Light of My Life... انعكاس لأهمية دور المرأة!

في أول مشهد طويل من Light of My Life (نور حياتي)، أول تجربة إخراجية لكيسي أفليك (السيناريو من كتابته أيضاً)، يتمدّد أب (أفليك) وابنته (آنا بنيوسكي) في خيمة ليلاً، حيث يخبرها قصة قبل النوم. ابنته الملقّبة بـ"راغ" على وشك دخول مرحلة المراهقة، لكنها لا تزال صغيرة بما يكفي كي تستمتع بسماع القصص. يختلق لها والدها قصة ويجعلها تضحك ويضيف تفاصيل جانبية ودّية ومألوفة. لكن أهم عامل في هذا المشهد يتعلق بفحوى القصة التي يرويها وطريقة سردها. يقول في البداية إنه سيروي قصة أنثى ثعلب "قوية" تخوض مع شريكها مغامرة جانبية وهما على متن سفينة نوح. لكن مع تقدم مسار القصة، بأسلوب حذر وتدريجي، تطغى خِدَع الثعلب الذكر على الأحداث. فتلاحظ "راغ" هذا المنحى وتُذكّره قائلة: "قلتَ إن القصة تتمحور حول فتاة. لماذا تصرّ على التكلم عن الذكر إذاً؟"

المشهد سلس بمعنى الكلمة، وأخذ أفليك الوقت اللازم للكشف عن الهدف منه بالشكل المناسب. ينسى الرجال قصص النساء دوماً! حتى أنهم لا يدركون ما يفعلونه في نصف المرات. وحتى لو ركّزوا على المرأة، يبقون خارج القصة ويصرّون على مقاربة المواضيع من منظورهم الخاص. إنه انتقاد لاذع جداً! خلال هذا المشهد نفسه، نشاهد لمحة أوسع عن عالمهما. تسأله "راغ": "هل أنا الفتاة الوحيدة من بنات جنسي؟". لم يكن الأب وابنته يمضيان رحلة تخييم عادية في عطلة نهاية الأسبوع!

تدور أحداث الفيلم بعد دمار العالم: قضى وباء على جميع نساء الكوكب، بما في ذلك زوجة الأب الذي يبقى اسمه مجهولاً ووالدة "راغ" (إليزابيث موس، تظهر في مشاهد الذكريات). يختبئ الأب وابنته الآن في الغابة، ويعجّ العالم بالرجال دون سواهم، لذا يبقى وجود "راغ" مُهدداً. شَعْر "راغ" قصير جداً وتضع قبعة طوال الوقت وترتدي بدلة رياضية فضفاضة. لم يبدأ جسمها بالنمو بعد، لذا تبدو أقرب إلى صبي صغير غير مرتّب. يُذكّرنا الفيلم بقصص درامية حديثة أخرى عن صمود الأهل وأولادهم. يتدرّب الأب وابنته على تنفيذ التعليمات اللازمة تحسباً لأي موقف خطير.

على مر لقطات طويلة، لا نشاهد سواهما. يجيد المصور السينمائي آدم أركابو نقل الأجواء الدرامية وسط الطبيعة، لكنه يعكس في الوقت نفسه فراغها ويستعرض الحقول بأسلوب مرعب. وتبدو درجات الألوان مدروسة فتتراوح بين الرمادي والأبيض الشاحب والبنّي. تعكس الأشجار والجسور والممرات جواً من التهديد المتناقض مع جمال المنظر. أما موسيقى دانيال هارت، فتحمل نفحات حزينة وخطيرة في آن.

لا يستعمل أفليك إيقاعاً سريعاً، حتى أنه بطيء أكثر من اللزوم أحياناً. وفي ظل الجو الهادئ، يبدو ظهور بشر آخرين بشكلٍ مفاجئ مرعباً الى أقصى حد: يقترب رجال من المنزل حيث يجثو الأب وابنته، فيظهرون على شكل ظلال مبهمة ومتحركة عبر النافذة. من وقتٍ الى آخر، يقصد بطلا القصة البلدة المجاورة لشراء الإمدادات من "مستوصفات فيدرالية". ينظر الرجال إلى "راغ" مرة، ثم ينظرون مجدداً، وسرعان ما تصبح نظراتهم ثاقبة.

كانت "راغ" طفلة حين انتشر الوباء القاتل، لذا لا تعرف إلا هذه الحياة. تسأل والدها عما حصل، فيشرح لها أن العالم "غير متوازن". ثم تسأل: "متى سيصبح متوازناً؟" فيجيب: "عندما تزيد أعداد النساء!" نظراً إلى الاتهامات الموجّهة ضد أفليك حول سلوكه خلال تصوير I'm Still Here (ما زلتُ هنا)، يمكن اعتبار تركيزه على أب مصمِّم على حماية ابنته من الرجال محاولة لتغيير تلك الصورة أو طرح نفسه "بطلاً بنظر النساء". يقول أفليك إنه كتب السيناريو قبل تلك الاتهامات، لكن لا أحد يعرف مدى صحة ادعائه. يكتب الناس القصص لأسباب مختلفة، حتى أن بعضها لا يكون واضحاً بنظرهم أحياناً. بغض النظر عن السبب في هذه الحالة، من الواضح أن أفليك يعبّر في هذا السيناريو عن رأيه بما فعله الرجال في العالم ويفسّر هويتهم الحقيقية (بما في ذلك هويته هو شخصياً) وكيف يتجلى "غضبهم" و"وحدتهم"، كما يقول الأب في الفيلم، بطرقٍ وحشية. نتيجةً لذلك، تتحمل الفتيات العواقب دوماً.

لطالما استخف الجميع بأسلوب أفليك التمثيلي لدرجة أن أحداً لا يلاحظه. هو ينحرف عن الدور الأساسي قليلاً ويتجاوز الحوار ولا يعبّر عن الكلمات بسهولة. هذا الأسلوب يناسبه جيداً في هذه القصة. في مشهد آخر، يدرك الأب ضرورة أن يُحضّر "راغ" لبدء سن البلوغ. لم يفكر بالموضوع مسبقاً، مع أنه سرق بعض الكتب عن كيفية تربية ابنة سليمة من مكتبة مهجورة. ثم يخوض محادثة غريبة جداً عن "الطيور والنحل" وسرعان ما يتبين أنه حوار مفيد. تُذكّرنا آنا بنيوسكي بمجموعة مدهشة من فتيات صغيرات مسترجلات سطع نجمهنّ في السبعينات. توحي بنيوسكي بشخصية صارمة ومرنة في آن، فتنظر إلى والدها بثقة، لكن نظراتها في الوقت نفسه باردة وفضولية. هي طفلة ومحاربة سئمت من العالم ويبدو التفاعل بين الممثلَين على الشاشة سلساً ومألوفاً.

تقع المشاهد الأخيرة في مساحة ناصعة مغطاة بالثلج ووسط أجواء مشوقة ومرعبة. تظهر مبررات مختلف الأحداث في مرحلة مبكرة وتكثر الأفكار المألوفة لأن أفليك بالغ في إبطاء إيقاع العمل. مع ذلك، يبقى حرص الأب على حماية ابنته مؤثراً. لكن في المشاهد الأخيرة، ندرك أن الأب (وأفليك نفسه ككاتب ومخرج) تعلّم الدرس جيداً غداة سؤال "راغ" في المشهد الأول. في النهاية لا يطرح الفيلم قصة ثعلب ذكر، بل هي قصة أنثى الثعلب منذ البداية!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.