أثارت غضب باريس: "طعنة في الظهر"

"جبهة" أميركية - أسترالية - بريطانية في مواجهة "التنّين الصيني"

02 : 00

بايدن متحدّثاً خلال إطلاق الشراكة الأمنيّة بين واشنطن ولندن وكانبيرا (أ ف ب)

في خطوة استراتيجية تُعزّز موازين القوى لصالح الدول التي تواجه تمدّد "التنين الصيني" في المنطقة، أطلقت الولايات المتحدة "شراكة أمنية" واسعة النطاق مع أستراليا وبريطانيا في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ، تتضمّن تسليم كانبيرا غوّاصات ذات دفع نووي، ما وصفته بكين بأنّه صفقة "غير مسؤولة إطلاقاً"، بينما اعتبرت فرنسا أن أستراليا وجّهت لها "طعنة في الظهر"، وأن الرئيس الأميركي جو بايدن اتخذ "قراراً مفاجئاً" على طريقة سلفه دونالد ترامب.

وكشف رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون خلال مؤتمر عبر الفيديو استضافه بايدن في البيت الأبيض وشارك فيه أيضاً رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أن "أوّل مبادرة كبيرة في إطار (شراكة) "أوكوس" ستكون حصول أستراليا على أسطول من غوّاصات تعمل بالدفع النووي"، فيما اعتبر جونسون أن اقتناء أستراليا هذه الغوّاصات "سيُساعد في الحفاظ على السلام والأمن في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ".

وأكد جونسون، الذي حقّق بهذا التحالف نصراً ديبلوماسياً كبيراً لاستراتيجيّته الرامية إلى تجنيب بلاده عزلة دولية بعدما خرجت من الاتحاد الأوروبي، أن هذه الخطوة "لم يكن المقصود منها أن تكون معادية لأي قوّة أخرى". ولم يأتِ بيان القادة الثلاثة الأميركي والأسترالي والبريطاني على ذكر الصين، واكتفى بالإشارة إلى "السلام والإستقرار في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ"، لكن مِمّا لا شكّ فيه أنّ التحالف الجديد يهدف قبل كلّ شيء إلى مواجهة الطموحات الإقليمية التوسعية لبكين.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس الوزراء الأسترالي إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ "دعوة مفتوحة" للحوار. وإثر القمّة الثلاثية، جاء في بيان مشترك أنّه "بالاستناد إلى تاريخنا المشترك كديموقراطيات بَحريّة، فإنّنا، إذ يحدونا بطموح مشترك، نلتزم بدعم أستراليا في الحصول على غوّاصات تعمل بالدفع النووي". وأوضح البيان أنّ ما ستحصل عليه أستراليا هو غوّاصات تعمل بالدفع النووي، وليست مزوّدة بالسلاح النووي.

وكشف مسؤول كبير في البيت الأبيض أنّ "الدولة الوحيدة التي شاركت الولايات المتحدة معها هذا النوع من تكنولوجيا الدفع النووي هي بريطانيا"، وذلك منذ 1958. ورأى أن "هذا قرار أساسي وجوهري. هذا قرار سيُلزم أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا لأجيال". وبحسب هذا المسؤول، فإنّ معاهدة "أوكوس" تنصّ أيضاً على تعاون بين الدول الثلاث في مجالات الدفاع السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمومية.

وفيما دخلت العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة في أزمة مفتوحة بعد إلغاء أستراليا صفقة شراء غواصات فرنسية واستبدالها بأخرى أميركية عاملة بالدفع النووي، كان لافتاً الموقف الفرنسي القاسي الذي عبّر عنه وزيرا الخارجية جان إيف لودريان والدفاع فلورانس بارلي، إذ قال لودريان لإذاعة "فرانس إنفو": "إنها حقاً طعنة في الظهر"، مشيراً إلى أنه "غاضب جداً" ويشعر "بمرارة كبيرة". وتابع: "أقمنا علاقة مبنية على الثقة مع أستراليا. وهذه الثقة تعرّضت للخيانة". وكان لودريان قد أبرم "صفقة القرن" في شأن الغواصات مع أستراليا عندما كان وزيراً للدفاع.

وفي الوقت ذاته، رأت بارلي في حديث عبر إذاعة فرنسا الدولية "ار اف اي" أن فسخ أستراليا العقد، وهو بقيمة 56 مليار يورو، هو "قرار خطر" على صعيد السياسة الدولية ويُشكّل "نبأ سيّئاً جدّاً بالنسبة إلى احترام الكلمة المعطاة". وانتقد الوزيران الفرنسيان بشكل صريح أيضاً الرئيس الأميركي الذي اتّهماه بسحق حلفائه، بحيث أكد لودريان أن "ذلك غير مقبول بين الحلفاء... إنّه أمر لا يُحتمل"، في حين قالت بارلي: "نحن مدركون تماماً للطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها".

وعلى غرار بايدن الذي وصف باريس بأنها "شريك أساسي"، أرادت بريطانيا أن تُطمئن فرنسا. فقال وزير دفاعها بن والاس: "ليس لدينا نيّة فعل أي شيء يُمكن أن يُغضب الفرنسيين".

أمّا الصين، فقد حذّر المتحدّث باسم وزارة خارجيّتها تشاو ليجيان أمام الصحافة من أن "التعاون بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في مجال الغوّاصات النووية يُزعزع بشكل خطر السلام والإستقرار الإقليميَّيْن، ويُكثّف سباق التسلّح ويُقوّض الجهود الدولية نحو عدم انتشار الأسلحة النووية". واتّهم الدول الثلاث بالتصرّف وفق "ذهنية الحرب الباردة"، وباستخدام الأسلحة النووية لأغراض جيوسياسية.

كذلك، أكد المتحدّث باسم المفوضية الأوروبّية بيتر ستانو أن "الاتحاد الأوروبي لم يتبلّغ في شأن هذا المشروع أو هذه المبادرة، ونحن على تواصل مع الشركاء هؤلاء لمعرفة المزيد". وتابع: "وبالطبع سيتعيّن علينا أن نُناقش هذا الأمر ضمن الاتحاد الأوروبي مع دولنا الأعضاء لإجراء تقييم للتداعيات".

من جهتها، أعلنت نيوزيلندا أنّ الحظر الساري منذ 1985 على دخول أيّ قطعة بحريّة تعمل بالدفع النووي مياه بلادها، سيسري على الغوّاصات التي تعتزم جارتها وحليفتها الأوثق أستراليا الحصول عليها. ويجمع بايدن في 24 أيلول في واشنطن، رؤساء وزراء كلّ من أستراليا والهند ناريندرا مودي واليابان يوشيهيدي سوغا، لإعادة إطلاق التحالف الرباعي المعروف باسم "كواد" أو "الحوار الأمني الرباعي".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.