فيليب عادل حنين

حين يصبح الخوف على الجيش أكبر من الخوف على الوطن

4 دقائق للقراءة

في لبنان، يبدو أن المطلوب من اللبنانيين الدفاع عن كل شيء إلا لبنان نفسه.

ندافع عن التسويات خوفاً من الفتنة، وندافع عن السلاح غير الشرعي خوفاً من الحرب، وندافع عن بقاء المؤسسة خوفاً من انقسامها، حتى وصلنا إلى لحظة أصبح فيها الخوف على الجيش أكبر من الخوف على الوطن.

في كل مرة يُطرح فيها سؤال حول عجز الدولة اللبنانية عن فرض سلطتها على كامل أراضيها، أو استمرار وجود سلاح خارج إطارها الشرعي، تنهال علينا الإجابة نفسها: "احذروا... فالجيش قد ينقسم".

منذ سنوات طويلة، يُطلب من اللبنانيين أن يتعايشوا مع واقع السلاح غير الشرعي وتعطيل مؤسسات الدولة ومصادرة القرار الوطني بحجة الحفاظ على الاستقرار.

والنتيجة أمام أعيننا: دولة مفلسة، اقتصاد منهار، شباب يهاجرون، قرى مدمرة، وعشرات الآلاف من اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى يدفعون ثمن حروب لا يملكون قرارها. يعيشون غرباء في وطنهم، في تكرار مؤلم لمشهد عرفه الجنوب من قبل، حين كانت الحروب تُقرَّر خارج الدولة ويدفع أهلها الثمن.

فالمطلوب من الجيش أن يبقى قوياً بما يكفي لحماية المنظومة، لا مُمكَّناً بما يكفي لحماية الدولة والجمهورية.

لا دولة من دون جيش، لكن لا وطن يُبنى على بقاء المؤسسة وحدها إذا غابت الدولة التي وُجدت لحمايتها.

قد يكون الجيش آخر ما يجمع اللبنانيين وآخر ما تبقى من رموز الدولة في وجدانهم، لكن احترام المؤسسة لا يكون بتحصينها من النقد، بل بضمان قدرتها على القيام بالدور الذي وُجدت من أجله.

وإذا كانت وظيفة الجيش حماية الوطن، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالمؤسسة نفسها، بل بالدولة التي لم توفّر لها حتى اليوم ما يكفي من دعم وإرادة سياسية للقيام بهذه المهمة.

حوّلت إيران لبنان عبر حزب الله إلى منصة لمشروعها الإقليمي، فيما دمّرت إسرائيل القرى والبنى التحتية وفرضت وقائع جديدة بالقوة. وبين المشروع الإيراني والآلة العسكرية الإسرائيلية، وجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى وحدهم يدفعون الثمن.

لكن الحقيقة التي يرفض كثيرون مواجهتها هي أن ما أصاب لبنان لم يكن نتيجة عدوان خارجي فقط، بل نتيجة منظومة سياسية اختارت لعقود التعايش مع أصل المشكلة بدل معالجتها.

فالجنوب لم يُدمّر فقط بالقنابل، بل دُمّر يوم تحوّل قرار الحرب والسلم من حق حصري للدولة إلى امتياز تحتكره جهة واحدة نيابة عن ملايين اللبنانيين.

فالمشكلة لم تكن يوماً في خسارة معركة، بل في التنازل عن قرار الدولة نفسه.

ولا يزال هناك من يتمسك بهذا الواقع ويدافع عنه؛ بعضهم خوفاً، وبعضهم وهماً، وبعضهم لأن مصالحه باتت مرتبطة باستمراره، أو لأن هذه المصالح لا تزدهر إلا في ظل الفوضى وتعطيل الدولة، مهما كانت الكلفة على لبنان واللبنانيين.

واليوم، فيما يرفض حزب الله تسليم سلاحه، لا يزال اللبنانيون يسمعون مسؤولين إيرانيين يتحدثون عن مستقبل بلدهم وكأنه جزء من نفوذهم الطبيعي، لا كدولة مستقلة لها شعبها وقرارها.

وكأن اللبنانيين مطالبون في كل مرة بدفع ثمن مشاريع لا يشاركون في صياغتها، وحروب لا يملكون قرارها، وتسويات تُعقد فوق رؤوسهم باسمهم ومن دون موافقتهم.

والأخطر أن كل من يطالب باستعادة الدولة وإنهاء هذا المسار يُتهم بالخيانة أو العمالة، فيما يُطلب من اللبنانيين، بعد كل ما أصاب الجنوب والضاحية والبقاع من دمار وخسائر، تقديم المزيد من التضحيات، وكأن المشكلة كانت دائماً في نقص التضحيات لا في فشل المشروع نفسه.

لكن الدول لا تُبنى بالاستسلام للأمر الواقع، بل ببسط سلطة الدولة وفرض القانون على الجميع بلا استثناء.

المشكلة ليست فقط في السلاح غير الشرعي، بل في منظومة لا تتحرك إلا تحت الضغط، وتُبقي الجيش أسير حساباتها، ثم تبيع الحد الأدنى على أنه إنجاز.

وهكذا تحوّل تأجيل القرار إلى عقيدة سياسية، وتحوّل شراء الوقت إلى بديل عن بناء الدولة.

لقد حان وقت مواجهة الواقع.

لسنوات طويلة، طُلب من اللبنانيين الثقة والانتظار والصبر، وقيل لهم إن الجيش هو الضمانة الأخيرة لوحدة البلاد وبقاء الدولة.

واليوم يحق لهم أن يسألوا: هل قرّبتهم كل تلك التضحيات من الدولة، أم أنها أجّلت فقط لحظة مواجهة الحقيقة؟

أما الاختبار الحقيقي اليوم فليس للجنود الذين أدوا واجبهم وضحوا من أجل وطنهم، بل للمنظومة السياسية التي طالما استخدمت الخوف من الانقسام ذريعة لتأجيل المواجهة مع أصل المشكلة.

فهل تملك هذه المنظومة الشجاعة لاتخاذ القرار الذي تهربت منه لعقود؟ أم أنها ستواصل إدارة الأزمة بدل حلها، وشراء الوقت بدل إنقاذ الدولة وما تبقى من الوطن؟

فإذا كان الجيش هو آخر ما يجمع اللبنانيين، فإن الاختبار الحقيقي لم يعد للجيش، بل للدولة التي يفترض أن يقاتل من أجلها.

لأن مأساة لبنان لم تكن يوماً في نقص التضحيات.

بل في إصرار المنظومة التي حكمته على استهلاك تلك التضحيات بدلاً من تحويلها إلى دولة.