الولايات المتحدة تعجز عن بناء الجيوش في الدول الحليفة

02 : 01

وصلت الجهود الأميركية الرامية إلى تقوية قوات الأمن الأفغانية إلى نهاية مخزية. أمضى الجيش الأميركي عشرين سنة وأنفق 83 مليار دولار لبناء قوة عادت وانهارت خلال بضعة أسابيع، فسلّمت البلد إلى حركة "طالبان" من دون أي مقاومة. لكنّ سرعة انهيار قوات الأمن الأفغانية ليست حالة استثنائية، بل إنها معيار شبه ثابت في أوساط قوات الأمن المحلية التي نشأت بفضل المساعدات العسكرية الأميركية. لقد فشلت أكبر ثلاث حملات أميركية لبناء جيوش لصالح شركائها (في فيتنام والعراق وأخيراً أفغانستان)، ومن المبرر أن يقارن الكثيرون بين صور كابول الأخيرة وأحداث سايغون في العام 1975 والموصل في العام 2014.

لا تزال العبارات التي يستعملها الجيش، مثل "مساعدة قوات الأمن" أو "بناء قدرات الشركاء" أو "عمليات التدريب والتجهيز"، ركيزة أساسية من استراتيجية الدفاع الأميركية. بعيداً عن أفغانستان والعراق، تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنوياً وترسل آلاف العناصر لتدريب الجيوش الخارجية ومساعدتها في دول متنوعة حول العالم. قد تختلف أهداف هذه المساعدات، لكن يتعلق هدفها الأساسي بزيادة قدرة الجيوش على تحمّل الأعباء الأمنية المحلية كي تتمكن الولايات المتحدة من استعمال مواردها الخاصة لتنفيذ أولويات أكثر أهمية.

لكن تكمن المشكلة الحقيقية في عدم اهتمام شركاء واشنطن ببناء جيوش قادرة على القتال في جميع الحالات. أثبتت الأستاذة كايتلين تالمادج من جامعة "جورج تاون" أن القادة السياسيين والعسكريين ملزمون بترقية الضباط الكفوئين، وتفعيل سلسلة قيادة مثمرة، والتشجيع على تكثيف التدريبات، وكبح الفساد، لإنشاء قوة فاعلة. لكن في الدول الضعيفة أو الفاشلة التي تحصر فيها الولايات المتحدة مساعداتها الأمنية، غالباً ما يعطي القادة الأولوية لصمودهم الشخصي والسياسي بدل تقوية جيوش بلدانهم. ويحاول هؤلاء القادة في معظم الأوقات أن يستعملوا جيوشهم كمصدر دعمٍ لهم أو كأداة عدائية ضد خصومهم السياسيين المحليين. قد يرحّبون بضخامة المساعدات العسكرية الأميركية، لكنهم يخشون بناء قوة احترافية وقادرة على تهديد سلطتهم. لهذا السبب، يتجاهل القادة مناشدات المستشارين العسكريين الأميركيين ويطبّقون سياسات تُمعِن في إضعاف جيوشهم.

اتّضحت هذه التحديات كلها في أفغانستان. على مر المهمة الاستشارية الأميركية، أثبت المسؤولون الأفغان أنهم لا يهتمون بالقتال من أجل الحكومة الفاسدة في كابول بقدر ما يريدون الاغتناء شخصياً وصرف الدولارات الأميركية لصالح شبكات دعمهم عبر عمليات التعاقد، وكانوا يغرقون الشعب الأفغاني معهم بسبب ممارساتهم. لم يكن الجنود المطلعون على فساد ضباطهم مستعدين للمجازفة بحياتهم تحت إشراف قادتهم. لا عجب إذاً في أن تفتقر الوحدات الأفغانية إلى الانضباط وتبدو ضعيفة من الناحية التكتيكية قبل الانسحاب الأميركي بوقتٍ طويل، وليس مفاجئاً أن يقرر الكثيرون فتح الأبواب أمام "طالبان" تزامناً مع الانسحاب الأميركي.

في أفغانستان وبعثات استشارية أخرى حول العالم، تتكل الولايات المتحدة على استراتيجيات معينة لتحفيز شركائها غير الناشطين. يعطي الجيش الأميركي الأولوية لبناء العلاقات مع الجيوش الخارجية بدل فرض أي نوع من الشروط مقابل مساعداته الأمنية، ويرضخ المسؤولون المدنيون في واشنطن لمقاربته. ثم تُصدِر الولايات المتحدة تقارير تفاؤلية أمام الشعب الأميركي لإثبات التقدم الذي يحرزه الشريك المحلي، ويستمر هذا الوضع حتى اليوم الذي يُطلَب فيه من القوة المحلية التحرك وحدها. ثم تتكرر أحداث سايغون والموصل وأخيراً كابول.

في نهاية المطاف، يجب أن يتولى القادة المدنيون في كل بلد توجيه طريقة تنفيذ الاستراتيجية العسكرية التي يوصي بها المستشارون الأميركيون والإشراف عليها. لكن تعني المعايير الراهنة في العلاقات الأميركية بين الأوساط المدنية والعسكرية أن جهود التدريب والتجهيز تتبع نمطاً مألوفاً ومؤسفاً. في البداية، يُكلّف القادة المدنيون البنتاغون بمهمة صعبة (أو مستحيلة في بعض الحالات)، وهي تقضي ببناء قوات الأمن في بلدان تغيب فيها الدولة. ثم يكلّفون الجيش الأميركي بتنفيذ برنامج المساعدات. لكن حين تتصاعد الأدلة التي تثبت فشل الجيش المحلي، يشعر القادة المدنيون بالإحباط وتزيد شكوكهم لكنهم يمتنعون بشكل عام عن التدخّل في ما يعتبرونه تفاصيل عسكرية، ويفضلون طرح تقييمات الجيش الأميركي التفاؤلية حول زيادة قوة الشريك المحلي إلى أن ينهار الوضع بالكامل في مرحلة معينة.

ربما انتهت حملة المساعدات العسكرية في أفغانستان الآن، لكن لا تزال الجهود الرامية إلى تحسين قدرة الشركاء الأمنيين المحليين ركيزة أساسية من استراتيجية الدفاع الأميركية. إذا لم تتعلم الولايات المتحدة أي دروس من إخفاقات بعثاتها الاستشارية المتكررة، يستحيل أن تتوقع نتيجة مختلفة من جهودها المتواصلة.

طرح المحللون والخبراء مجموعة متنوعة من المقاربات التي تعجز عن حل المشاكل الجوهرية على مستوى مساعدة قوات الأمن. لن يصبح استثمار المزيد من الأموال والموارد في البعثات الاستشارية مفيداً طالما لا يهتم القادة المحليون ببناء جيوش فاعلة. ولا تعالج محاولات تخفيف اتكال الشركاء المحليين على الدعم الجوي الأميركي وجهات داعمة أخرى إلا جزءاً بسيطاً من المشكلة، ما يعني أن مسألة ضعف الإرادة المحلية ستبقى عالقة. كذلك، لا يمكن إحداث فرق كبير عبر إطالة مهام المستشارين وجلب أفضل المسؤولين إذا تابع هؤلاء المستشارون الاتكال على قوة إقناعهم وحدها لاسترضاء القادة المحليين وتشجيعهم على تقوية جيوشهم.

يُفترض أن يعيد الأميركيون تقييم هدف برامج التدريب العسكري. بناءً على طبيعة التهديدات ومدى تماشيها مع السياسة الخارجية الأميركية العامة، قد لا يكون بناء جيش كبير واحترافي ممكناً أو ضرورياً. في بعض الحالات، من المنطقي أن تُركّز الولايات المتحدة على بناء وحدات قليلة وفاعلة وقادرة على التحرك بدعمٍ من الأميركيين.

حين تقرر الولايات المتحدة إرسال بعثات استشارية أخرى في المستقبل، يجب أن تتخلى أولاً عن استراتيجيتها الودية بدرجة مفرطة وتجمع بين أسلوب الإقناع والاستعمال المنهجي للحوافز. إذا أراد المسؤولون مصدر إلهام لتطبيق هذه الطريقة، يمكنهم أن يراجعوا واحدة من أفضل دراسات الحالات المرتبطة بتلك المقاربة: حملة الجيش الأميركي الثامن لتدريب جيش كوريا الجنوبية بين العامين 1948 و1953.

بعد غزو كوريا الشمالية في العام 1950، تخبّط القادة السياسيون والعسكريون في كوريا الجنوبية بين الحوافز الوطنية والفردية بطريقة أضعفت قوة الجيش المحلي. لكن على عكس الجيش الأميركي اليوم، طبّق الجنرالات والمستشارون التكتيكيون الأميركيون حينها مقاربة أكثر صرامة: استلم الجنرال جيمس فان فليب، قائد الجيش الأميركي الثامن، قيادة جيش كوريا الجنوبية مباشرةً وهدد بتقليص المساعدات في محاولة منه لضمان ترقية ضباط كفوئين إلى المناصب القيادية الأساسية ولحماية الجيش من التسييس. على المستوى التكتيكي، حاول المستشارون العسكريون الأميركيون في المجموعة الاستشارية العسكرية الكورية أن يلهموا نظراءهم الكوريين الجنوبيين ويقنعوهم بمقاربتهم. لكن حين فشل أسلوب الإقناع، هددوا بقطع الإمدادات الأميركية عن وحدات كوريا الجنوبية لتحفيز الضباط على السير في الاتجاه نفسه. بحلول العام 1952، ترقّى الضباط في الجيش الكــوري الجنوبي بموافقــة الجيش الأميركي الثامن في معظم الحالات. وفي منتصف العام 1953، تحوّل ذلك الشريك المحلي إلى قوة قتالية فاعلة.

تبرز دوماً عوامل وقيود شائكة عند المقارنة بين مختلف الحالات. بنى الجيش الأميركي قوات كوريا الجنوبية في مكان وزمان مختلفَين، وكان ذلك الجيش مُصمَّماً لمواجهة تهديد مختلف عما واجهته الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق. تحددت معالم المقاربة العسكرية الأميركية الصارمة في كوريا على الأرجح لأن جميع الفِرَق الأميركية كانت مُهدّدة بالدمار في مختلف الجبهات إذا استسلم الجيش الكوري الجنوبي: يطرح هذا الوضع تهديداً ملموساً وفورياً على حياة الأميركيين بطريقة لا يمكن أن تتكرر خلال أي حروب مستقبلية. ربما أصبح احتمال قيادة جيوش الدول الشريكة بطريقة مباشرة مستبعداً اليوم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لكن تتعدد الدروس التي يستطيع الجيش الأميركي استخلاصها من تجاربه الاستشارية في كوريا. يمكنه أن يستنتج في المقام الأول أن أسلوب الإقناع المبني على الودّ لم يكن العامل الوحيد الذي غيّر جيش كوريا الجنوبية، بل كان تطبيق الحوافز بطريقة منهجية عاملاً مؤثراً أيضاً.

قد تزيد هذه المقاربة فعالية بعض مشاريع مساعدة قوات الأمن. لكن تملك الولايات المتحدة خياراً آخر: يمكنها أن تَحِدّ من جهود التدريب والتجهيز ككل. بدل استعمال البعثات الاستشارية كأفضل خيار لمعالجة التهديدات الأمنية المحلية، يمكنها أن تحتفظ بهذه البرامج للدول التي تملك مؤسسات وطنية قوية وتبدي استعدادها لتحسين جيوشها. قد يؤدي هذا المسار إلى إنهاء معظم مشاريع المساعدات الأمنية الأميركية، بما في ذلك الجهود المستمرة لبناء قوات الأمن العراقية.

في حالات كثيرة، كانت الجهود الأميركية التي تهدف إلى تدريب الجيوش الخارجية وتجهيزها تشتق من منطق بيروقراطي بدل أن ترتكز على استراتيجية عقلانية. لم يكشف سقوط كابول السريع عن حجم الفساد في صفوف الجيوش التي بَنَتها الولايات المتحدة فحسب، بل أثبت أيضاً مساوئ المقاربة الأميركية الرامية إلى بنائها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.