جورج فريدمان

Facebook القاتل

31 تموز 2021

المصدر: GPF - Geopolitical Futures

02 : 00

ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي على شكل ظاهرة غريبة مشتقة من ظاهرة غريبة أخرى: الإنترنت. ثم تحولت إلى قوة عالمية بارزة وقادرة على توجيه الرأي العام، حتى أنها أصبحت أداة تستعملها الحكومات الوطنية لرسم العلاقات بينها وداخل الدول. كذلك، أصبحت شركات التواصل الاجتماعي قوة اقتصادية ضخمة كونها تُحدد طريقة عمل الأنظمة الاقتصادية. بدأت هذه العملية منذ سنوات وقد بلغت اليوم مرحلة تسمح للرؤساء بمواجهة شركات التواصل الاجتماعي باعتبارها عدوّة لهم وأكثر قوة منهم. هذا الوضع ليس مستجداً، لكنه بات يطرح إشكالية غير مسبوقة الآن.

سُئِل الرئيس الأميركي جو بايدن عن حملة التضليل المرتبطة بفيروس كورونا على مواقع التواصل الاجتماعي، فقال إن فيسبوك يقتل الأميركيين. إنها تهمة خطيرة حين تصدر عن رئيس دولة، وهي تثبت على الأقل نظريتي القائلة إن المناصب الرئاسية والخطابات العامة تتخذ منحىً غريباً في نهاية كل دورة اجتماعية واقتصادية. تنجم هذه التهمة في الأصل عن نشر مزاعم مضادة للقاحات على فيسبوك، ويسمح هذا الموقع ببقاء تلك المنشورات. هذه الحملات تقنع القراء بعدم تلقي اللقاحات، ثم يموت هؤلاء الأشخاص بسبب فيروس "كوفيد - 19" لاحقاً.

لا شيء يثبت أن عدداً من مستخدمي فيسبوك كان يستعد لتلقي اللقاح ثم غيّر رأيه بعد قراءة منشورات وأخبار مثيرة للجدل. في هذه المرحلة من التاريخ الأميركي، تبدو الآراء المتعلقة باللقاح شبه ثابتة. قد يميل البعض إلى الاقتناع بما يقرأه، لكن تتراجع أعداد اليساريين في هذا المعسكر. كما يحصل في جميع المسائل، تحوّل هذا الموضوع إلى صراع بين اليمين واليسار، إذ يميل اليساريون إلى تلقي اللقاح فيما يمتنع عدد كبير من اليمينيين الغاضبين عن أخذه. إنها مواجهة بين الفضيلة والغضب. تُعتبر الفكرة المتعلقة بظهور مشاكل مستقبلية كثيرة بسبب اللقاح هرطقة بحد ذاتها. وتُقابَل الفرضية المتعلقة بقدرة فيروس كورونا على قتل الناس بتأكيدات مفادها أن البيانات المستعملة مزورة. أنا شخصياً تلقيتُ اللقاح مع أنني لم أستبعد بعد احتمال أن يزرعوا رقائق دقيقة في دماغي. باختصار ثمة انقسام عميق حول هذا الموضوع، ويملك الطرفان حقاً دستورياً بالدفاع عن رأيهما.

لكن هل يحق لهؤلاء الأشخاص أن ينشروا أفكارهم على فيسبوك، بعيداً عن الفكرة الخلافية الغريبة التي تعتبر المعسكر المعارض للقاحات قاتلاً أو تعطي صفة القاتل إلى موقع فيسبوك لمجرّد أنه ينشر هذه الأفكار. يتأثر الوضع كله بطبيعة فيسبوك. لطالما ادعى هذا الموقع أنه ليس ناشراً للمقالات بل مجرّد منصة لنشرها. لو كان هذا الادعاء صحيحاً، يستطيع فيسبوك أن يعلن أنه ينشر بكل بساطة مقالات خاصة بطرفَي أي خلاف. لكن رفض فيسبوك في الماضي نشر بعض المقالات باعتبارها مليئة بأكاذيب واضحة. بما أن فيسبوك طرح نفسه كوصي على الحقيقة، من الطبيعي أن تزيد ضغوط الرئيس عليه. وبما أن الحجج المستعملة لرفض اللقاحات كاذبة، يظن بايدن أن فيسبوك يجب ألا ينشر أي مقالات عن هذا الموضوع. لكن تكمن المشكلة الحقيقية في اعتبار كذبة أحد الأشخاص حقيقة راسخة بالنسبة إلى شخص آخر، حتى لو كان ذلك الشخص رئيس البلاد. لقد تورط فيسبوك في شبكة متداخلة من المشاكل حين بدأ يصدر الأحكام على الحقائق والأكاذيب. أنا شخصياً لستُ مؤهلاً لإعطاء رأيي، وينطبق ذلك على مارك زوكربيرغ أيضاً. في مجال الطب، قد تصبح الحقائق المعلنة اليوم مجرّد سخافة غداً. إنها أمور طبيعية.

تتعلق مشكلة فيسبوك الحقيقية برغبته في استلام مهام رئاسة التحرير من وقتٍ لآخر. يختار رئيس التحرير المقالات في العادة ويراجعها للتأكد من تماسك المواد ومصداقيتها. نظرياً، تخضع الصحف لإدارة محررين تدربوا واكتسبوا الخبرة في مجال المطالبة بالحقيقة والتمثيل الحيادي. لكن يبدو فيسبوك متعنتاً في آرائه لدرجة ألا يصبح ناشراً بل مجرّد خدمة استهلاكية، ما يعني أنه لا يسيطر على المنشورات بشكلٍ متماسك. هو يفرض سيطرته بقدر ما تسمح له قوى خارجية، مثل الحكومة أو أصدقاء زوكربيرغ، ولا يمنع بعض الآراء انطلاقاً من مبادئ التحرير بل بناءً على اعتبارات مهنية بهدف زيادة عدد عملائه ومستوى عائداته.



تدفق ثابت لمستخدمي فيسبوك الجدد ملايين المستخدمين الناشطينلكن


أصبحت مواقع فيسبوك وتويتر ومنصات أخرى للتواصل الاجتماعي خدمة بحد ذاتها. على غرار الهواتف والكهرباء، تحولت هذه المنصات إلى حاجة عالمية ووسيلة أولية للتواصل ونشر الأفكار. لقد تحقق هذا الهدف عبر محاكاة التلفزيون والراديو. تقدّم هذه المواقع البرامج مجاناً وتكسب جمهوراً واسعاً. وبعد جمع هذا الجمهور، تعود وتبيع للمعلنين حق الولوج إليها طالما يستطيع هؤلاء دفع الرسوم الأساسية لاكتساب هذا الامتياز. اعتبر عالم التلفزيون والراديو الترفيه وسيلة لكسب جمهورٍ يمكن بيعه للمعلنين. كانت الإعلانات محور العمل إذاً. بقي التلفزيون مقيّداً على مستوى واحد: بموجب النظريات والقوانين القائلة إن الشبكات تبث موادها عبر أدوات عامة، فرضت الحكومة الفدرالية بعض القواعد المرتبطة بتقديم مواد لائقة وبث نشرات الأخبار.

ذهب فيسبوك أبعد من ذلك، فهو تولى تقديم جمهور جاهز إلى المعلنين، لكن بدل شراء وسائل ترفيهية مكلفة، شجّع الجمهور على تقديم المواد الترفيهية بنفسه. هكذا أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة يجتمع فيها الناس لقراءة أفكار العالم. هم يستطيعون كتابة رسالة إلكترونية أو نصية إذا أرادوا التكلم مع أهاليهم. لكن إذا أرادوا التواصل مع العالم، قد يميلون إلى نشر أفكارهم بطريقة تضمن جذب أكبر عدد من القراء. لقد حصل تحوّل مبهر من الاضطرار لدفع المال مقابل الترفيه إلى السماح للمستخدمين بتأمين المواد الترفيهية. نتيجةً لذلك، جمعت مواقع التواصل الاجتماعي جميع الأموال ولم تتقاسمها مع هوليوود.

لكن يعجّ العالم ككل بعدد كبير من المرضى النفسيين، وتكون قراءة منشوراتهم مثيرة للاهتمام أكثر من قراءة أفكار المستخدمين المملين. ينجح هؤلاء الأشخاص غير المتزنين في جذب أكبر عدد من الجمهور. ثم تشتري هذه الجماهير المنتجات التي تسمح لها بكسب الملايين خلال ثلاثة أشهر. لا يهتم فيسبوك بالمواد التي يروّج لها طالما لا تكون مخالِفة للقانون بطريقة واضحة. لا يشرف أي محرر على المواد المعروضة، لذا لا تكون الكتابات بالضرورة عميقة أو متماسكة أو حتى منطقية. بل تجذب تلك الكتابات عدداً كافياً من المشاهدين وتبيع إعلانات كافية لجمع ثروة حقيقية. بدأ الكون يدور حول مواقع التواصل الاجتماعي إذاً لأن هذه المنصات أصبحت ضرورية لمتابعة التواصل.

لكن شكّلت مواقع التواصل الاجتماعي منفذاً حراً للأفكار التي تجذب هذا النوع من الجماهير، فيما اعتبرها المحررون الصحفيون أدوات خبيثة أو غير مسؤولة. فجأةً، تمكنت هذه الأطراف وجماعات هامشية أخرى من اختراق العالم: راح الجمهور يتوسع والأموال تتدفق كلما زادت غرابة الأفكار المطروحة. لكن حصل تغيير معيّن. تستطيع الأطراف الهامشية في المجتمع اليوم أن تصل إلى جمهور واسع، وقد انتقلت أفكارها من الهامش إلى محور التركيز. عملياً، ما من مركز واحد للأفكار بل ثمة مراكز عدة، وقد بدأ الكثيرون في هذه الأوساط يصدقون الأفكار الغريبة وغير الطبيعية إلى أن راح النظام الاجتماعي يتبنى تلك الأفكار أو يستبعدها وبدأت الجهات الهامشية تفرض هيمنتها.

يعترف مؤسسو هذه الخدمة بوجود أعداد هائلة من الأغبياء في العالم ويعتبرون حُكم الأغلبية مبدأً يستحق الاحترام لكن لا يطبّقه أحد. تنشأ مؤسسات مثل المجمع الانتخابي، فضلاً عن الإجراءات التي تجعل السياسة معقدة ومملة، لمنع الأغبياء من الوصول إلى الحُكم. ويجني فيسبوك وجهات مماثلة أخرى الأموال عبر الترحيب بجميع القادمين، لكن ترحّب هذه المنصات تحديداً بالأغبياء القادرين على الكتابة وجذب أعداد هائلة من الأغبياء الآخرين الذين يسهل إقناعهم بشراء منتجات غير نافعة ويسهل أن يصدقوا الأفكار الجنونية المطروحة أمامهم.

لا تهدف الضغوط المتزايدة اليوم إلى إلغاء مواقع التواصل الاجتماعي بل استبعاد الأطراف التي تعتبرها الشخصيات النافذة غبية. ستَصدُر قوانين لمنع الأفكار الغبية في الوقت المناسب. لكن تكمن المشكلة في ميل الحكومة التي تعتبر الحركة المعادية للقاحات فكرة سيئة إلى اتخاذ قرارات أخرى حول تصنيف الأفكار الإيجابية والحمقاء. إنه آخر ما يريده مؤسسو هذه الخدمة. لقد أراد هؤلاء أن يسيطر المجتمع، لا الحكومة، على غريبي الأطوار. يجب ألا تُصدِر الدول التصنيفات التي ترصد الأفكار المريعة والقادرة على التحول إلى قوة مؤثرة.

قد يظن بايدن أن المعسكر المعادي للقاحات مخطئ، ومع ذلك يجب ألا يسعى إلى إسكاته. في غضون ذلك، بدأ الوضع يخرج عن السيطرة. سواء تعلّق الهدف الأساسي بالحملات الدعائية أو بغايات أخرى، لا مفر من أن يجتمع اللامعون والمجانين على هذه الشبكة. فيسبوك موقع ديمقراطي أكثر من اللزوم بكل بساطة، وأنا شخصياً لا أحبذ الديمقراطية الصريحة على غرار مؤسسيه. هذه هي المعركة الحقيقية التي يخوضها زوكربيرغ. قد يعود هذا الأخير إلى جامعة "هارفارد" إذاً لحضور حصص التاريخ التي فوّتها سابقاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.