّدة وغير مسبوقة في أيلول الماضي تحت مظلة "الحركة الديموقراطية الباكستانية". احتشد عشرات آلاف المحتجين والمعارضين في مدينة "لاهور" يوم الأحد الماضي، وهاجم شريف في عدد من خطاباته النارية من لندن (حيث يستفيد من كفالة طبية لكن تعتبره المحكمة العليا في إسلام أباد "هارباً" من التُهَم الموجهة ضده في باكستان) الداعمين العسكريين لخان، مثل قمر جاويد باجوا ورئيس الاستخبارات الباكستانية فايز حميد، واتهمهم بإسقاطه من السلطة وتزوير انتخابات العام 2018 والتلاعب بخان. أعطت "الحركة الديموقراطية الباكستانية" خان مهلة للاستقالة حتى نهاية كانون الثاني 2021 تمهيداً لإجراء انتخابات برلمانية جديدة، وإلا تُخطط الحركة لتنظيم مسيرة في إسلام أباد في شباط المقبل لتضييق الخناق على الحكومة.

من المتوقع أن تتصاعد حملة المعارضة خلال الأشهر المقبلة وتتوسّع محاولات الحكومة لكبح الاحتجاجات وسحقها. لا أحد يعرف بعد إلى أي حد ستنجح "الحركة الديموقراطية الباكستانية" في مساعيها. لكن من الواضح أن سيطرة الجيش المستمرة على الحياة السياسية الباكستانية تطرح تهديداً مباشراً على الحريات الديموقراطية وحُكم القانون. للمرة الأولى في تاريخ باكستان، يسود إجماع واسع بين مختلف أحزاب المعارضة، بغض النظر عن فكرها الإيديولوجي، حول ضرورة أن تتفوق السلطات المدنية على الجيش. يتابع الأكاديميون والناشطون الحقوقيون والصحافيون مهاجمة أصحاب السلطة ويعرّضون أنفسهم للخطر فيما يقمع الجيش المجتمع المدني ويفرض ضوابط صارمة على حرية التعبير.

لكن للأسف تجاهل المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، حالة الديموقراطية المتدهورة في باكستان ولم يفرض الضغوط اللازمة على الجيش هناك. أكّد الرئيس المُنتخب جو بايدن على التزامه بنشر الديموقراطية وحماية حقوق الإنسان، ويشير موقفه الواعد على الأقل إلى عدم استعداد إدارته المرتقبة لتقبّل التجاوزات الاستبدادية في باكستان بقدر الإدارة السابقة. كخطوة أولى، يجب أن يرفع فريق بايدان وجهات مانحة خارجية أخرى الصوت ضد عداء الجنرالات للديموقراطية والديموقراطيين. لكنّ الأفعال الملموسة تبقى أهم من المواقف الشفهية طبعاً.

أخيراً، يجب ألا يتردد المسؤولون الأميركيون في التهديد باستعمال أدوات سياسية محددة، مثل قرارات حظر السفر الفردية والمستهدفة والعقوبات المالية ضد الحكّام العسكريين الأثرياء في باكستان. لن يكون التأكيد على الدعم الأميركي للديموقراطية وحقوق الإنسان مجرّد موقف صائب، بل إنه يخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل لضمان السلام والاستقرار في المنطقة. حين تصبح باكستان دولة ديموقراطية بمعنى الكلمة، لن يتسنى لجهاز الاستخبارات الباكستاني أن يُسهّل تصدير التطرف الإسلامي العنيف إلى الدول المجاورة بقدر ما كان يفعل سابقاً، علماً أن هذا التحوّل السياسي لن يتحقق إلا بوتيرة تدريجية. لكنّ استمرار الصمت الدولي سيزيد جرأة الجنرالات غير الخاضعين للمساءلة في باكستان ويدفعهم إلى التصرف على هواهم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.