كارين كرامير

مشكلة إيران لا تقتصر على الملف النووي

15 آذار 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

فيما يستعد الرئيس جو بايدن لتبنّي سياسة أميركية جديدة تجاه إيران، من الأفضل أن يجعل حقوق الإنسان محور الأجندة الأميركية المرتقبة. في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، عبّرت الولايات المتحدة من وقتٍ لآخر عن قلقها من انتهاكات إيران لحقوق الإنسان، لكن اعتُبِرت هذه المواقف على نطاق واسع مجرّد مناورة سياسية، لذا لم تُحقق النتائج المنشودة. فضّل الديبلوماسيون الأوروبيون من جهتهم التزام الصمت، وقد دفعهم الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني المبرم في العام 2015 إلى التركيز على منع انهيار الاتفاق بالكامل. اليوم، تملك الإدارة الجديدة في واشنطن فرصة لمعالجة وضع حقوق الإنسان المتدهور في إيران، علماً أنه يرتبط بعدد من المجالات الاستراتيجية الشائكة.

تسمح حماية الحقوق المدنية والحريات الأساسية بدعم الحُكم الرشيد الذي يضمن الاستقرار المحلي. لا يمكن محاسبة المسؤولين من دون حرية التعبير وحُكم القانون مثلاً. ومن دون هذا النوع من المحاسبة، سيبقى الاستقرار مُهدداً. لقد أثبت تاريخ إيران الحديث وجود رابط بين سوء الحُكم والاضطرابات المتواصلة. احتجّ الناس في شوارع إيران في تشرين الثاني 2019 رداً على ظلم الجمهورية الإسلامية وسوء إدارتها. سحقت الدولة تلك الاحتجاجات عبر استعمال أعلى درجات العنف، فأطلقت قوى الأمن ذخائر حية ضد حشود المدنيين العزل، ما أسفر عن مقتل واعتقال آلاف الناس خلال أيام.

رحّب بعض صانعي السياسة الأميركية باحتمال زعزعة استقرار إيران. لكن إذا غرقت إيران في الفوضى، ستتفاقم الاضطرابات على الأرجح في أنحاء الشرق الأوسط. ثمة رابط مباشر بين الاستقرار الداخلي والاستقرار الإقليمي: في أنحاء المنطقة، دعمت الدول الضعيفة والفاشلة ظهور جهات فرعية مدمّرة وحركات متطرفة عابرة للحدود وصراعات بين الدول. قد تؤدي الاضطرابات المحلية المتواصلة في إيران إذاً إلى انقسامات عرقية ودينية وإيديولوجية وصراعات داخلية عنيفة قد تُمهّد لاندلاع حروب بالوكالة بين الخصوم الإقليميين وتؤجج الصراع بين الدول الكبرى في المنطقة. كذلك، ستتفاقم جميع الصراعات المجاورة التي تورطت فيها إيران، لا سيما تلك القائمة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، لأن جميع الأطراف المعنية ستصبح أكثر ميلاً إلى الاستفادة من الفوضى.

لا مفر من أن تطرح الصراعات الإقليمية الناشئة مخاطر كبرى على بعض المصالح الأمنية. من المتوقع أن يتسارع انتشار الأسلحة ويتدفق اللاجئون عبر الحدود، ما يزيد الاضطرابات المرتقبة في الشرق الأوسط وفي أوروبا أيضاً. كذلك، قد يتجدد التطرف الذي أجّج الإرهاب الدولي سابقاً، وقد تضطرب أسواق النفط تزامناً مع انكماش اقتصادات العالم بسبب تفشي فيروس كورونا.

بكل بساطة، لا يمكن الفصل بين السلام والأمن محلياً وإقليمياً، إذ يرتبط هذان العاملان بحملات الدفاع عن حقوق الإنسان. في النهاية، تُعتبر أهم الحريات المدنية والسياسية انعكاساً لحُكم القانون، ما يعني أنها تشكّل ركيزة أساسية للحُكم المحلي السليم والتعاون الدولي الفعال.

أصوات المعارضة مؤثرة!

قد لا يكون القلم أقوى من السيف في جميع الحالات، لكن يثبت تاريخ الحرب الباردة أن المعارضين لهم أهمية كبرى. هم يتخذون مواقف مؤثرة قد تنعكس على شرعية الدولة. تكون أصوات هذه الشخصيات مسموعة في مجتمعاتها، ولهذا السبب تحديداً تعمد الحكومات القمعية إلى احتجاز المعارضين ويخاف منهم الحكام المستبدون. تتعدد الشخصيات التي كانت مؤثرة في انتقاداتها لهياكل الدولة داخل بلدانها، منها أندريه ساخاروف في الاتحاد السوفياتي السابق، وفاتسلاف هافيل في تشيكوسلوفاكيا السابقة، ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا. كلما ارتفعت أصوات المعارضين، ستتلاشى شرعية الحكومات التي تقمعهم.

في إيران أيضاً، يتمتع المحامون والناشطون المعتقلون بنفوذ قوي، منهم محامية الدفاع نسرين ستوده والناشطة نرجس محمدي التي أُطلِق سراحها حديثاً. لم يكن الاعتقال كافياً لإسكات هؤلاء الناشطين، بل إن رسائلهم من السجن انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي في إيران. انضم عشرات الناشطين الأقل شعبية إلى جوقة المطالبين باحترام الحريات المدنية والسياسية. نتيجةً لذلك، سيكون دعم الناشطين والحقوق التي يدافعون عنها من خلال تضخيم أصواتهم، والتعاون مع الحلفاء لمعالجة قضاياهم بطرق مشتركة، والاعتراض على محاكمتهم في جميع المنتديات، جزءاً من الضرورات الأخلاقية والاستراتيجية في آن.

على نطاق أوسع، يصبّ توسيع مساحة الحرية في إيران في مصلحة الولايات المتحدة عبر تقليص الصراعات الإقليمية المحتملة. من المعروف أن الدول التي تحمل سجلاً قوياً في مجال حقوق الإنسان تكون أقل ميلاً إلى التورط في أي اعتداءات ضد الدول المجاورة لها. يصعب أن تفرض الدولة تكاليف الحرب على الرأي العام المثقف، ويستطيع المواطنون الذين يتمتعون بكامل حرياتهم المدنية أن يعبّروا عن معارضتهم للعمليات العدائية. في الوقت الراهن، ينشر الإيرانيون تعليقات مريرة على مواقع التواصل الاجتماعي ولا يكتفون بالتعليق على انتهاكات حقوق الإنسان، بل يتطرقون أيضاً إلى تحركات حكومتهم في سوريا والتكاليف التي تتكبدها في لبنان. لكن ستزيد قوة التعليقات والضغوط على الحكومة حتماً إذا توسّعت حرية التعبير عن الآراء السياسية.

المعسكر الوسطي في إيران

قد يكون احترام حقوق الإنسان أول خطوة باتجاه تنفيذ إصلاح سياسي حقيقي في إيران. لقد أثبت المعسكر الوسطي المعتدل، الذي يدعم التواصل مع الغرب والتفاوض حول الملف النووي وتقليص البصمة الإقليمية للجمهورية الإسلامية، هيمنته العددية في معظم الانتخابات المحلية، الرئاسية منها والبرلمانية. لكن عجز هذا المعسكر المعتدل عن تغيير توجّه السياسة الإيرانية. تبقى السلطة في الجمهورية الإسلامية بيد المرشد الأعلى وأعوانه الدينيين والجهاز الأمني الذي ينقل له جميع التطورات. كذلك، أثبت المسؤولون المُنتَخبون في إيران عجزهم عن تنفيذ أيٍّ من الإصلاحات التي وعدوا بها، وقد خسر "الإصلاحيون" المزعومون مصداقيتهم كقادة للتغيير الإيجابي.

مع ذلك، لا يزال التغيير ممكناً في إيران شرط أن يتزامن مع احترام حقوق الإنسان. إذا أراد البلد أن يثبت احترامه للحريات السياسية والمدنية الأساسية، مثل الحق في المعارضة السلمية والتواصل مع الآخرين بكل حرية وتأسيس أحزاب سياسية حقيقية، قد تنشأ مساحة سياسية للمرشّحين المستقلين الجدد للمطالبة بتطبيق الإصلاحات وتغيير بنية السياسة الإيرانية سلمياً. قد يتطلب هذا التحوّل سنوات عدة، لكنه سيُمهّد في نهاية المطاف لتقوية المواطنين المعتدلين الذين يتجنبون العنف والتطرف منذ وقت طويل.

يجب أن تتعرّض الحكومة الإيرانية لضغوط متواصلة كي تضطر لاحترام حقوق الإنسان. لقد أثبتت السلطات في إيران أنها تتأثر بالرأي العام، محلياً ودولياً، لا سيما إذا اتفق الفريقان على التوجه نفسه. خلال أكثر من عشر سنوات، طالب المجتمع المدني الإيراني ومنظمات حقوق الإنسان الدولية بإصلاح سياسات عقوبة الإعدام في إيران، ما أدى إلى تغيير بارز دفع السلطات إلى الامتناع عن تنفيذ أحكام الإعدام في قضايا المخدرات الصغيرة. كذلك، تثبت محاولات توجيه الخطاب العام عبر فرض رقابة على الإنترنت، والسيطرة على وسائل الإعلام، وبث "اعترافات" قسرية من المعتقلين، وترهيب عائلات الصحافيين والمعارضين لإجبارهم على التزام الصمت، أن الحكومة تهتم بالرأي العام. كلما زادت قدرة الإيرانيين على تلقي المعلومات وتقاسم آرائهم، ستصبح انتهاكات الحقوق وحملات القمع السياسية أعلى كلفة على الحكومة.

سياسة خارجية مبنية على حقوق الإنسان

تبقى قدرة اللاعبين الخارجيين على تغيير سياسات حقوق الإنسان في إيران محدودة، وستكون الجهود الرامية إلى إحداث تغيير مماثل عملية شاقة وطويلة الأمد وقد لا تُحقق نتائج بارزة على المدى القصير. لكن يمكن رصد أمثلة على رضوخ الحكومات الوحشية والقمعية للمطالب الدولية باحترام الحقوق والحريات ومحاسبة المرتكبين في جميع قارات العالم. لن تكون السياسة الإيرانية التي تتوصل إلى هذه النتيجة الإيجابية مستحيلة، لكنها تفرض على الولايات المتحدة إعادة النظــر بجزء من أولوياتها.

من المنطقي أن تستعمل أي سياسة خارجية أميركية تعطي الأولوية لحقوق الإنسان السجل الإيراني خلال تبادلاتها الثنائية مع الدول الأخرى، فلا تكون هذه المسألة هامشية بل محورية لإثبات اهتمام الأميركيين بهذا الملف لدرجة أن تسعى واشنطن إلى إطلاق تحرك دولي مُنسّق لمعالجته. تستطيع الولايات المتحدة أن تلجأ إلى المنتديات متعددة الأطراف لفرض رقابة دولية على انتهاكات حقوق الإنسان في الجمهورية الإسلامية. ومن خلال الربط بين التقدم في مجال حقوق الإنسان ورغبات السلطات الإيرانية (مثل الاستفادة من التجارة والاستثمارات والتبادلات العلمية)، تستطيع الولايات المتحدة أن تفرض تكاليف باهظة إذا استمرت الانتهاكات.

حين تدرك واشنطن أهمية حقوق الإنسان في سياستها تجاه إيران، ستضطر لاستشارة منظمات حقوق الإنسان بشكلٍ متكرر، ما يضمن أن ترتكز سياستها على معلومات دقيقة ومستقلة وغير حزبية حول وضع حقوق الإنسان في إيران والحاجات المحورية للمجتمع المدني الإيراني. في غضون ذلك، ستتحول مسألة حقوق الإنسان إلى عامل أساسي من السياسة الأميركية تجاه المنطقة عموماً، ما يثبت أن هذه الحقوق ليست أداة سياسية بل جزء أساسي من الأولويات الأميركية.

لطالما كانت المفاوضات بشأن الاتفاق النووي الإيراني تقتصر على الملف النووي، ويجب ألا يصبح التقدم في مجال منع الانتشار النووي رهينة ملفات أخرى. لكن لا يعني ذلك إهمال مسائل جوهرية مختلفة، بما في ذلك حقوق الإنسان، تزامناً مع متابعة المفاوضات النووية. في نهاية المطاف، لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار والتقدم السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط المضطرب من دون طرح مقاربة أمنية شاملة تعطي الأهمية نفسها لحقوق الإنسان ومسائل استراتيجية أخرى.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.