جوزاف القصيفي

لتحديد المسؤوليات من دون مواربة

4 آب 2021

02 : 00

سكون ما بعد الجريمة

كان يوم الرابع من آب 2020، اليوم الأشد كارثية في تاريخ لبنان الحديث، بوقعه الزلزالي غير المسبوق، وقوة عصفه التي طاولت الانسان اللبناني لا في حياته، وممتلكاته، بل في صميم كرامته كإنسان، ومواطن، شعر انه في دولة بلا خيمة، ولا جدار، تداعت سياسياً بفعل الإهمال، ونوم نواطيرها عن الثعالب التي عاثت فيها.

ساوى الانفجار- بل التفجير- بين اللبنانيين جميعاً، لم يستثنِ أحداً من فئات المجتمع، وفي مقدمهم عشرات الصحافيين الذين أُصيبوا بجروح تراوحت بين البليغة والمتوسطة والطفيفة، وتهدمت منازل الكثيرين منهم بصورة شبه كلية او جزئياً. كما لحق الدمار بعشرات الدور الاعلامية العائدة لصحف يومية، ومحطات تلفزة واذاعة، ومواقع الكترونية، ومكاتب اعلامية لمؤسسات دولية وعربية.

وفي الليلة ذاتها استعلمت عن الزملاء - جميع الزملاء من دون استثناء- الذين اصيبوا ونقلوا إلى المستشفيات، أو الذين تمت معالجتهم فورياً وتوجهوا إلى منازلهم، فزرتهم او اتصلت بهم، وحمدت الله أن لم يسقط من بينهم اي شهيد، أو مصاب باعاقة.

وفي اليوم التالي للتفجير المروع عقد مجلس نقابة محرري الصحافة اللبنانية اجتماعاً بمقر النقابة في الحازمية، أعرب فيه عن غضبه وألمه لهذه الفاجعة التي حلت بلبنان، واصدر بياناً شديد اللهجة مطالباً بالتحقيق الفوري في أسباب الانفجار وتحديد المسؤوليات بدون مواربة او تجهيل للفاعل، على أن يكون تحقيقاً شفافاً، وأن ينال كل من قام او تسبب به مباشرة او غير مباشرة القصاص الرادع ليكون عبرة لمن اعتبر وأن يتحمل الجميع مسؤولياتهم حيال هذه الجريمة التي لا تفي المعاجم بكل ما تحوي من مفردات في وصف هولها.

بعد ذلك أعلن مجلس النقابة عن استعداده للإسهام في التعويض على الصحافيين والاعلاميين الذين تضررت منازلهم وسياراتهم ضمن الحدود التي تسمح بها امكانات النقابة، وشكل لجنة لهذا الغرض تولت استقبال طلبات المتضررين من زميلات وزملاء، لدرسها والبت بها استناداً إلى المعايير التي حددتها. وقد أنجزت المهمة وجرى التعويض على اساسها وفق هذه المعايير، وذلك على الرغم من الصعوبات المالية واللوجستية.

وعلى صعيد متصل، فإن النقابة دعت في غير بيان موثق، وتصريحات عدة للنقيب، ومداخلات لاعضاء مجلس النقابة، سواء في برامج اخبارية، أو ندوات عامة، إلى الإسراع في التحقيقات وعدم استثناء احد من المشتبه بضلوعهم في الانفجار تحت أي ذريعة. كما دعت النقابة الزملاء الصحافيين والاعلاميين إلى العمل لابقاء موضوع الانفجار حياً في الذاكرة والقلب، وملاحقة التحقيقات ومتابعتها بأدنى التفاصيل، وإعلام الناس بها بشفافية وصدق، ومحاذرة الوقوع في الفخاخ والشراك التي يراد ( بضم الياء) لهم ان يقعوا فيها.

واذكر جيداً انه ومنذ أشهر قليلة استضافت نقابة المحررين لجنة أهالي ضحايا مرفأ بيروت التي عقدت في دارها مؤتمراً صحافياً بثته مباشرة على الهواء أجهزة التلفزة والاذاعات اللبنانية والعربية والأجنبية. وكان مجلس نقابة محرري الصحافة اللبنانية قد اتخذ قراراً بوضع قاعة الاجتماعات والمؤتمرات بمقر النقابة في الحازمية بتصرف اللجنة.

إن نقيب محرري الصحافة اللبنانية ومن موقع مسؤوليته على رأس نقابة، هي ركن اساس من أركان اتحاد نقابات المهن الحرة، يتعين عليها ان تكون إلى جانب الشعب اللبناني دائمة الانتصار لقضيته وحقه في معرفة الحقيقة حول هوية من فجر المرفأ، وتبين الأسباب الدافعة لذلك، ودعوة المسؤولين من أعلى الهرم وما دون إلى تحمل مسؤولياتهم. وهذا ما أعلنه عندما استضافت النقابة اجتماعاً استثنائياً لنقابات المهن الحرة في دارها وبدعوة منها.

إن نقابة المحررين وبقدراتها المتاحة كانت حاضرة أبداً في موضوع تفجير المرفأ من باب الاسهام في كل ما من شأنه أن يضيء على هذه المأساة ويساعد على اماطة اللثام عنها، والدفاع عن حق الصحافيين والاعلاميين في القيام بواجباتهم، وتوفير الحماية الضرورية لكي يمارسوا عملهم بحرية، خصوصاً انهم يؤدون رسالتهم في سبيل كشف هذه الجريمة والثأر لدم الأبرياء الذين استشهدوا، واصيبوا باعاقات، أو أثخنتهم الجراح، عدا ما حل بهم من تصدعات نفسانية أثرت عميقاً في حياتهم.

إن الصحافة كانت ولا تزال مرآة الحق، ومحراب الحقيقة، تقول كلمتها في وجه اعتى السلاطين جوراً، ويجب الا تستكين قبل أن تكشف المستور عن جريمة العصر "الهيروشيمية"، والا تخشى احداً، لأن الوقت قد حان لكي تقف هذه اللعبة الجهنمية، وأن يأخذ التحقيق مجراه حتى اتضاح كل شيء وتعرية ما ستر، وتحديد المسؤوليات، وأن دورها كبير ورئيس إن شاءت أن تضطلع به بشجاعة ومسؤولية وحرفية، وهي لمقتدرة.

دم الشهداء أمانة في اقلامنا، فهو حبرها ونبضها، وعلينا كصحافيين واعلاميين أن نؤدي طقوس الولاء لهذا الدم الذي نأمل أن يكون ولّاداً لغد واعد في وطن جديد يكون قد خلع عنه أسمال الماضي المخيب.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.