"الحرب الأبدية"... فكرة مغلوطة

02 : 01

وعد جو بايدن الأميركيين، في أولى مراحل ترشّحه للرئاسة، "بإنهاء الحروب الأبدية في أفغانستان والشرق الأوسط"، فكرر بذلك وعد دونالد ترامب بإنهاء "حقبة الحروب اللامتناهية" من خلال سحب الأميركيين من "الصراعات القديمة في الأراضي البعيدة التي لم يسمع بها الكثيرون". أدلى الرئيسان بمواقف شعبوية لإرضاء الناخبين والنقاد الذين يتوقون إلى إعلان انتصار الولايات المتحدة في مغامراتها الخارجية وإنهائها بالكامل.

في أفغانستان، تحققت أمنيات الديماغوجيين الذين أرادوا إنهاء "الحروب الأميركية الأبدية" بغض النظر عن العواقب المترتبة عن هذا القرار. لكن كانت التطورات الأخيرة في أفغانستان كارثية بمعنى الكلمة.

بعد سحب حوالى 2500 جندي أميركي و7 آلاف عنصر من قوات حلف الناتو في أفغانستان، زادت مظاهر الحرب بدل أن تنحسر. بدت نشاطات "طالبان" العدائية وانهيار الحكومة الأفغانية والكارثة الإنسانية في مطار كابول قريبة إلى أجواء الحرب أكثر من أي ظروف أخرى شاهدها الأميركيون في أفغانستان طوال سنوات.

يُصرّ جو بايدن حتى الآن على أن الأمن القومي الأميركي لن يضعف بعد الخسارة في أفغانستان، بل إنه سيزداد قوة لأن التهديدات الإرهابية في أنحاء العالم بدأت تتوسع في كل مكان. سيكون تجديد التركيز على أماكن أخرى من العالم الإسلامي نهجاً استراتيجياً إيجابياً، إذ يستطيع الأميركيون مثلاً أن يتابعوا عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة الأفغانية الباكستانية من دون الحفاظ على وجود دائم هناك. لكن توحي تحركات إدارة بايدن بأن هذه الفكرة تبقى وهمية.

في العراق، حيث تكبدت الولايات المتحدة خسائر كبرى في ساحة المعركة منذ آذار 2020، رغم غياب أي اتفاقيات سلام كتلك التي عقدها ترامب مع الجماعات المسلّحة، كانت المهمة الأميركية واضحة: إعاقة عمليات المتمردين، والحفاظ على استقرار الشركاء العراقيين، وكبح الأعمال العدائية الإيرانية في المنطقة. هل يمكن أن نضحّي بتلك المهمة ونفتعل ردة فعل عالمية عنيفة ضد القيادة الأميركية ونُشجّع طهران على إطلاق اعتداءات ضد الأهداف الغربية في الخليج لتنفيذ خطاب سياسي محلي؟ لا يمكن أن يفكر أي رئيس مسؤول بهذا الخيار، لا سيما بعدما سحبت الولايات المتحدة جميع قواتها من البلد في العام 2011 ثم أعادت نشرها بعد ثلاث سنوات في زمان ومكان من اختيارنا.

تتمركز القوات الأميركية في جميع أنحاء العالم لمنع الفوضى وزعزعة الاستقرار والتهديدات المتوسعة ضد الأميركيين محلياً وخارجياً. تحافظ الولايات المتحدة على انتشارها في الشرق الأوسط ومحيطه ويتراوح عدد جنودها هناك بين 45 و65 ألف عنصر. هل سيضحّي مؤيدو تخفيض القوات العسكرية بهذه المهمة أيضاً وبحكومات الشرق الأوسط التي تتكل عليها لمنع الجهات غير النظامية وعملاء إيران من زعزعة استقرار تلك الأنظمة؟ إذا حصل ذلك، سينهار الوضع الراهن بسبب تحركٍ يتطلب على الأرجح تكثيف التدخل الأميركي في المنطقة.

ماذا عن أفريقيا حيث يقدّم بين 6 و7 آلاف جندي أميركي توصيات إلى القوات المحلية التي تحارب الجماعات الإسلامية المسلّحة؟ في الصومال والنيجر وتشاد ومالي، تحتفظ الولايات المتحدة بمراكز صغيرة تستعملها لتشغيل الطائرات بلا طيار ودعم الحكومات المحلية لمنع الإسلاميين من ترسيخ مكانتهم وتصدير الإرهاب إلى أماكن أخرى. وماذا عن الجنود الذين يشاركون في منع الإسلاميين من اكتساب القوة في الفيلبين ودول أخـــرى من منطقة المحيطَـين الهندي والهادئ؟

يقول منتقدو التمركز الأميركي الخارجي الدائم إن هذا النوع من الانتشار العسكري لا يؤدي إلى سقوط ضحايا أميركيين واستنزاف الأموال الأميركية، وبالتالي إضعاف الدعم السياسي الذي تحظى به تلك المهام. لكن في العام 2020، خسرت الولايات المتحدة عدداً من جنودها خلال عمليات انتشار "سلمية" حول العالم أكثر مما فعلت في أفغانستان أو العراق. في تلك السنة، قُتِل الأميركيون خلال مهام في أماكن مثل كوسوفو، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، والأردن، والبحرين، والكويت.

يبقى الجنود الأميركيون بخطر بغض النظر عن مكان تواجدهم، ويجب أن نحترم تضحيات كل من يخدم هذا البلد دوماً. لكن ما الفرق النوعي بين دعمنا لحكومات صديقة في الكويت وعمّان، ودعمنا لبغداد أو كابول؟ تتعلق الحجة الدائمة والوحيدة لتبرير الانسحاب من جميع تعقيدات العالم بوجهة نظر جورج ماكغفرن التي تدعو الجميع للعودة إلى الوطن الأميركي. لكن نادراً ما يعبّر أصدق المدافعين عن الانسحاب الأميركي من الساحة الدولية عن هذا الرأي لأنه نهج أخرق من الناحية التكتيكية والاستراتيجية لدرجة أن ترفضه جميع الإدارات الأميركية قبل الإدارة الأخيرة. أصبح السبب واضحاً الآن.

لا يمكن أن يشيد الكثيرون بسجل الولايات المتحدة في تطوير مجتمع مدني في أفغانستان. في هذا السياق، كشف المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان في تقرير بتاريخ آب 2021 أننا ارتكبنا أخطاءً كثيرة في آسيا الوسطى. لقد تحمّلنا مستوىً مفرطاً من الفساد، وتحالفنا مع عدد كبير من اللاعبين السيئين، وبالغنا في إصرارنا على إنشاء مؤسسات سياسية من دون مراعاة التقاليد الثقافية الأفغانية. لا أحد يستطيع أن يتكلم بكل ثقة عن نجاح جهودنا لنشر الديموقراطية على مر العقود.

تصبح جهود نشر الديموقراطية في الخارج ناجحة حين تتزامن مع تنفيذ مهام منطقية على المدى الطويل. نجحت ألمانيا بطريقةٍ ما في تجاوز ما يعتبره منتقدو ثقافتها السياسية ارتباطاً وثيقاً بالروح الحربية البروسية. كذلك، نجحت اليابان في فرض عقد اجتماعي جديد بعيداً عن مظاهر الإقطاعية الإمبريالية. وكانت كوريا الجنوبية تخضع لسلطة مجلس عسكري حتى بداية السبعينات. ورغم الاضطرابات المتواصلة والاعتداءات التي استهدفت الأميركيين، حافظت الولايات المتحدة على وجود دائم في تلك الدول في محاولةٍ منها لتحقيق مصالحها الأمنية الدائمة. نشأت ثقافات سياسية جمهورية كنتيجة ثانوية لتدخّلنا هناك، لكن لم يحصل ذلك إلا بعد عقود من المصاعب المتزايدة.

ما كانت هذه النتائج لتتحقق يوماً في أفغانستان على الأرجح، لكننا لن نتأكد من ذلك الآن. وحتى لو انتهى الالتزام الأميركي تجاه أي حكومة ديموقراطية ناشئة في كابول، لن ينتهي تورطنا في أفغانستان بالكامل. يتطرق التقرير القاتم والواضح الذي طرحه المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان إلى الحالة المزرية التي وصلت إليها المهمة الأميركية في أفغانستان، فيقول: "في مرحلة معينة من المستقبل، سيُعتبر نفوذ حركات التمرد في منطقة محددة أو وسط شعب معيّن تهديداً وشيكاً على المصالح الأميركية". يجب ألا يسمح أي رئيس أميركي كفوء بنشوء هذا "التهديد الوشيك" على أرض الواقع. ستستمر مصالحنا في آسيا الوسطى حتى لو لم تأخذها الإدارة الأميركية الراهنة بالاعتبار.

ما الذي حصلنا عليه مقابل عملية كلّفت الولايات المتحدة أكثر من 2400 قتيل وحوالى تريليون دولار؟ في المقام الأول، لم تقع أي اعتداءات إرهابية كبرى من دول خارجية ضد الأراضي الأميركية خلال الجيل الذي تلا هجوم 11 أيلول. لا يمكن الاستخفاف بهذه النتيجة أو اعتبارها عرضية.

لكن لا تتماشى الالتزامات الجيوستراتيجية الخاصة بالدولة الوحيدة القادرة على فرض نفوذها الدائم في أي مكان من العالم مع رغبات ناخبيها دوماً. لقد سئم الأميركيون من تلك المهمة بكل بساطة. كان خطاب الرئيس جورج بوش الإبن في العام 2001، خلال جلسة مشتركة للكونغرس، قد توقع انتشار مشاعر التعب التي يستغلها السياسيون الطموحون بكل وضوح، فاعتبر تلك المهمة "حملة مطوّلة بدرجة غير مسبوقة" ضد الإرهاب وداعميه في الخارج. ثم حذر قائلاً إن "قوة تصميمنا يجب ألا تتلاشى" نظراً إلى انتشار مشاعر اللامبالاة تجاه العالم الخارجي وسط الأميركيين تاريخياً.

مع ذلك، لم تكن الحرب التي توقعها بوش جديدة بطبيعتها لدرجة أن تصدم الأميركيين، بل سبق وتكلم عنها جون كينيدي قبل أربعين سنة تقريباً، خلال خطاب ألقاه في الأكاديمية العسكرية الأميركية في العام 1962. كانت الولايات المتحدة تواجه حينها تهديدات أخرى بسبب "حرب العصابات وعمليات التخريب والمتمردين والقتلة" والتكتيكات التي تشمل "حروباً عبر الكمائن بدل القتال المباشر". طرح كينيدي حينها عقيدة سمحت بتحويل الجيش الأميركي من قوة تفاعلية وأداة ردع إلى جهاز وقائي. فبدأ البلد ينشر أعداداً أصغر حجماً من القوات، لكن على نطاق أوسع، سعياً للتفوق في الصراع الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

كانت تلك الفكرة الركيزة المنطقية التي دفعت الولايات المتحدة إلى المستنقع الشائك الناجم عن دعمها لجنوب فيتنام. لكنها مهّدت أيضاً لعمليات أكثر نجاحاً في لبنان وجمهورية الدومينيكان وغرينادا، ووجّهت القرارات التي اتخذها صانعو السياسة المتلاحقون لمجابهة النفوذ السوفياتي في نيكاراغوا وكمبوديا والموزمبيق وأنغولا وأخيراً أفغانستان. في النهاية، انتصرت الولايات المتحدة في تلك المعركة الكبرى بين نظريتَين متناقضتَين حول التنظيم الاجتماعي. لكننا تورطنا مجدداً في صراع بين الأجيال ضد فكرٍ لا يتماشى مع مبدأ الجمهورية المتساوية، ومن المتوقع أن تنتهي هذه المعركة مثلما انتهت الحرب الباردة، أي حين يستسلم أحد الأطراف. لكن تخطئ الطبقة السياسية الأميركية في أحكامها على الأميركيين إذا كانت تظن أن الرأي العام سيرحّب بالاستسلام والهزيمة لمعالجة الإرهاق الذي يطغى على الجميع.

على كل من يظن أن الأميركيين غير راضين على طريقة انسحابنا من أفغانستان أن ينتظر ردة فعلهم على الظروف التي تجبرنا على العودة إلى هناك. في أفضل الأحوال، يشكّل الانسحاب الأميركي من آسيا الوسطى مرحلة جديدة من حملة "الحرب العالمية على الإرهاب"، وهي مرحلة قادرة على إنقاذنا من الجمود وإيصالنا إلى وضعٍ يتجدد فيه الفراغ داخل أفغانستان ويسمح بطرح تهديدات أخرى على الولايات المتحدة وحلفائها. كان وزير الدفاع في إدارة جو بايدن، لويد أوستن، محقاً حين قال للرئيس: "لقد شاهدنا هذا الفيلم سابقاً". يعرف الجميع نهاية ما يحصل اليوم!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.