محمد دهشة

داود تمساح عنوان للمأساة الإنسانية: "هل أنتحر؟"

19 كانون الثاني 2021

02 : 00

داود تمساح يجرّ عربته المتحرّكة في صيدا

بدأ الجوع يضرب العائلات الفقيرة والمتعفّفة في صيدا ويكشف المزيد من الحكايات المؤلمة في ظلّ حظر التجوّل والإقفال العام. داود تمساح واحد من هذه العائلات، إذ فرّق الفقر المدقع عائلته عن بعضها البعض، انتهى الحال بأحد الأبناء في دار الأيتام في بيروت، بينما زوجته وولده الآخر عند ذويها في عنقون، فيما هو يعيش وحيداً في منزل متهالك في المدينة، يفتقد لكلّ مقومات الحياة: لا طعام أو غاز أو برّاد أو غسالة، وحتّى الكهرباء استعارها من جاره موقّتاً.

وسط شوارع المدينة كلّ يوم، يجرّ تمساح عربة خشبية متحرّكة، لكنّه لا ينادي على أيّ بضاعة أو على خضار وفواكه، كما حال المئات من الذين يجرّون عربات مشابهة، ولا يبحث عن الخردة في حاويات النفايات، وانّما عن عيدان من الخشب والحطب، ليشعل ناراً لإعداد الطعام، بدلاً من الغاز الذي يعجز عن شرائه بسبب الغلاء وعدم وجود أي أموال في جيبه.

يقول داود بحرقة، وهو يشعر بالبرد بعدما تبلّلت ثيابه بالمياه نتيجة الأمطار الغزيرة التي تساقطت على المدينة، اثر خروجه من منزله باكراً باحثاً عن ضالته: "إنّني عاطل عن العمل، كلّ يوم أبحث عن فرصة ولا أجدها، لم يعد لديّ أموال لسدّ رمقي وقوت يومي، حتى انني عجزت عن شراء الغاز لاعداد الطعام اذا وجد أصلاً في المنزل، ولم أستطع تسديد ايجار منزلي المتواضع البالغ 350 الف ليرة لبنانية والواقع في زاروب عنتر وسط المدينة".

ومعاناة داود لا تتوقّف عند هذا الحدّ، فعائلته المؤلّفة من زوجة وولدين، فرّق بينهما الفقر المدقع، اضطر أن يضع أحد اولاده في دار الأيتام في بيروت، بينما زوجته وولده الآخر غادرا الى منزل ذويها في عنقون بسبب عدم قدرته على الإنفاق عليهم، ويؤكّد "لقد وصل الأمر بي الى هذا الحدّ، بل أكثر من ذلك إذ إنني لم استطع رؤية ولدي في دار الأيتام منذ ستة اشهر لأنني لا أملك اجرة الطريق بكلّ بساطة، الى من اشكو أمري؟ الى الدولة وهي غير موجودة، أم الى آخرين يعانون مثلي، أم الى الذين لا يشعرون بعذابات الناس الفقراء؟".

ومنذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في تشرين الأول من العام 2019 واستفحال الأزمة الاقتصادية والمالية، وبعدما حجزت المصارف على أموال المودعين، أقفلت مؤسسات كثيرة وصرف موظّفوها، ثم جاءت جائحة "كورونا" في شباط العام 2020 لتزيد الأوضاع سوءاً وتجعل الآلاف من اللبنانيين عاطلين عن عمل يبحثون عمّا يسدّ رمق جوعهم، وداود واحد منهم، ويشكّل نموذجاً صارخاً لمدى الفقر المدقع في بلد ارتفعت فيه نسبة البطالة بشكل مخيف.

ويؤكّد داود أنّه عبثاً حاول البحث عن فرص عمل، حتى أنّه جمع الخردة بين الحين والآخر، ولكن الفقر والاقفال التامّ وضائقة الناس المعيشية والاقتصادية لم تعد تدفعهم الى التخلّي عن أغراضهم القديمة، أو ما يمكن أن يبيعه ويستفيد من ثمنه، ويضيف: "لقد وصلت الى مرحلة من اليأس، فهل يريدون مني الإقدام على الإنتحار".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.