"الكوتشينغ في رسالة يسوع" لماريو مخول

6 دقائق للقراءة

في كتاب اللايف كوتش ماريو مخول، "الكوتشينغ في رسالة يسوع"، الصادر عن "دار سائر المشرق"، يقول كاتبه إنّ مؤلَّفه ليس مجرّد قراءة تقليدية للإنجيل، بل هو دعوة لاكتشاف الإنسان من خلال أسلوب يسوع المسيح. فالمسيح هنا لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يوقظ الوعي ويقود إلى التغيير من الداخل. عبر الإصغاء والسؤال والمرافقة، يظهر كمن يحفّز الإنسان ليكتشف ذاته ويتحمّل مسؤوليته. يربط هذا العمل بين خبرة الإيمان ومسار النمو الإنساني، ليكشف أن ما نسمّيه اليوم "كوتشينغ" كان حاضرًا في عمق تعاليمه منذ البداية. إنها قراءة جديدة تجعل الإنجيل خبرة حياة، لا نصًّا بعيدًا، وتضع أمام القارئ طريقًا شخصيًا نحو النضج والحرية.

ماذا لو كان التغيير يبدأ من السؤال لا من الجواب؟ أي حقيقة في داخلك تنتظر أن تُصغي لها؟ هل أنت مستعد لتتحمّل مسؤولية حريّتك؟ ماذا سيحدث لو قرأت حياتك بعيون جديدة؟ إلى أين يمكن أن تقودك خطوة صادقة نحو ذاتك؟


فكرة الكتاب

بعد سنوات من التعمق الأكاديمي والعملي في علم "الكوتشينغ"، عبر دراسات متنوعة في معاهد وجامعات وأكاديميات مرموقة، ومن خلال رحلة امتدت على مدى خمس سنوات، أدركتُ أنّ هذا العِلم الحديث، وعلى الرغم من حداثة شكله، يحمل جذورًا روحية وإنسانية أعمق مما كنتُ أتصوّر. وفي موازاة دراستي لهذا الحقل، تابعتُ دبلوم الإصغاء والمرافقة في "جامعة الحكمة"، بالتعاون مع "مكتب العائلة والزواج" في "الدائرة البطريركية المارونية - بكركي"، وأكملتُ دراستي وتخصصتُ في الوساطة، ولا سيما الوساطة العائلية، فازداد وعيي وإدراكي لعمق التواصل البشري وأدواته الشفافة، ومنها الإصغاء والمرافقة والحضور العلاجي.

شيئًا فشيئًا، بدأتُ ألاحظ أنّ الصفات الجوهرية التي تُدرَّس في "الكوتشينغ"، من إصغاء فعّال، وطرح أسئلة عميقة، وتجنُّب إصدار الأحكام، وفتح المساحات الآمنة للتعبير، كانت حاضرة بقوّة في حياة يسوع المسيح. ألم يكن يسوع مصغيًا بامتياز؟ ألم يكن مرافقًا حقيقيًا للنفوس المتعبة؟ ألم يكن وسيطًا للسلام ومحرِّكًا للتغيير الداخلي؟

وبعد بحث وتأمُّل طويلين، تكشّف لي أنّ يسوع لم يكن فقط "مُعلِّمًا"، بل كان أيضًا يمارس ما نسمّيه اليوم "الكوتشينغ"، حين كان يطرح الأسئلة، لا ليجيب عنها، بل ليوقظ الوعي في أعماق سامعيه. كان يدفع الناس إلى اكتشاف ذواتهم، إلى استعادة رسالتهم، إلى التحرُّر من القيود، وعيش الحياة التي وُلدوا من أجلها.

من هنا وُلدت فكرة هذا الكتاب: "الكوتشينغ في رسالة يسوع"، محاولة لقراءة أفعال يسوع وكلماته وصمته وأسئلته من منظور "الكوتشينغ" المعاصر، لا لهدف تقني أو وعظي، بل من أجل الربط بين رسالة المسيح الخلاصية وفن مرافقة الإنسان نحو تحقيق ذاته ورسالته، في مقاربات تحمل أبعادًا روحية وحياتية معًا.


تعريف الكوتشينغ

وفق "الاتحاد الدولي للكوتشينغ" (ICF): "الكوتشينغ" شراكة مع العملاء في عملية إبداعية ومثيرة للتفكير تُلهمهم لتعظيم إمكاناتهم الشخصية والمهنية. ويرى جون ويتمور أنّ "الكوتشينغ" هو إطلاق الإمكانات الكامنة لدى الفرد لزيادة أدائه، ومساعدته على التعلم بدلا من تعليمه. أما تيموثي غالواي فيعتبر أنّ "الكوتشينغ" هو فن تسهيل الأداء الذاتي، ما يسمح للناس بالتعلُّم والنمو من تجاربهم الخاصة.

وفي تعريف ماريو مخول (2025): "الكوتشينغ" هو شراكة مهنية تعاونية بين "الكوتش" والمستفيد، تهدف إلى تمكين المستفيد من تحديد أهدافه وتطوير قدراته الذاتية من خلال تفاعل منظَّم ومركّز. تُمارَس هذه العملية ضمن إطار من الثقة والسرية، وتعتمد على الإصغاء العميق وطرح الأسئلة المحفزة وتوظيف استراتيجيات وتقنيات مرنة وملائمة لحاجاته، بما يُفضي إلى إحداث تغيير إيجابي ومستدام على مستوى السلوك والتفكير والإنجاز.

في زمن تتكاثر فيه العتمة، يشرق وجه الرب بسؤال يحرّك أعماق القلب: "أتريد أن تُشفى؟". لم تكن كلمات يسوع مجرّد كلمات، بل كانت نداءً إلى قيامة داخلية، إلى تحوُّل جذري يبدأ من الداخل. لقد سار يسوع في دروب المعاناة، واجه الجوع والحزن والرفض والصلب، لكنه في كل ذلك لم ينكسر، بل حمل الرجاء في قلبه ونقله إلى كل من اقترب منه. لم يكن يسأل ليحصل على جواب، بل ليساعد الإنسان على اكتشاف الحقيقة المخفية في داخله. في هذا الزمن الصعب، عندما ينهش الألم الأجساد والقلوب، ويعمّ الظلم ويقيّد الخوف، يطلّ يسوع من عمق إنجيله ليكون "كوتش" الحياة، ومرشد الطريق، وسند من لا سند له.

يسوع لا يفرض التغيير بل يرافقه. لا يرعب الإنسان بل يعزّيه. لا يدين بل يشفي. لا يكسر القصب المرضوض ولا يطفئ الفتيلة المدخنة. هو يسألنا اليوم كما سأل تلاميذه يومًا: "من تقولون إني أنا؟". ويسأل القلب الجريح: "لماذا تبكين؟". ويسأل المتألِّم: "لماذا أنت خائف؟". كل سؤال هو باب مفتوح نحو اللقاء، نحو التغيير، نحو الشفاء. فليكن هذا الزمن لا زمن يأس، بل زمن رجاء. ولا زمن هروب، بل عودة. ولا زمن سكون، بل قيامة جديدة مع المسيح الحي. الرب ما زال يسير معنا، يرافقنا، يسألنا، وينتظرنا... فهل نجيبه؟


الخاتمة

هذا الكتاب ليس مجرّد دراسة لأساليب يسوع في "الكوتشينغ"، بل دعوة لاكتشاف كيف نكون أدوات للسلام، للنمو، وللتحوّل. إنّه تذكير بأنّ "الكوتش" الحقيقي لا يغيّر الآخر، بل يوقظ فيه ما زرعه الله. في عالم يزداد فيه الضجيج، يبقى صوت يسوع هو الدعوة الأسمى: "تعالوا إليّ، يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (متى 11: 28). فلنكن نحن، كـ "كوتشينغ" مؤمن، صدى لهذا النداء. لكلّ من يعمل في خدمة الإنسان، لكلّ من يسعى لأن يرافق الآخر بإصغاء ومحبّة، لكلّ من يطمح إلى "كوتشينغ" يحرّر لا يقيّد، هذا الكتاب هو لك.

المجد ليسوع، "الكوتش" الإلهي، الذي ما زال يسير معنا، يسألنا، يشجّعنا، ويغيّرنا بالحب. الختام ليس نقطة، بل فاصلة. الآن، بعد أن عرفت طريق يسوع كـ "كوتش"، كيف تختار أن تكمل الطريق؟




ماريو عبدو مخول

من مواليد القبيات عام 1973، خبير معتمد في "الكوتشينغ" والوساطة والتنمية البشرية. حاصل على الدكتوراه المهنية في "الكوتشينغ" بأدوات الذكاء الاصطناعي من "جامعة Newcastle" في المملكة المتحدة، وعلى شهادة في الوساطة من "IMGH" في باريس، و "الجامعة اللبنانية"، و "مركز البحوث في الجيش اللبناني". كما نال شهادة في "اللايف كوتشينغ" من "الجامعة اليسوعية"، ومن "ICF"، وشهادة في المرافقة والإصغاء من "جامعة الحكمة" و "معهد العائلة - بكركي" . وهو حائز على عدّة شهادات من جامعات مرموقة، ما جعله شخصية متعددة المواهب وغنية ثقافيًا.