رنا شمص

صواريخ ما بعد الضاحية: لماذا ردّت إيران الآن؟ وماذا تقول... لمفاوضات واشنطن؟

5 دقائق للقراءة

لم تكن الليلة التي أعقبت الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت ليلة عاديّة في مسار الصراع الدائر في المنطقة. فالصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه إسرائيل لم تكن مجرّد ردّ عسكري على استهداف موقع أو اغتيال شخصيّة أو توجيه رسالة تكتيكيّة محدودة، بل حملت دلالات سياسيّة واستراتيجيّة أوسع بكثير. فقد جاءت لتؤكّد أن الضاحية ليست مجرّد حيّ في العاصمة اللبنانية، بل تمثّل عنواناً سياسيّاً وأمنيّاً يتجاوز حدود لبنان، ويرتبط مباشرة بمعادلات النفوذ والصراع الإقليمي.

لذلك بدا واضحاً أنّ ما جرى لم يكن مرتبطاً فقط بالحدث الأمني المباشر، بل بالسؤال الأكبر الذي يرافق الحرب منذ بدايتها: أين تقف حدود الردع، ومن يملك حق رسم قواعد الاشتباك الجديدة؟

منذ أشهر ، يتعرّض جنوب لبنان لسلسلة واسعة من الغارات والاستهدافات التي أوقعت خسائر بشرية ومادية كبيرة، كما شهد لبنان عمليّات اغتيال وضربات متكررّة طالت مواقع وقيادات مرتبطة بحزب الله. ومع ذلك، لم تدفع هذه التطورات إيران إلى الانخراط المباشر في المواجهة. لذلك يبدو أن استهداف الضاحية الجنوبية حمل بالنسبة إلى طهران بعداً مختلفاً يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، باعتباره مساساً بأحد أبرز الرموز السياسية والاستراتيجية للمحور الذي تقوده. ومن هنا يمكن القول إن الرد الإيراني لم يكن نتيجة تراكم الضربات على لبنان بقدر ما كان رداً على تجاوز ما تعتبره طهران خطاً أحمر يرتبط بمكانة الضاحية ودورها داخل معادلة النفوذ الإقليمي.

فإذا كانت إيران تمتلك القدرة على الرد المباشر، فلماذا انتظرت كل هذه المدة؟ وإذا كانت الضربة على الضاحية هي التي استدعت هذا الرد، فماذا عن الأشهر السابقة من القصف والاغتيالات والدمار؟

في المقابل، تدرك إسرائيل أن أي مواجهة مباشرة مع إيران تحمل مخاطر كبيرة. إلا أن ما يظهر خلال الأشهر الأخيرة هو سعي إسرائيلي واضح للانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة فرض وقائع جديدة على الأرض. ويبدو أن تل أبيب تتصرف انطلاقاً من قناعة بأن البيئة الاستراتيجية التي نشأت بعد السابع من أكتوبر منحتها هامش حركة أوسع مما كان متاحاً في السابق، وأن الضربات المتكررة ضد مواقع وقوى مرتبطة بإيران قد تؤدي تدريجياً إلى إضعاف منظومة الردع التي بنتها طهران خلال سنوات طويلة.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الضربة على الضاحية باعتبارها محاولة لاختبار حدود الرد الإيراني. فقد أرادت إسرائيل معرفة مدى قدرتها على استهداف أحد أهم معاقل حزب الله من دون مواجهة رد يغيّر مسار الصراع. وجاء الرد الإيراني ليؤكد أن هناك خطوطاً لا تزال قائمة، وأن تجاوزها لا يمكن أن يمرّ من دون ثمن. إلّا أنّ طبيعة الرد نفسها أوحت بأن الطرفين ما زالا يحاولان إبقاء التصعيد ضمن سقوف محسوبة، تفادياً لانفجار إقليمي شامل.

غير أنّ الخاسر الأكبر في هذه المعادلة يبقى لبنان. فبينما تتبادل القوى الإقليمية الرسائل العسكرية، يجد اللبنانيون أنفسهم مرة جديدة في قلب المواجهة من دون أن يمتلكوا قدرة حقيقية على التأثير في مسارها أو نتائجها. فالمنطقة التي تعرّضت للقصف هي جزء من العاصمة اللبنانية، وأي تصعيد جديد يعني مزيداً من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في بلد يعاني أصلاً من أزمة غير مسبوقة.

والأخطر أن ما جرى تزامن مع مرحلة سياسية حساسة تشهد فيها الدولة اللبنانية محاولات لإحياء المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، في ظلّ المفاوضات والاتّصالات الجارية في واشنطن حول مستقبل الوضع الأمني والسياسي في لبنان والمنطقة. ومن هذا المنطلق، لم يكن الرد الإيراني موجهاً إلى إسرائيل وحدها، بل حمل أيضاً رسالة واضحة إلى الداخل اللبناني مفادها أن معادلات القوّة الفعليّة لا تزال تُرسم إلى حد كبير خارج مؤسسات الدولة، وأن أي مسار تفاوضي يتعلق بمستقبل لبنان لا يمكن فصله عن الحسابات الإقليميّة الأوسع.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تثبيت موقعها التفاوضي وإقناع الأطراف الدوليّة بقدرتها على إدارة الاستقرار الداخلي، جاءت الصواريخ لتعيد التذكير بأنّ لبنان ما زال جزءاً من شبكة صراعات إقليمية تتجاوز حدود قراره الرسمي. وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول قدرة الدولة على تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية إذا بقيت القرارات المرتبطة بالحرب والسلم مرتبطة بتوازنات تتخطى مؤسساتها الدستورية.

فالوقائع الميدانية تؤكد أن الأراضي اللبنانية ما زالت جزءاً من معادلات النفوذ والردع المتبادلة، وأن اللبنانيين يستمرون في دفع أثمان صراعات تتجاوز حدود دولتهم وإمكاناتها.

في النهاية، لا يمكن إختصار ما حدث بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو بالأهداف التي أصابتها. فالحدث الحقيقي يكمن في الرسائل السياسيّة التي حملتها هذه الصواريخ. لقد أرادت إيران أن تؤكّد أنّ استهداف الضاحية لن يمرّ بلا ثمن، فيما أرادت إسرائيل أن تثبت قدرتها على الوصول إلى مواقع تعتبرها جزءاً من التهديد الذي تواجهه.

وبين هاتين الرسالتين، يقف لبنان على حافّة مرحلة جديدة من عدم اليقين، فيما تتزايد المخاوف من أن تتحول سياسة الرسائل المتبادلة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

لقد أثبتت هذه الليلة أن المنطقة لم تقترب من نهاية الصراع، بل ربما دخلت فصلاً أكثر خطورة منه. ويبقى السؤال الأهم: هل ستؤدّي هذه الجولة إلى تثبيت قواعد الردع القائمة، أم أنّها تمثّل بداية مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح في الشرق الأوسط؟