نيكولاس بيرنز

جورج شولتز...حين يصبح الديبلوماسي "بستانياً"!

23 شباط 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

في تموز 1988، بدأ جورج شولتز جولة تمتد على ثلاثة أسابيع وتشمل ثماني دول من آسيا في آخر سنة له كوزير للخارجية الأميركية. لم تكن تلك الرحلة تتعلق بأي أزمة أو أهداف ديبلوماسية عاجلة. بل كان الاتحاد السوفياتي يشهد تراجعاً واضحاً، وانشغلت الصين بالتركيز على شؤونها الداخلية، وكانت مكانة الولايات المتحدة قوية على الساحة العالمية. مع ذلك، كان شولتز ملتزماً لأقصى الدرجات بما سمّاه "تطوير الحديقة الديبلوماسية". ارتكزت الاستعارة التي استعملها شولتز حول "البستنة" على قناعة أساسية وبسيطة: حتى القوى العظمى مضطرة للتوجه إلى العواصم البعيدة كي تثبت اهتمامها بها واحترامها لها، وتتعرف على قادتها، وتبني الثقة معها، فتتمكن بذلك من الاتكال على شبكة من الأصدقاء والحلفاء حين تحتاج إلى المساعدة في زمن الأزمات. لقد اتضحت تكاليف إهمال هذه المقاربة في مناسبات عدة خلال العقود اللاحقة.

حين توفي شولتز في كاليفورنيا عن عمر مئة سنة في وقتٍ سابق من هذا الشهر، ترك وراءه سجلاً لم يحققه عدد كبير من الأميركيين في التاريخ الحديث في مجال الخدمة العامة. بالنسبة إلى جيل كامل من الديبلوماسيين، يُعتبر شولتز رمزاً للقيادة الأميركية التي استعملت نفوذها بكل ثقة وإتقان وفاعلية وبدرجة لا يمكن رصدها في السنوات الأخيرة.

يمكن اعتبار نطاق المساهمات التي قدّمها شولتز للولايات المتحدة استثنائياً وفق جميع المعايير. فقد كان محارباً قديماً في سلاح مشاة البحرية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم عاد إلى دياره من المحيط الهادئ ونال شهادة دكتوراه في الاقتصاد من "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا"، ثم أصبح عضواً في "مجلس المستشارين الاقتصاديين" في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور قبل أن ينتقل إلى جامعة شيكاغو حيث عمل كأستاذ وأصبح في نهاية المطاف عميد كلية إدارة الأعمال. ثم أعاده الرئيس نيكسون إلى واشنطن كي يصبح في المرحلة اللاحقة واحداً من شخصَين فقط استلما أربعة مناصب حكومية في تاريخ الولايات المتحدة. الشخص الثاني هو إيليوت ريتشاردسون.

حاول شولتز، حين كان وزير العمل، أن يخلق فرصاً متزايدة للشركات التي يملكها السود في قطاع البناء. وعندما أصبح أول مدير لمكتب الإدارة والميزانية، نجح في نشر درجة من الزخم الفكري والوعي العملي في منصبٍ لا يحصد إشادة واسعة رغم أهميته في السلطة التنفيذية. وحين استلم وزارة الخزانة بعد جون كونالي، طبّق خطوة نيكسون التاريخية التي تقضي بالتخلي عن المعيار الذهبي قبل مغادرة الحكومة لإدارة شركة "بكتل" في العام 1974. كانت مسيرة شولتز الحكومية لتبقى غنية حتى لو لم يعد لاحقاً إلى واشنطن.

لكن يبقى تولّيه منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس رونالد ريغان طوال ست سنوات ونصف أكبر إنجاز حققه في الحياة العامة. استلم شولتز هذا المنصب في العام 1982، حين كانت الاضطرابات والانقسامات في أوجها خلال الحرب الباردة، وكان كبير مهندسي الموقف الصدامي الذي اتخذه ريغان تجاه موسكو ومُصمّم التركيبة الدفاعية الأميركية الكبرى التي عجز السوفيات عن مضاهاتها في نهاية المطاف. لكن غداة تعيين ميخائيل غورباتشوف كأمين عام للحزب الشيوعي في العام 1985 وإطلاق سياسات إصلاحية مبنية على الغلاسنوست (سياسة الانفتاح والشفافية في عمل المؤسسات) والبيريسترويكا (إعادة هيكلة النظام السياسي والاقتصادي)، استنتج شولتز قبل ريغان ومعظم المسؤولين الآخرين في واشنطن أن الفرصة باتت سانحة لتغيير العلاقة المضطربة القديمـــة مع الكرملين.

بذل شولتز، الديبلومــــاسي "البستاني"، جهوداً حثيثة لبناء علاقة متماسكة وثقة قوية مع إصلاحي سوفياتي آخر، وهو وزير الخارجية إدوارد شيفرنادزه. خلال قمة "ريكيافيك" في العام 1986، كاد شولتز وريغان يتفقان مع غورباتشوف على إلغاء ترسانتهما النووية. ثم تلاشت هذه الرؤية العابرة والمدهشة بالسرعة التي ظهرت فيها لاحقاً، لكن نجح شولتز وشيفرنادزه في التفاوض حول التخلي عن آلاف الأسلحة النووية بموجب "معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى" في العام 1987، ما أدى إلى تراجع احتمال اندلاع الصراعات إلى أدنى مستوياته في العصر النووي.

ساهمت هذه الجهود في انفراج العلاقات الثنائية بعدما كانت المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي جامدة في السابق. لكن قرر شولتز في الوقت نفسه أن يأخذ على عاتقه مهمة إقناع الكرملين بالسماح للسوفيات اليهود بالهجرة إلى الغرب، ولطالما افتخر بتحقيق هذا الإنجاز البارز على مر حياته. على صعيد آخر، كان شولتز بطل الأسواق الحرة والعمل الحر والأفكار المتنوعة، فشجّع القادة في أنحاء أوروبا الشرقية على تحدّي الحكومات الشيوعية الفاشلة في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وسواهما في ظل تلاشي قوة حلف وارسو.

ثم سلّم شولتز شعلة القيادة في وزارة الخارجية إلى خلفه جيمس أ. بايكر الثالث بحلول العام 1989 وبقي خارج السلطة خلال الأحداث الصادمة في المرحلة اللاحقة، أي سقوط جدار برلين، وتوحيد ألمانيا التي كانت منقسمة لوقتٍ طويل، وانهيار الاتحاد السوفياتي وتفكّكه في 25 كانون الأول 1991. لكن لا تغفل كتب التاريخ عن دوره المحوري في توجيه الحرب الباردة نحو نهاية سلمية. وخلال العقود الثلاثة التي تلت رحيله من وزارة الخارجية، حافظ شولتز على مسيرة مثمرة كواحد من أهم المفكرين الأميركيين في مجال السياسة الخارجية. كان يصل يومياً من مقرّه في "معهد هوفر" في "ستانفورد" إلى مكتبه وهو في أواخر التسعينات من عمره، فيدير الندوات (ويكتب المقالات والكتب) حول جميع المواضيع المطروحة، بدءاً من الاقتصاد العالمي وصولاً إلى العلاقات الأميركية الروسية، ويطلق حملة عامة، بالتعاون مع هنري كيسنجر وسام نون وويليام بيري، لتخيّل عالمٍ يخلو من الأسلحة النووية.





الديبلوماسية أولاً!

كان شولتز يعود دوماً إلى بعض المواضيع المحورية بشأن القوة الأميركية في العالم، وهي مسائل لها أهمية كبرى في الزمن المعاصر حيث يُشكك الكثيرون بقدرة الولايات المتحدة على التمسك بدورها كأقوى دولة في العالم. كذلك، حرص شولتز على الدفاع عن القوة الاقتصادية الأميركية وطرح حججاً قوية ومقنعة حول ضرورة اعتبار الاقتصاد الأساس المحوري للنفوذ الأميركي العالمي، استناداً إلى التجارب السابقة في وزارة الخزانة الأميركية ومكتب الإدارة والميزانية، وبصفته مديراً تنفيذياً لإحدى الشركات وأستاذ اقتصاد. حين أجريتُ مع بوب منوكين وجيم سيبينيوس مقابلة مع شولتز منذ بضع سنوات أثناء العمل على مشروع بحثي، كان يعود في مناسبات متكررة إلى قناعته القائلة إن إقدام ريغان على استرجاع القوة الاقتصادية الأميركية كان عاملاً أساسياً لإنهاء الحرب الباردة. في الوقت نفسه، استنتج شولتز منذ مرحلة مبكرة أهمية عصر المعلومات والعلاقة القائمة بين الابتكار التكنولوجي والقوة الأميركية.

لكن حرص شولتز طوال مسيرته على إعطاء الديبلوماسية دوراً رائداً في السياسة الخارجية الأميركية. فكان بطل الخدمة الخارجية والخدمة المدنية على مر عهده كوزير خارجية، وكان يصغي إلى نصائح المسؤولين وعيّن عدداً كبيراً منهم في مناصب مرموقة، على عكس من جاؤوا بعده في عهد ترامب. كذلك، أنشأ شولتز "معهد الخدمة الخارجية" لتدريب الديبلوماسيين على اللغات، والسياسات العالمية، والدراسات الإقليمية، والإدارة، وحس القيادة.

أكثر ما قد يتذكّره الناس عن شولتز هو رفضه للمرسوم الذي أصدرته إدارة ريغان في العام 1983 لإخضاع المسؤولين في وزارة الخارجية لاختبارات كشف الكذب، على غرار زملائهم في الأوساط الاستخبارية. تكلم شولتز عن هذه المسألة علناً ودافع عن المسؤولين في الوزارة وعن نفسه قائلاً: "سأرحل في اللحظة التي يخبروني فيها بأن هذه الحكومة لا تثق بي". سرعان ما انتصر شولتز في حملته: لم يخضع الديبلوماسيون الأميركيون لاختبارات كشف الكذب، وبقي شولتز في منصبه لست سنوات إضافية.

برأي شولتز، لم تكن الديبلوماسية تقتصر على تحقيق غايات محددة عبر تنظيم القمم وعقد اتفاقيات للحد من التسلح وإبرام صفقات تجارية. خلال أحاديث أجراها في السنوات الأخيرة، كان يتطرق دوماً إلى جوانب شخصية من المواصفات التي تضمن براعة الديبلوماسيين: قيمة الإصغاء التي يتجاهلها الكثيرون، وأهمية العلاقات الشخصية بين القادة، لا سيما الخصوم منهم، وعامل الثقة الذي لا يُقدَّر بثمن.

يسرد الديبلوماسيون قصصاً عدة عن شولتز، أبرزها حرص السفراء الجدد على زيارته قبل الرحيل لاستلام مناصبهم الخارجية. كان مكتب شولتز الفخم يقع في الطابق السابع من وزارة الخارجية ويشمل عالماً شاسعاً جداً. بعدما يقف شولتز إلى جانب السفراء، كان يطلب من كل واحد منهم أن يُحدد البلد الذي سيتوجه إليه. وحين يشير السفراء إلى البيرو أو مالي أو سنغافورة أو أي بلد آخر، كان شولتز يشير بإصبعه إلى الولايات المتحدة لتذكيرهم "ببلدهم الأصلي".

بعد تفكك الولايات المتحدة غداة عهد دونالد ترامب وزيادة اضطراباتها بسبب وباء كورونا والركود الاقتصادي والظلم العنصري وحركات التمرد، من الأفضل أن يتبنى الأميركيون تفاؤل شولتز ورؤيته حول قوة واشنطن وأهدافها. لكن تتطلب هذه الخطوة تجديد الالتزام بنموذج شولتز الديبلوماسي لإقناع العالم الذي يشكك باستعداد واشنطن لقيادة العالم بأن الولايات المتحدة قادرة على النهوض مجدداً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.