إذا كانت الإدارة الأميركية تدرس توجيه جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة لتعويض دول الخليج عن الأضرار التي تسببت بها طهران، فإن السؤال اللبناني: لماذا لا يقاضي لبنان إيران؟ ولماذا يبقى لبنان خارج منطق التعويض، وهو أول وأطول ساحة استخدمتها الجمهورية الإسلامية، منذ ما قبل عام 1979، في مشروعها التوسعي نحو المتوسط؟
منذ انتصار الثورة الإيرانية، لم تتعامل طهران مع لبنان كدولة ذات سيادة، بل كمنصة أمامية في صراعها مع الغرب وإسرائيل والعالم العربي. عبر "الحرس الثوري"، ثم عبر إنشاء "حزب الله" عام 1985، جرى تحويل الجنوب والبقاع والضاحية، ولاحقًا القرار الوطني اللبناني بالكامل، إلى جزء من بنية استراتيجية إيرانية. لم يكن السلاح مجرد "مقاومة"، بل أداة لربط قرار الحرب والسلم في لبنان بمصالح طهران.
من أقوى الانتقادات الرئاسية اللبنانية لدور إيران في لبنان ما جاء على لسان رئيس الجمهورية جوزاف عون في مقابلة مع "سي إن إن"، حيث قال مخاطبًا إيران: "هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا"، رافضًا تدخلها في الشؤون اللبنانية، ومعتبرًا أنها تستخدم لبنان كورقة ضغط في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
كما شدد على أن اللبنانيين يُقتلون وبيوتهم تُدمَّر بسبب هذا الاستخدام الإيراني للبنان، داعيًا "حزب الله" إلى فهم أن الحل الوحيد هو الجلوس والتفاوض، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن الحلول العسكرية لن توفر الأمن لسكان الشمال الإسرائيلي ولا الاستقرار للبنان.
وهذا ما عبّر عنه بوضوح مؤتمر "معراب 3 - إنقاذًا للبنان"، حين شدد على أن "كلفة الإعمار لا على الدولة ولا المواطنين... إيران يجب أن تعوّض". فالمسؤوليات واضحة: النظام الإيراني يتحمل المسؤولية الدولية، السياسية والقانونية، و"حزب الله" يتحمل المسؤولية التنفيذية عن الدمار والخسائر. ولا يكفي القول إن لبنان يتعرض لعدوان إسرائيلي، لأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصرًا بيد السلطات اللبنانية، لا بيد النظام الإيراني أو وحدات مسلحة خارجة عن الدولة وبإمرة إيرانية.
من هنا، لم تعد المطالبة بمحاسبة إيران مجرد موقف سياسي معارض، بل أصبحت منسجمة مع منطق الدولة نفسها: لبنان ليس ورقة في يد طهران، ولا ساحة أمامية لحروبها، ولا صندوقًا مفتوحًا يدفع منه اللبنانيون كلفة مشروع إقليمي لم يختاروه.
لذلك، لا يجوز أن تكون إعادة الإعمار مسؤولية الدولة اللبنانية ولا الشعب اللبناني عامة ولا أهل الجنوب خاصة. المطلوب من الحكومة توثيق كل تكاليف المأساة الحالية: النزوح، إعادة الإعمار، الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، وتدمير البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية، تمهيدًا لمسار قانوني داخلي ودولي يطالب الدولة الإيرانية بالتعويضات، أو يفتح باب الشكوى أمام المرجعيات الدولية المختصة.
اليوم، لم يعد السؤال: هل يحق للبنان أن يقاضي إيران؟ بل لماذا لم يفعل ذلك بعد؟ لأن استعادة السيادة لا تبدأ فقط بنزع السلاح، بل أيضًا بمحاسبة من حوّل لبنان إلى جبهة، ومن جعل اللبنانيين يدفعون كلفة إمبراطورية إيرانية على شاطئ المتوسط.