جويل غسطين

رندة نعمة والنحت: إحياء الحجر

5 دقائق للقراءة

بينما يزداد العالم سرعةً وضجيجًا، تصغي النحاتة رندة نعمة إلى الحجر. لا تتعامل معه كمادة جامدة، بل ككائن يحمل ذاكرة وطاقة وشكلا ينتظر مَن يحرّره من داخله. وبين تفاصيل الطبيعة والصمت، تصنع نعمة مسيرتها الفنية، جاعلةً من تجربتها النحتيّة رحلة طويلة من البحث عن الانسجام بين الإنسان والمادة والمكان.

منذ طفولتها، لم تكن علاقتها بالحجارة عابرة أو عفوية كما تبدو للوهلة الأولى. تكشف النحّاتة في حديثها مع "نداء الوطن" أنها كانت تجمع الأحجار من الأرض بشغف واضح، من دون أن تعرف تمامًا سبب انجذابها إليها. ذلك الارتباط المبكّر بالطبيعة والمادة الصلبة شكّل لاحقًا البذرة الأولى لمسيرتها الفنية، قبل أن يتحوّل ذاك الميل الطفولي إلى خيار فني واضح خلال سنوات الدراسة الجامعية.

في الجامعة، بدأت رندة نعمة تقترب أكثر من عالم الفنون التشكيلية. هناك وجدت نفسها تنجذب تلقائيًا إلى العمل بالطين. وبين الرسم وتركيب الأعمال الفنية، أيقنت أنّ النحت على الحجر هو المجال الذي يمنحها المساحة الأوسع للتعبير عن أفكارها وأحاسيسها. ومع الوقت، أدركت أنّ علاقتها بالنحت تتجاوز مجرّد ممارسة فنية، لتصبح ارتباطًا حقيقيًا بطريقة التفكير والعمل والرؤية.

وعلى الرغم من كونها تمارس الرسم أيضًا، فإنّ النحت بقي الأقرب إليها، لأنها ترى فيه فنًا يقترب من الهندسة بقدر ما يقترب من التعبير الفني. فالتعامل مع الأحجام والزوايا والكتل، وبناء العمل من مادة صلبة، يمنحها شعورًا مختلفًا عن أي ممارسة فنية أخرى. بالنسبة إليها، يكمن جمال النحت في القدرة على التفاعل مع المادة الجامدة وتحويلها إلى شكل يحمل حياة وحضورًا خاصًا.


المرأة والنحت

يُنظر إلى النحت غالبًا على أنه من الفنون التي تتطلب جهدًا جسديًا كبيرًا، إلا أنّ رندة نعمة لا تؤمن بوجود فرق حقيقي بين المرأة والرجل في هذا المجال. تُسرّ لنا في حديثها أنّ العامل الأساسي في الاستمرار بالنحت هو الالتزام والقدرة على الحفاظ على نمط حياة صحي يسمح للفنان بالاستمرار في العمل والإنتاج. وتؤكد في هذا السياق أنّ التطوّر التكنولوجي ساعد الفنانين كثيرًا، خصوصًا في ما يتعلق بنقل المعدات والمنحوتات الكبيرة، الأمر الذي خفف من الأعباء الجسدية التي كانت تُعتبر سابقًا عائقًا أمام النساء في هذا المجال. لكن، على الرغم من الاستفادة من هذه الوسائل الحديثة، يبقى العمل اليدوي بالنسبة إليها أساس العملية الفنية وروحها الحقيقية.

هكذا، ترفض نعمة اختزال تجربة المرأة النحّاتة بفكرة "التحدّي"، لأنها تعتبر أن الفن لا يُقاس بالقوة الجسدية فقط، بل بالإصرار والرؤية والقدرة على بناء علاقة حقيقية مع المادة الفنية. لذلك، لا ترى نفسها استثناءً كامرأة تعمل في النحت، بل فنانة تمارس الفن الذي تحبه بالطريقة التي تشبهها.


الأقرب إلى الروح

رغم أنّ بداياتها الفنية كانت مع الطين لكونه المادة الأكثر توافرًا في تلك المرحلة، إلا أن رندة نعمة شعرت مع الوقت بأنّ الطين لا يكفي لترجمة أفكارها النحتية بالشكل الذي تطمح إليه. كانت تبحث عن مادة أكثر صلابة وقوة، مادة تستطيع أن تمنح أعمالها حضورًا أعمق وأقرب إلى رؤيتها الداخلية. من هنا بدأ انجذابها الحقيقي إلى الحجر الذي تعتبره المادة الأقرب إلى قلبها وروحها. هذا الارتباط تعزَّز أكثر عندما سافرت إلى فرنسا، حيث زارت أحد مقالع الحجارة وخاضت هناك تجربة النحت الحجري للمرة الأولى. تجربة شكّلت محطة مفصليّة في مسيرتها، لأنها شعرت للمرة الأولى بأنها تتعامل مع المادة التي تعبّر عنها فعلا.

أما الخشب، فلا يحمل بالنسبة إليها الإحساس نفسه. هي ترفض المسّ بالشجرة الحيّة، انطلاقًا من احترامها للطبيعة، بينما تشعر بأنّ الخشب الميت يفتقد إلى الطاقة التي تجدها في الحجر. لذلك، تبقى علاقتها بالحجر مختلفة، قائمة على التفاعل والشعور بالحياة الكامنة داخل المادة نفسها.


الفن في حضن الطبيعة

في مدينة جبيل، تقيم رندة نعمة محترفها الفني منذ سنوات، حيث يتحوّل المكان مع كل دورة جديدة من معرضها إلى مساحة تحمل روحًا مختلفة وتجربة متجددة. فالمعرض بالنسبة إليها ليس مجرّد مساحة لعرض المنحوتات، بل تجربة متكاملة يعيشها الزائر بكل تفاصيلها. وتحرص نعمة على أن يكون هناك انسجام واضح بين الأعمال الحجرية والطبيعة المحيطة بها، بحيث تبدو المنحوتات وكأنها جزء طبيعي من المكان. الأشجار والمساحات الخضراء والهدوء المحيط بالمعرض تمنح الزائر شعورًا بالراحة والطاقة الإيجابية، وهو ما تعتبره جزءًا أساسيًا من التجربة الفنية. وهي تؤمن بأنّ الفن لا ينفصل عن احترام الطبيعة، بل ينبغي أن يتناغم معها ويعيش داخلها. لذلك، تحرص على أن يشعر كل من يزور المعرض بالسعادة والطمأنينة، ليس فقط من خلال مشاهدة الأعمال الفنية، بل أيضًا عبر الإحساس العام الذي يخلقه المكان بكل عناصره.

ورغم أن الفن يرتبط غالبًا بالمشاعر والأحاسيس، إلا أنّ رندة نعمة ترى أن النحت يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك. فالعاطفة وحدها لا تكفي لصناعة منحوتة متكاملة، لأنّ هذا الفن يتطلب أيضًا الكثير من التركيز والخبرة والتخطيط. فكل منحوتة تبدأ بفكرة، ثم تتحوّل إلى مشروع يحتاج إلى دراسة دقيقة وصبر طويل ومتابعة مستمرة. لذا، تنظر نعمة إلى النحت كعملية بناء حقيقية، تجمع بين الحس الفني والانضباط العملي، وبين الإبداع والقدرة على السيطرة على المادة وتوجيهها. ومن خلال هذه العلاقة الطويلة مع الحجر والطبيعة، تواصل رندة نعمة تقديم تجربتها الفنية الخاصة القائمة على البحث الدائم عن الجمال والانسجام والطاقة الكامنة داخل الأشياء الصامتة، وتحويلها إلى أعمال تنبض بالحياة.


منحوتة حجرية

من أعمال رندة نعمة

تشكيل

إحدى منحوتات رندة نعمة

عمل نحتي

من منحوتات رندة نعمة

عمل للنحاتة نعمة

النحاتة رندة نعمة