فوضى في الأفق...اصطدام مرتقب بين مركبة فضائية وكويكب من تحضير وكالة "ناسا"!

02 : 00

الديناصورات لم تملك أي برنامج فضائي يوماً، لذا لم تكن تتلقى أي مؤشر تحذيري أو تستطيع الدفاع عن نفسها قبل 65 مليون سنة حين يتجه كويكب نحو الأرض. أصبحت نتيجة جهل المعلومات واضحة بعد انقراض هذه الفصيلة. يريد البشر طبعاً تجنب المصير نفسه. في وقتٍ لاحق من هذه السنة، ستطلق وكالة "ناسا" مهمة للتدرب على طريقة صدّ أي كويكب مستقبلي يتجه نحو الأرض. من المنتظر أن تنطلق مركبة "دارت" ("اختبار إعادة توجيه الكويكب المزدوج") في 24 تشرين الثاني المقبل (أو في شباط 2022)، وقد تحتاج إلى سنة قبل بلوغ هدفها، أي كويكب "ديمورفوس" الذي يساوي حجمه مدرجاً رياضياً ويدور حول كويكب أكبر حجماً بكثير اسمه "ديديموس".

تقضي الخطة الأصلية بضرب "ديمورفوس" بسرعة 6.5 كلم في الثانية بمركبة "دارت" التي تساوي حجم السيارة العادية وتَزِن حوالى ثلث طن، ما يؤدي إلى تغيير دورانه الذي يدوم لمدة 12 ساعة تقريباً حول "ديديموس" بمعدل بضع دقائق. ستصل مهمة أخرى اسمها "هيرا" من "وكالة الفضاء الأوروبية" بعد خمس سنوات للتحقق من فعالية المهمة الأولى. سيبقى أثر هذه العملية محدوداً على المدار، لكن يُفترض أن يكون هذا المفعول كافياً لتغيير مسار أي كويكب وإبعاده عن كوكب الأرض مستقبلاً، طالما نستهدفه قبل فترة كافية من تحركه. يقول توم ستاتلر، عالِم في برنامج "دارت" في مقر "ناسا" في العاصمة واشنطن: "نحن نطلق هذا النوع من المهام لتجنب كارثة طبيعية حقيقية لاحقاً".

بقيادة هاريسون أغروسا من جامعة "مريلاند"، أطلـــق الباحثون تقديرات حول حجم التغيرات التي تستطيع مركبـة "دارت" إحداثها على مستوى دوران "ديمورفوس" عبر احتساب تأثير قوة الاصطدام على دوران الكويكب ومساحته وزاوية انحرافه. قد تكون النتائج دراماتيكية. يوضح أغروسا: "قد يبدأ الكويكب بالهبوط ثم يدخل في حالة من الفوضى التامة. كانت هذه النتيجة مفاجئة جداً".

تطرح وضعيات الدوران غير المتوقعة بعض التحديات المثيرة للاهتمام، وهي ستُضاف إلى مصاعب الهبوط فوق أي كويكب. مع ذلك، تأمل "وكالة الفضاء الأوروبية" في تنفيذ هذه العملية عبر مركبتَين فضائيتَين صغيرتَين ضمن مهمة "هيرا". حتى أنها قد تطلق محاولات مستقبلية أخرى لتغيير مسار كويكب أكثر تعقيداً حين يتجه نحو كوكب الأرض، لأن أي حركة دوران قد تؤثر على مسار الكويكب في أنحاء الفضاء.

حين تصطدم مركبة "دارت" بكويكب "ديمورفوس"، ستكون قوة الاحتكاك مشابهة لانفجار ثلاثة أطنان من مادة "تي إن تي"، ما يؤدي إلى قذف آلاف القطع من الحطام في الفضاء. يَصِف ستاتلر المشهد وكأنه عربة غولف تتنقل بسرعة 15 ميلاً في الساعة ثم تصطدم بطرف ملعب كرة قدم. لن تُسبّب قوة الاحتكاك أي تغيرات فورية في دوران "ديمورفوس"، لكن ستبدأ التغيرات خلال أيام.

بعد فترة قصيرة، سيبدأ "ديمورفوس" بالتمايل قليلاً. سرعان ما يزداد هذا التمايل بعدما يؤدي زخم الاحتكاك السابق إلى خروج حركة دوران الكويكب عن السيطرة في ظل غياب أي مقاومة في مساحات الفضاء الفارغة لإبطاء مساره. قد يبدأ "ديمورفوس" بالدوران بطريقة أو بأخرى، وقد يدور على طول محوره، بما يشبه حركة المشواة. سيلاحظ مراقبو "ديديموس" حين ينظرون إلى السماء أن هذا القمر الاصطناعي الهادئ ظاهرياً سيتخذ شكلاً جديداً، فيبدأ بالتأرجح بقوة ذهاباً وإياباً بعد ظهور جوانبه التي كانت خفية سابقاً بكل وضوح.

خلال أسابيع، قد يدور "ديمورفوس" لدرجة أن يصبح في حالة من الهبوط الفوضوي حيث يتحرك بوتيرة خارجة عن السيطرة حول محاوره. وفق أكثر السيناريوات تطرفاً، قد يفقد "ديديموس" السيطرة بالكامل ويبدأ "ديمورفوس" بالتحرك رأساً على عقب.

تتوقف التطورات الحقيقية على بضعة عوامل. سيكون شكل "ديمورفوس" مؤثراً، فهو يدور بوتيرة أكثر فوضوية إذا كان مستطيلاً، لا كروياً. تكشف الملاحظات التي يرصدها الرادار حتى الآن أن شكله مستطيل، لكننا لا نستطيع التأكد من ذلك إلا قبل ساعات قليلة من اصطدام مركبة "دارت" بالكويكـــب لأنها ستلقي حينها أول نظـــرة على هدفها الصغير.

سيكون موقع الاصطدام مؤثراً أيضاً في هذا المجال. ستستهدف مركبة "دارت" وســـــط "ديمورفوس" لإحداث أكبر أثر ممكن والتمكن من تغيير مداره. وكلما ابتعدت الضربة عن وسط الكويكب، ستصبح حركة الدوران أكثر فوضوية. لكن وفق معظم السيناريوات المتوقعة، يُفترض أن يتمايل "ديمورفوس" ذهاباً وإياباً أو يهبط في اتجاهات متعددة خلال أسابيع.

حين تصل مهمة "هيرا" التي سترسلها "وكالة الفضاء الأوروبية" بعد خمس سنوات، قد يكون المشهد هناك دراماتيكياً، فيدور "ديمورفوس" بوتيرة جامحة في مداره حول "ديديموس" بسبب تأثير البشرية. قد تمرّ عقود أو حتى قرون عدة قبل أن تعيد قوة جاذبية "ديديموس" كويكب "ديمورفوس" إلى وضعه الأصلي الذي يُفترض أن يكون شبه مغلق أمام قوة الجاذبية. يعتبر ستاتلر احتمال أن تجد مركبة "هيرا" كويكب "ديمورفوس" بحالة فوضوية حماسياً ومثيراً للاهتمام.

سيكون وصول "هيرا" الطريقة الوحيدة للتأكد من حقيقة ما حصل لحركة دوران "ديمورفوس" لأن مركبة "دارت" ستتدمر تحت تأثير ذلك الاحتكاك، ويُعتبر "ديمورفوس" أصغر من أن يراه البشر بالتفصيل من كوكب الأرض. سيُستعمَل القمر الاصطناعي الإيطالي الصغير "ليسيا كيوب" قبل الاصطدام لالتقاط الصور خلال ذلك الحدث أثناء مروره الخاطف. لكن ستقتصر هذه العملية على دقائق معدودة، ولا تُعتبر هذه المدة طويلة بما يكفي لمشاهدة الاضطرابات الحاصلة.

تُخطط مركبة "هيرا" أيضاً لاستعمال قمرَين اصطناعيَين أصغر حجماً لمحاولة الهبوط على سطح "ديمورفوس". لن تعيق حركة الهبوط هذه الجهود على الأرجح، لكنها قد تزيدها صعوبة. من دون تخطيط مناسب لحركة الدوران الفوضوية، قد ترتدّ المركبتان الصغيرتان ولا تصلان في النهاية إلى الوجهة التي يريدها العلماء. يقول باتريك ميشال من "المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية": "يُعتبر الهبوط فوق جسم صغير لهذه الدرجة صعباً في مطلق الأحوال. لكنّ هذه الظروف لن تُسهّل العملية".

من غير المتوقع أن تؤثر حركة هبوط "ديمورفوس" على تدريبات "دارت" الأخيرة التي تهدف إلى إنقاذ كوكب الأرض من الكوارث يوماً، كما أنها لن تطرح أي تهديد على سكان الأرض. لكنّ هذا الحدث قد يعطينا بعض المعلومات المفيدة علمياً. في المقابل، قد تؤثر حركة دوران الكويكبات على خصائص أخرى، منها نسبة أشعة الشمس التي تعكسها، علماً أن هذا العامل يؤثر على مساراتها. يجب أن يأخذ العلماء هذا الجانب بالاعتبار في أي مهمة مستقبلية لتغيير مسار الكويكبات. في هذا السياق، يقول عالِم الفلك بول ويغرت من جامعة "ويسترن أونتاريو": "هذه العملية ليست مجرّد اصطدام بين مركبة فضائية وكويكب معيّن، بل يجب أن نفهم أولاً مجموعة كبيرة من الخصائص الفيزيائية".

من خلال مراقبة ذلك النظام طوال سنوات أو عقود أو حتى قرون، سنحصل أيضاً على فرصة غير مسبوقة لفهم مسار تطور نظام الكويكب الثنائي بعد اصطدام مماثل. قد تعطينا مركبة "هيرا" وحدها مؤشراً على تأثير الجاذبية بعد إعادة النظام إلى وضعه الطبيعي، ما يساعدنا على فهم علاقة الجاذبية بين كويكبَين من هذا النوع.

نحن نوشك إذاً على مشاهدة ما يحصل حين تصطدم عربة غولف بمدرج رياضي. قد تكون النتائج فوضوية بمعنى الكلمة. تقول فيديريكا سبوتو التي تدرس ديناميات الكويكبات في "مركز هارفارد - سميثسونيان للفيزياء الفلكية" في "ماساتشوستس": "إنها تجربة مثيرة جداً. نحن بصدد تغيير نظام بأكمله"!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.