تتمسّك قيادة الاحتلال الإيراني، أي الحرس الثوري، في لبنان باحتجاز لبنان رهينة مصالحها الإقليمية، وهي لا تكتفي بتهديد أركان الدولة والتهجّم عليهم، بل تواصل تحركاتها العسكرية لتفجير أي جهد يقوم به رئيس الجمهورية جوزاف عون، مع رئيس الحكومة نواف سلام، لتجنيب لبنان المزيد من التدمير والتخريب والاستهداف. فإيران تريد الاستمرار في إشعال لبنان لتعزيز مكانتها التفاوضية، ولإثبات احتلالها وتحكّمها بالبلد، مع ما يعنيه ذلك من إصرار على إبقاء نفوذها وهيمنتها حاضرين بشكل فاضح كقوة استعمارية معلنة.
وبرعاية إيران المذهبية المقيتة، يخرج النائب عن "حزب الله" إيهاب حمادة مهدّدًا الداخل اللبناني بالقول: "نحن نحمل ثأرنا منذ 1400 سنة، وحذارِ أن يضيف أحد ثأرًا إلى ثأرنا. نحن أحقَد من جمل!" وهو بذلك يعيد فتح الأحقاد المذهبية، ليس فقط ما يتعلّق منها بالخلاف حول الخلافة، بل إنه يكرّر مقولة نوري المالكي بأن الصراع هو بين أحفاد الحسين وأحفاد يزيد. وهو يهدّد الداخل، كما قال قيادي آخر في "الحزب" إن "10 في المئة فقط من قواته تقاتل في الجنوب، وأن 90 في المئة منها يتوجّه نحو الداخل"، في كلام يمهّد لنشر الفوضى والفتنة والعنف في الداخل اللبناني.
ومن عجائب "الحماية" الإيرانية للبنان قبولها باستمرار الحرب الإسرائيلية التدميرية على الجنوب، والاكتفاء بمنع قصف الضاحية الجنوبية، وكأن هناك تواطؤًا وتوافقًا إيرانيًا - إسرائيليًا على اعتبار الجنوب منطقة ساقطة من الأولوية ومن الحسابات الاستراتيجية. ويتضح أن طهران سلّمت بقيام إسرائيل بـ"تنظيف" الجنوب من حزبها وسلاحه، بشكل مباشر ومن دون الدخول في مخاطر تكرار التجربة مع الجيش اللبناني والدولة اللبنانية في مسألة إخلاء جنوب الليطاني من السلاح، وما انكشف لاحقًا من عجز أو تغاضٍ عن كل هذه الترسانة التي يخوض بها الحرس الثوري وحزبه هذه الحرب على الأراضي اللبنانية.
ما فعله الحرس الثوري وحزبه في لبنان أدّى إلى انفلات العقال وتمدّد العنف وازدياد منسوب التدمير والهجمات ضد البلد.
من الواضح أن إيران لمست أن مصير حليفها الأهم، "حزب الله"، مهدّد، وهو ينهار بشكل متسارع تحت وطأة الضربات الإسرائيلية، ما لم يترك لها خيارًا سوى التدخل وتقديم المساعدة. فهي لا تسعى لإنقاذ لبنان، بل لمساعدة حزبها ومنع انهياره وسقوطه، الأمر الذي سيفقدها الورقة الأكثر تأثيرًا في الصراع الدائر إقليميًا.
إن الرد الإيراني لا يثبت إلا ضعف "حزب الله". لقد أظهر التدخل الإيراني عجز حزب إيران عن مواجهة إسرائيل بمفرده وفشله في إرساء الردع.
وعلى هذه الخلفية، ترفض إيران السماح لحزبها بقبول وقف إطلاق النار الذي أبرمته الحكومة اللبنانية، وتعمل الآن على تأجيج الصراع. لكن سياساتها ستبوء بالفشل، ومحاولات طهران ربط المسار اللبناني بالمسار التفاوضي في إسلام آباد لن تحقق أغراضها، ولن تغيّب حقيقة أن الحل في لبنان هو نزع سلاح ميليشيا إيران وإقامة الدولة الحرة والمستقلة والعادلة. فهكذا تنتهي الحرب ويسترجع لبنان عافيته، ويكون قادرًا على مواجهة التحدي الإسرائيلي احتلالا ودورًا.
تشير المعلومات إلى أن المنطقة كانت على بُعد خطوة من اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان من الممكن أن يفضي إلى حل شامل: عودة النازحين، ووقف تدمير القرى، ووقف النزيف الاقتصادي. لكن إيران عملت على تخريبه، والعجيب هو احتفال "الحزب" بهذا التدخل الذي يعني استمرار الحرب، واستمرار النزوح، واستمرار الدمار. ومن المفارقات أن هجوم "الحزب" على رئيس الجمهورية جوزاف عون، في هذه اللحظة الحرجة من المفاوضات، يكشف أن الهدف الوحيد من الهجوم الإيراني كان تقويض جهود المفاوضات.
من الواضح أن إيران ستعمل على إشعال المنطقة وتشغيل أدواتها في المواجهة الجارية حاليًا، وهذا سيترك أعباء كبيرة على الشعوب الواقعة بين سندان طهران ومطرقة إسرائيل. وإذا لم يقوَ عود الدولة، فسيدفع لبنان أثمانًا هائلة ستصل إلى الانقسام واستهداف البنى التحتية والمرافق العامة والحصار، فداءً لإيران. ولكن يبقى الشعار الأكثر إقناعًا للبنانيين: لتحترق طهران ويحيا لبنان.