عارف رفيق

التوافق التركي - الباكستاني: القوى المسلمة الوسطية تتحالف في أوراسيا

5 شباط 2021

02 : 01

في بداية الحرب الباردة، خلال حقبة الخمسينات، كانت باكستان وتركيا جزءاً من حلف بغداد الذي يشير إلى كتلة موالية للغرب تتألف من الدول ذات الأغلبية المسلمة. اليوم، أصبح هذان البلدان اللذان يواجهان علاقات متوترة مع الولايات المتحدة قوتَين مسلمتين وسطيتين وبدأ التوافق بينهما يتوسع في منطقة أوراسيا متعددة الأقطاب.

في السنوات الأخيرة، أدى التعاون بين باكستان وتركيا إلى تقوية المجالات الدفاعية والديبلوماسية والاقتصادية، وحتى المساحات الثقافية، فنشأت تداعيات جيوسياسية متشعبة في الهيمالايا وشبه الجزيرة العربية وجنوب القوقاز.

يرتكز التوافق الباكستاني التركي الناشئ اليوم على مجموعة من الأحزاب السياسية الرائدة في باكستان وثلاثة أجهزة عسكرية، بالإضافة إلى القيادة التركية. تُسهّل هذه الشراكة مساعي البلدَين لاكتساب الاستقلالية الاستراتيجية تزامناً مع تراجع الخيارات المتاحة لهما في الغرب، لكنها تزيد تعقيد هذه الجهود أحياناً. مع ذلك، من المتوقع أن تضعف آفاق التوافق التركي الباكستاني بسبب هشاشة الوضع الاقتصادي في البلدين وفرص النمو المحدودة على المدى القريب.


إخوة في السلاح

في 23 كانون الثاني، خلال احتفال للسفن البحرية تركية الصنع، بما في ذلك فرقاطة مُعدّة للبحرية الباكستانية، تكلم الرئيس رجب طيب أردوغان عن "القدرات العظيمة" التي يحملها التعاون الدفاعي الصناعي بين "البلدَين الشقيقَين"، باكستان وتركيا.

تزامناً مع تنامي قطاع تصنيع الأسلحة المحلي بوتيرة متسارعة في تركيا، زادت الاتفاقيات الدفاعية التي أبرمتها أنقرة مع إسلام أباد، فانتقلت سريعاً من تحديث المعدات الباكستانية التي يتم شراؤها في الأصل من دول أخرى في حلف الناتو إلى بيع أسلحة تركية الصنع.

بلغت القيمة الإجمالية لنقل الأسلحة التركية إلى باكستان 112 مليون دولار بين العامين 2016 و2019، وفق معلومات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام". خلال هذه الفترة، كانت تركيا رابع أكبر مصدر للأسلحة في باكستان، متفوقةً بذلك على الولايات المتحدة، وكانت باكستان ثالث أكبر سوق لتصدير الأسلحة. من المتوقع أن تتحسن تلك المراتب حين تلبّي تركيا طلبات باكستان الأخيرة التي تتجاوز قيمتها عتبة الثلاثة مليارات دولار.


اشتقت الطموحات الباكستانية والتركية بتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع من تجارب العقوبات المريرة التي فرضها الغرب. كذلك، ينجم التعاون الدفاعي بين باكستان وتركيا عن استمرار أسلوب الإكراه الغربي. أصبحت صفقة شراء المروحيات T-129 طي النسيان لأن الكونغرس منع إعطاء تركيا تراخيص لتصدير محرّكها التوربيني LHTEC T800-4A ذا التصميم الأميركي البريطاني. تُطوّر تركيا بديلاً عن هذا الابتكار (TEI TS1400) لإنقاذ الصفقة في حال استمر البرود في العلاقات الأميركية التركية. لكن لا يزال الابتكار الجديد في مرحلة التصنيع الأولية ولا يمكن استعماله قبل سنوات.

ستبقى الصين المصدر الأساسي للمعدات الدفاعية المستوردة في باكستان، لكن تقدم لها تركيا أيضاً بديلاً عن المعدات الأميركية والفرنسية التي يصعب الحصول عليها اليوم، كما أنها تُخفف اتكال إسلام أباد على بكين ولو بدرجة بسيطة. تهدف مروحيات T-129 إلى استبدال الأسطول الباكستاني القديم المؤلف من مروحيات كوبراAH-1F. كذلك، اشترت باكستان معدات تركية لطائراتها المقاتلة JF-17، وقد شاركت الصين في تصنيعها.



وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو يتسلّم جائزة "هلال باكستان" / إسلام أباد، باكستان، 13 تشرين الثاني 2021



لكن تتجاوز العلاقات الدفاعية بين باكستان وتركيا حدود شراء الأسلحة التركية من إسلام أباد. فقد اشترت أنقرة أيضاً طائرات حربية وقطعاً للطائرات بلا طيار وقنابل من إسلام أباد. ويعمد البلدان في الوقت نفسه إلى تكثيف التعاون التكنولوجي بينهما. تشمل صفقة سفينة "ميليغم" في مراحلها الأولى مثلاً نقل التكنولوجيا. كذلك، أبرم "مركز الصناعات الفضائية التركية" اتفاقاً مع "الجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا"، وهي أهم كلية هندسة في باكستان، لتوسيع التعاون في مجال الأبحاث والتطوير وتبادل الأساتذة والطلاب. أخيراً، وافق "مركز الصناعات الفضائية التركية" على إنشاء متجر في "حديقة العلوم والتكنولوجيا الوطنية" في باكستان، ومن المتوقع أن يُركّز هذا الفرع على المشاريع الدفاعية، بما في ذلك الحرب الإلكترونية والطائرات بلا طيار وتكنولوجيا الرادارات.

تكتّل ديبلوماسيفي وقتٍ سابق من كانون الثاني، أطلقت أذربيجان وباكستان وتركيا الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بين وزراء الخارجية في إسلام أباد، ثم أصدرت هذه الدول بياناً مشتركاً يعكس تحالفها في الخلافات القائمة في قبرص وكشمير وناغورنو كاراباخ.


في مرحلة معينة، تبادلت أذربيجان وباكستان الدعم في خلافاتهما الأساسية على الأراضي. ولطالما كانت تركيا تدعم سيادة أذربيجان في ناغورنو كاراباخ. لكن يُعتبر تأييد تركيا لقضية كشمير جديداً نسبياً. في السنوات الأخيرة، دافع أردوغان بقوة عن عقد تسوية يتم التفاوض عليها لحل الصراع على كشمير، حتى أنه عبّر عن هذا الموقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث دعا إلى حل النزاع "في إطار قرارات الأمم المتحدة" و"بما يتماشى مع توقعات شعب كشمير".

أثار كلام أردوغان استياء نيودلهي التي تعارض أي محاولة خارجية لتدويل الصراع في كشمير. كذلك، كسب أردوغان تأييد الناس في باكستان التي وجدت صعوبة في حصد أي دعم ديبلوماسي لموقفها من كشمير، حتى من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

امتنعت أبو ظبي والرياض عن دعم قضية كشمير نظراً إلى رغبتهما في توسيع علاقاتهما مع نيودلهي. لكن تعتبر باكستان كشمير مسألة وجودية، لا سيما بعد ضمّها إلى الهند في العام 2019. نتيجةً لذلك، رسّخت باكستان تحالفها مع تركيا، حتى أنها عقدت في البداية شراكة مع إيران وماليزيا وتركيا لتنظيم قمة إسلامية في كوالالمبور، في كانون الأول 2019. هذه الخطوة أثارت غضب أبو ظبي والرياض، ما دفع إسلام أباد إلى التراجع عن المشاركة في القمة. لكن رغم امتثال باكستان، طلبت منها المملكة العربية السعودية بعد مرور أشهر، وغداة زيارة أردوغان الرسمية إلى إسلام أباد، أن تسدد قروضها قصيرة الأجل لتعزيز احتياطياتها غير المستقرة من النقد الأجنبي.

في غضون ذلك، أثار التكتل التركي الباكستاني استياء أطراف أخرى. في تشرين الأول، أجرى رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان مقابلة مع قناة إخبارية هندية يملكها جزئياً عضو في الحزب الهندوسي القومي الحاكم، فاتّهم باكستان بإرسال مرتزقة إلى ناغورنو كاراباخ من دون تقديم أي أدلة على ذلك.


ثقافة القومية المسلمة

يمتد التواصل الديبلوماسي بين تركيا وباكستان إلى مجال "القوة الناعمة" أيضاً. حققت نسخة ناطقة باللغة الأردية من مسلسل Diriliş: Ertuğrul (قيامة أرطغرل)، الذي يؤرّخ مسيرة والد مؤسس السلطنة العثمانية، نجاحاً هائلاً في باكستان.

يبث التلفزيون الباكستاني هذا المسلسل الذي أنتجه التلفزيون التركي الحكومي، وقد تجاوزت مشاهدات حلقته الأولى فقط عتبة التسعين مليوناً على يوتيوب وأصبح الممثلون الأتراك المشاركون فيه معروفين في باكستان اليوم. أدى نجاح هذا المسلسل إلى إطلاق نقاشات بين البلدين لإنتاج مسلسل جديد بعنوان Turk Lala عن رجل من باكستان المعاصرة هاجر إلى تركيا في العام 1920 وحارب دعماً للسلطنة العثمانية المحاصرة.

باتت النزعـــــة القومية المسلمة، التي تعكس المشاعر المعاصرة والخطاب التاريخي في آن، تُلوّن هذه العلاقة الثنائية المبنية على الواقعية السياسية.


الاقتصاد الهشّ عائق مستمر

بالإضافة إلى زيادة مبيعات الأسلحة، توسعت الاستثمارات الاقتصادية التركية في باكستان خلال العقد الأخير. تجاوزت قيمة الاستثمارات التركية الخارجية المباشرة في باكستان منذ العام 2009 عتبة 300 مليون دولار. أطلقت الشركة التركية "زورلو إينرجي" سلسلة من مشاريع الطاقة المتجددة المستقلة. وفي العام 2016 قامت "أرتشيليك"، شركة فرعية للأدوات المنزلية تابعة للمجموعة التركية "كوتش" القابضة، بشراء الشركة الباكستانية "داولانس" مقابل 258 مليون دولار. كذلك، تلجأ مدينة "لاهور" إلى مصادر خارجية من شركتَين تركيتَين منذ العام 2012.

لكن رغم توسّع الاستثمارات التركية في باكستان، بقيت التجارة الثنائية بين البلدين جامدة خلال العقد الأخير، وقد بلغت ذروتها في العام 2011 حيث وصلت قيمتها إلى 1.1 مليار دولار وفق قاعدة بيانات إحصاءات التجارة الدولية للأمم المتحدة، ويتعلق السبب جزئياً بالسياسة الحمائية التي تطبّقها أنقرة. تباطأت المحادثات المرتبطة بعقد اتفاق تجارة حرّة أيضاً.

في أواخر السنة الماضية، قال وزير النقل التركي إن خط سكك الحديد الذي يربط بين إيران وباكستان وتركيا قد يصبح قيد التشغيل في العام 2021. لكن لا بد من معالجة السياسات التي تكبح التجارة وإصلاح شبكة سكك الحديد الرديئة في باكستان كي لا تبقى طموحات البلدَين بتعزيز الترابط الاقتصادي بينهما مجرد كلام عابر.

عقدت باكستان وتركيا شراكة استراتيجية سريعة في السنوات الأخيرة في ظل نظام عالمي مرن جداً. يتقاسم البلدان عناصر أساسية من القوة الوطنية (جيش قوي، موقع استراتيجي، عدد سكاني كبير) لتعزيز التعاون الدفاعي والديبلوماسي والتكنولوجي خلال السنوات المقبلة.

لكن تبرز نقاط ضعف مشتركة بين البلدين أيضاً: يُعتبر وضعهما الاقتصادي في أسوأ حالاته منذ عشرين سنة ويتكل البلدان على استيراد الطاقة. تبقى نقاط الضعف الاقتصادية البنيوية أكثر عمقاً بكثير في باكستان تحديداً، أبرزها وضع التنمية البشرية المريع.

كي تنجح باكستان وتركيا في اكتساب الاستقلالية الاستراتيجية المنشودة وتحويل شراكتهما الثنائية إلى مكاسب جيوستراتيجية ملموسة، سيكون النمو الاقتصادي المستدام عاملاً محورياً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.