سولان دو رواييه

آخر سرّ في حياة فرانسـوا ميتران... الشابة والرئيس

2 تشرين الأول 2021

02 : 01

ميتران وعقيلته عشيّة إنتخابه رئيساً لفرنسا / 1988
في كتاب مُعدّ للصدور في 6 تشرين الأول عن دار نشر "غراسيه"، يكشف الصحافي سولان دو رواييه من صحيفة "لوموند" حقيقة مجهولة عن حياة الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا ميتران: لقد كان على علاقة مع امرأة شابة جداً اسمها كلير منذ العام 1988 وحتى وفاته في العام 1996. يشمل كتاب Le Dernier Secret (السر الأخير) تفاصيل كثيرة حول تلك الحقبة الاستثنائية في كواليس قصر الإليزيه...

لم تتكلّم كلير عن بداية العلاقة إلا في نهاية المقابلة. حين سُئِلت عن الأسباب التي دفعتها إلى مقابلة فرانسوا ميتران منذ عمر مبكر، راحت تراوغ وتضحك وقالت إن هذا الموضوع يجب أن يكون محور كتاب آخر. في العمق، أظن أنها تخاف من أحكام الناس عليها لأنها بحثت عن رئيس الجمهورية الفرنسية وانتظرته طوال أربع سنوات. في البداية، كان الموضوع يقتصر على شغف بالسياسة.

في العام 1984، كانت كلير تبلغ 18 عاماً وقد وصلت للتو من مدينة "ليموج" إلى باريس لدراسة الحقوق، فغادرت بكل سرور مقاطعة برجوازية تخلو من السعادة. لطالما كان والداها يصوّتان لصالح معسكر اليمين، وقد شعرا بالذعر عند انتخاب فرانسوا ميتران في 10 أيار 1981. في ذلك اليوم، ثم في اليوم التالي، بدأت كلير تحسد أصدقاءها في المدرسة الثانوية على حماسهم، لكنها لم تستطع أن تشاركهم الفرحة لأنها كانت تتخبط بين قناعاتها العائلية وقِيَم اليسار الجاذبة التي لم تكن قد تبنّتها بعد.

حين وصلت كلير إلى باريس، أرادت أن تعوّض عن الوقت الضائع، فانضمت إلى الحزب الاشتراكي وشاركت في النقابات الطلابية وناضلت مع اليساريين. في غضون ذلك، كان ميتران قد خسر سحره، فقد أدرك اليساريون أنه لن يغيّر حياتهم منذ البدء بتطبيق سياسة التقشف. ثم كانت الانتخابات الأوروبية في ربيع العام 1984 كارثية بالنسبة إلى السلطة، وهي أول انتخابات تشارك فيها كلير. كان الوضع سيئاً لدرجة أن تُعَنْوِن صحيفة "إكسبرس": "هل يستطيع حُكم البلد حتى الآن"؟

اعتبرت الطالبة كلير هذه الانتقادات مجحفة، وكانت تدافع بشراسة عن الرئيس وسط أصدقائها في أروقة كلية الحقوق التي تقصدها. لقد أنقذتها باريس من الملل والرتابة، لكن لم يكفها هذا الوضع. كانت تحتاج إلى المزيد من الحركة والمجد. ثم أثّر بها قرار إلغاء عقوبة الإعدام. هكذا أصبح الفكر اليساري وقِيَمه قضيتها وفرانسوا ميتران قدوتها.

في هذه المرحلة، زاد تصميمها على لقاء الرئيس. وخلال السنوات اللاحقة، بدأت الطالبة وصديقها بونوا يتقربان تدريجاً من فرانسوا ميتران، في باريس وخلال تنقلاته. تحوّلت هذه الرغبة في مقابلته إلى ما يشبه الهوس أحياناً.



لكن ما كانت ردة فعل ميتران حين يقابل كلير وبونوا أينما ذهب؟ أحياناً، ما كان يلاحظ أي شيء غريب، فيكتفي بتبادل النظرات معهما أو يلوّح لهما بيده. وفي معظم الأوقات، كان يتوقف للحظات ويتأثر بمثابرتهما.

تحمل كلير صورة التُقِطت خلال إحدى تنقلاته. يتكلم فيها ميتران مع شابة سمراء ترتدي معطفاً. بدت وكأنها تتكلم بصوت خافت لأنه انحنى نحوها كي يسمعها. ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وبدا متنبهاً ولطيفاً.

في العام 1988، بدأت علاقة حب تنشأ بينهما، بمبادرة من كلير، التي دعت الرئيس إلى شقتها الصغيرة في شارع "فور" في باريس. ثم راحت تتردد إلى قصر الإليزيه باستمرار، حتى أنها باتت تشارك في سفراته الرسمية.

كان يتصل بها يومياً، مرتَين في اليوم على الأقل... صباحاً ومساءً!

تقول كلير: "هل تدرك أنه كان يوقظني في كل صباح طوال ثماني سنوات"؟ كان يتصل في الصباح فور وصوله إلى قصر الإليزيه، ثم يتصل مساءً، في الساعة التاسعة أو الحادية عشرة.

كان ميتران صبوراً معها، فيسألها عن يومها ومشاريعها ودروسها أو امتحاناتها، وفي المرحلة اللاحقة عن عملها. في أحد الأيام، أخبرها بأن رب عملها يستعبدها وهدّد بالتدخل لإصلاح الوضع. كان يعرف كل ما تفعله ومع من تمضي وقتها، ولطالما اطّلع على تفاصيل حياتها.

أما كلير، فلم تكن تعيش، بل تنتظره طوال الوقت. لم تعد تفكر إلا به. هو لم يكن يحبذ أن تخرج إلى أي مكان، بل يفضّل الاحتفاظ بها لنفسه.

كان يلاحقها أينما ذهبت ويتعقبها أو يسبقها إلى المكان الذي تتجه إليه أحياناً، أو يترك لها رسالة ويطلب منها أن تتصل به حين تصل إلى وجهتها.

في قصر الإليزيه، لم تكن كلير تأتي من دون سابق إنذار. كانت تركن دراجتها الصغيرة إلى جانب كشك الجرائد في شارع "دي ماريني" وتقطع الشارع بسرعة. في البداية، كانت تعطي أوراقها للحرس الجمهوري، لكنها لم تعد تحتاج إلى فعل ذلك لاحقاً لأن العنصر نفسه كان يستقبلها دوماً في صالون الشرف.

لطالما شعرت بالتوتر حين تدخل القصر، فتتردد وتتراجع وترتجف من فكرة أن تصادف مستشاراً تعرفه وتخاف من الأسئلة التي قد تواجهها. لكن كانت القاعة التي تدخل إليها مهجورة في معظم الأوقات.

أخرجت كلير خلال مقابلتنا مجموعة أشرطة تحتفظ بها. لم يكن الصوت واضحاً في الشريط الأول. لكنه أكثر وضوحاً في الشريط الثاني. إنه صوت ميتران حيث يقول لها:


فرانسوا ميتران يُدلي بصوته في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في شاتو شينون / 26 نيسان 1981


"أنا أتصل بكِ بين اجتماعَين. لا أعرف في أي ساعة ستعودين إلى منزلك...".

"أظن أنني سأنام هذا المساء حين تعودين. سأتصل بكِ بحلول الساعة الثامنة والربع غداً. أتمنى أن أجدكِ. إلى اللقاء".

"آلو؟ أخبرتك بأنني سأتصل بك قبل الساعة السابعة بقليل... لكني لم أجدكِ".

شمل الشريط الثالث صوت الهسهسة نفسه ومجموعة أخرى من اتصالات ميتران:

"مساء الخير. عدتُ للتو من إقليم "لوار أتلانتيك". سأتصل بك في وقت متأخر من هذا المساء وفي صباح الغد طبعاً".

"مساء الخير، إنها الساعة العاشرة إلا ربعاً. أردتُ أن ألقي التحية عليك. سأتصل بك في صباح الغد. ليلة سعيدة".

"إنها الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق، الوقت ليس مناسباً جداً... سأتصل بك غداً. إلى اللقاء".

تجيد كلير إخفاء الحقيقة وتتقبّل الواقع. هي تتكلم عن الرجل الذي تحبه باعتباره شخصاً متزوجاً وأكبر منها بكثير. وحين يتكلم الآخرون أمامها عن فرانسوا ميتران وعشيقاته، لا تبدي أي ردة فعل واضحة. لم يعرف أحد يوماً حقيقة ما عاشته.

خلال السنة الأولى من هذه العلاقة، قررت كلير أن تخبر صديقتها، وهي ابنة محافظ تعيش مع والديها في شقة كبيرة تُطِلّ على نهر السين. ترددت كلير في البداية لكنها عادت وأخبرتها بكل شيء. فكشفت عن مشاعر الخوف والحماس والإعجاب والسعادة والاشتياق والحزن التي تنتابها حين تذهب للقائه وتنتظر اتصالاته وتتنزه معه في باريس. حتى أنها أخبرتها عن قبلتهما الأولى. سكتت ابنة المحافظ في البداية قبل أن تقول: "يا له من أمر مثير للاشمئزاز". كان هذا الموقف كفيلاً بإنهاء صداقتهما.

تقول كلير: "كان فارق العمر بيننا يصل إلى خمسين عاماً، وهو فـارق هائــل، لكنــي اعتبرتُه جميلاً".

بعد هذا الاعتراف، لم تجرؤ كلير على التكلم مع أحد خارج أوساط أصدقائها المقربين. تضيف كلير: "لم أشأ أن يلطخوا تاريخي. أردتُ أن أعيش تلك العلاقة كي أتمكن من تقديرها لاحقاً بكل سلام".

تتذكر كلير أيضاً ما فعله ميشال شاراس، مستشار فرانسوا ميتران المقرّب وكاتم أسراره. في سيارة كانت تجول في منطقة "كاي فولتير"، نظر إليها مستشار الرئيس بطريقة غريبة ومرّر إبهامه تحت حلقها وقال: "إياك أن تتفوهي بكلمة...".

اتصل بها الرئيس في مساء اليوم نفسه، في الساعة الحادية عشرة والربع، فتشاجرا عبر الهاتف. راحت كلير تلومه لأنه لم يبقَ في منزلها لأكثر من ساعة. وفي اليوم السابق، كان قد تركها أيضاً لأنه لم يُنْهِ بعد خطاباً لتكريم عالِم الفيزياء والمعارض الروسي أندريه ساخاروف. لقد عمل طوال فترة لقائهما. قال لها إنها مُلهِمته وهو يبتسم قبل أن يطردها.

قالت له كلير بنبرة حزينة: "نحن لم نعد نلتقي مطلقاً". فأجابها: "لكني قابلتُكِ أكثر من ساخاروف وواليسا!". لم تعجبها هذه المجاملة، وشعر ميتران بخيبة أمل.

ثم قالت له فجأةً: "اتركني إذاً"!

فسألها ميتران: "لماذا أنا من عليّ أن أتركك؟".

- "لأنني أعجز عن تركك. يجب أن نوقف هذه العلاقة. الوضع صعب جداً".

- "لكنّ محاولة تحقيق المستحيل أمر إيجابي". (...)



بعد الانتهاء من تناول الغداء في أحد الأيام، صعد العشيقان إلى مكتب الرئيس. اعتذر ميتران لأنه لم يجلب لكلير أي هدية وشكرها على الهدية التي جلبتها له. طلبت منه كلير أن يكتب لها شيئاً عليها. فكرر لها ما كان يقوله دائماً: "يجب ألا نترك أي أثر وراءنا"! لكنها أخبرته بأنها أخذت جميع احتياطاتها: هو يستطيع أن يكتب لها في مفكّرة ويعطيها إياها ثم تجيبه لاحقاً وهكذا دواليك. ثم وعدته بأن يحتفظ هو بالنسخة الأصلية. كانت تشعر بالفخر بهذه الخطة وتعتبرها مُحْكَمة.

قال لها ميتران: "أنت مغرمة لدرجة أن تختلقي هذا النوع من الخطط. يا له من أمر مؤثر. أنتِ امرأة شاعرية بامتياز".

اقتربت منه فجأةً وخطفت منه قبلة. وحين حاولت التقرب منه، أغمض عينيه وأخبرها بأنه يشعر بالتعب وأضاف قائلاً: "هم يحضّرون شجرة عيد الميلاد في الأسفل لكنهم ينتظرونني. أنا لستُ مجبراً على الذهاب فوراً... هم يعاملونني وكأنني حاكم متخاذل الآن. لكني سأثبت لهم من أكون! هل تظنين أنني أصبحتُ حاكماً متخاذلاً"؟

أجابت كلير: "متخاذل؟ طبعاً لا".

ابتسمت كلير وأرادت متابعة تقبيله. لكنه رفض تقبيلها هناك، ثم استسلم بالكامل ولم يكفّا عن تبادل القُبَل.

تكتب كلير في مذكراتها بتاريخ 21 كانون الأول 1988: "لم أشعر يوماً بأنه متعلّق بي لهذه الدرجة. بدا لي حزيناً بعض الشيء ومشغول البال". (...)

جعلها ميتران تقرأ كتاب Lettres à une amie (رسائل إلى صديقة). لم يتوقف الرئيس عن التكلم عن تلك الرسائل التي كتبها كليمنصو، في نهاية حياته، إلى حبّه الأخير مارغريت. كان يبلغ حينها 82 عاماً وهي 40. (...)

اشترت كلير هذه المجموعة الثقيلة التي تتألف من 668 رسالة. كانت تحب تلك الكلمات التي يكررها على مسامع حبيبته: "أنا سأساعدكِ على العيش، وأنتِ ستساعدينني على الموت". (...)

وحين كانت كلير تحاول معرفة مكانتها الحقيقية، كان ميتران يجيبها دوماً بما يلي: "ستبقين حتى النهاية". (...)

مع مرور الوقت، استنتجت كلير أن صحة الرئيس بدأت تتدهور، لكن من دون أن تعرف أنه مصاب بالسرطان (...)

كان ميتران يجلس باستقامة حين دخلت إلى غرفته. لقد انخفض ضغطه فجأةً وخَفَت صوته. في وقتٍ سابق من ذلك اليوم، راح يترنح حين ذهب للبحث عن كتاب في "بون نوف". حتى أنه أصيب بنزيف في الأنف.

شرح لها ميتران أنه طلب من صديقَين له أو ثلاثة أن يَعِدوه باللجوء إلى الموت الرحيم إذا تدهورت حالته يوماً بدرجة كبيرة. حين كان يتكلم، أمسك برأسه بين يديه وأغمض عينيه. طلبت منه كلير أن يرتاح. فقصدا غرفة النوم. بحث ميتران عن أدويته ثم ابتلعها مع كوب ماء وطلب من كلير أن تفتح الفراش. فتمددت إلى جانبه. راح يمازحها لكنها لم تتجاوب معه. لقد أرادت أن تعرف إذا كانت تستطيع التواصل مع طبيبه، لكن كان الطبيب غوبليه قد ذهب في عطلة نهاية الأسبوع ورفض ميتران الاتصال به.

قال لها بصيغة الأمر: "إذا حصل لي أي مكروه، لا تبقي هنا... ستخرجين من هذا الباب. لا أريد أن يوجّهوا إليكِ أي تهمة". (...)

ثم قال لها ميتران عبر جهاز الرد الآلي لاحقاً: "لا أعرف متى سأستطيع الاتصال بك".

ترك لها رسالة أخرى يوم الخميس 10 أيلول 1992، في وقتٍ متأخر من المساء، لكنها لم تكن تشبه أي رسالة أخرى. لم تَنَم كلير جيداً في تلك الليلة، بل شعرت بالاضطراب. ثم اتصلت بقصر الإليزيه في اليوم التالي، فمرروا لها ماري كلير بابغاي. سألتها عن الرئيس وطلبت التكلم معه، لكن ضحكت السكرتيرة بطريقة جافة وعابرة وأخبرتها بأن الوصول إليه مستحيل من دون الكشف عن السبب. في فترة الظهر من يوم الجمعة، نشر قصر الإليزيه بياناً مُوقّعاً من البروفيسور أدولف ستيغ وطبيب ميتران الشخصي، كلود غوبليه، لإبلاغ الفرنسيين بأن رئيس الجمهورية خضع لجراحة سرطان البروستات في مستشفى "كوشان".

حصل شرخ معيّن في هذه العلاقة في ذلك اليوم تحديداً. (...)

ثم نشأ شرخ آخر بسبب ما نشرته صحيفة "مينوت" في 17 آذار 1993. كتبت هذه الصحيفة اليمينية المتطرفة العنوان التالي: "الرئيس يعيش خلسةً في عمق باريس لمقابلة امرأة حياته"! نشرت الصحيفة في صفحتها الأولى عبارة "البيت السري لميتران" مع صورة سيارة رئيس الجمهورية وهي تصل سراً إلى "كاي برانلي" وصورة أخرى لآن بينجو.

كانت الشائعات المرتبطة بحياة ميتران المزدوجة منتشرة منذ وقت طويل، لكن رفضت كلير تصديقها. هي قابلت ميتران في ذلك اليوم نفسه ودار بينهما نقاش حاد. حاول ميتران الدفاع عن نفسه وادعى أنه غاضب من تلك الأقاويل: "لن تصدّقي طبعاً هذه الصحيفة الوضيعة"! كانت كلير تعرف أنها صحيفة فضائح، لكنها لم تستطع استجماع قوتها لمقاومة ما يحصل، ولم يعد ميتران يجيد طمأنتها. لكنه هدأ فجأةً وأمسك يدها.

في ذلك المساء، لم تعد كلير للنوم في منزلها. كان ميتران ليتصل بها في الوقت المعتاد ولم ترغب في التكلم معه. لكنه أصرّ واتصل بها في اليوم التالي. وعندما لم تردّ على اتصالاته، اتصل مجدداً وترك رسالة جديدة. ومع ذلك، قاومت رغبتها في التكلم معه وكتبت في مذكراتها: "يا للعار"! (...)

من الواضح أن الرئيس تغيّر بعد مرضه والعلاجات التي تلقاها. لقد بدأ ينفعل بسهولة ويجادل الجميع وأصبح صعب المراس وصاحب نزوات. لم تعد الأطباق التي تُقَدَّم له تعجبه، بل بات يُرجِعها مع ملاحظات لاذعة، فيضطر النوادل في الفندق للعودة إلى المطبخ وهم يشعرون بالخجل. كانت كلير تشعر بالانزعاج حين تتواجد خلال نوبات التوبيخ هذه، فتحاول أحياناً تشجيعه على التصرف بطريقة منطقية. لكنه لا يتوانى عن الدفاع عن نفسه وتأجيج الجدل، فيقول لها مثلاً إن اللحم غير مطبوخ بما يكفي أو السمك مُجمّد، وإنه لا يفهم السبب الذي يدفع الطهاة إلى تحضير أطباق معقدة مع أنه لا يحب إلا الأصناف البسيطة.

قالت له كلير إن هذا السبب لا يكفي لإهانة الناس. لكنه سألها إذا كانت تعتبره شريراً. فأجابت بالإيجاب. فقال بنبرة ساخرة: "حقاً؟ هل تتصرفين وكأنك العشيقة الرسمية"؟ (...)

فيما تابعت صحة الرئيس تدهورها، كشفت الصحافة أنه أنجب ابنة اسمها مازارين من آن بينجو، لكنها تجاهلت أي علاقة له مع كلير.

كان ميتران يتمدد على الكنبة في غرفته حين عبّرت له كلير عن غضبها وألمها.

في 10 تشرين الثاني 1994، نشرت مجلة "باري ماتش" صورة رئيس الجمهورية وابنته مازارين بعد الكشف عن وجودها. عنونت المجلة الأسبوعية: "القصة الصادمة لحياة مزدوجة"!

أمام هذا الوضع، سألته كلير: "ما هي مكانتي في هذه القصة كلها؟ هل أنا مجرّد دمية أم عشيقة بديلة"؟

راحت كلير تصرخ وترتعد وتتعامل معه وكأنه رجل كاذب. ففضّل التزام الصمت ولم يقدّم أي تبرير.

خلال الأشهر اللاحقة، تسمّمت علاقتهما بعد الكشف عن هذه المعلومات السرية. وحين كانت كلير تتكلم عن آن أو مازارين، اعتادت على رفع صوتها لكن كان ميتران يردّ بكل هدوء: "توقفي... هما لطيفتان...".

تقول كلير خلال المقابلة الأخيرة: "لم أكن أعرف عن من يتكلم... الأم أو الابنة. شعرتُ بالغيرة".

تصفّحنا معاً مذكراتها من العام 1994. لقد دوّنت ملاحظات قليلة في تلك السنة. في 16 تشرين الثاني، بعد ستة أيام على نشر مقالة "باري ماتش"، كتبت في الساعة السادسة مساءً: "العودة صعبة بعد كشف قصة الابنة". هي تعترف بأن شيئاً لم يعد إلى سابق عهده بعد تلك المرحلة. (...)

منذ ذلك الحين، بدأ ميتران يصطحبها معه إلى كل مكان. حتى أنه وافق على أن تُصوّره وكان يعطيها أجوبة مطوّلة على أسئلتها، فتحفظها عبر المسجّل الصغير الموضوع بالقرب من كنبته أو سريره. أخبرته يوماً بأنها تريد تأليف كتاب حول هذه الأشهر الأخيرة في قصر الإليزيه كي ترافقه طوال الوقت. لم يرفض ميتران طلبها. هي تظن أنه أراد بهذه الطريقة أن يعوّض عما حصل بعد كشف قصته مع آن ومازارين. كان يشعر بإرهاق شديد. (...)

في ربيع العام 1995، كان فرانسوا ميتران يستعد لمغادرة قصر الإليزيه حيث استقر منذ 14 سنة. كانت كلير حاضرة معه. جلست في إحدى الزوايا وراحت تنظر إليه وهو يرتّب غرفته. وُضِعت حقيبة على السرير وانتشرت علب الكرتون في كل مكان. نُزِعت اللوحات عن الجدران أيضاً. كان الانتقال من الإليزيه إلى شارع "دي بيفر" يفطر القلب. يحب ميتران بطبيعته جمع الأغراض ولا يحبذ رميها أو الانفصال عنها.

جاء عدد من الحرس لمساعدته. راح الرئيس يصدر الأوامر وهو جالس على كنبته، ثم قال إنه ما كان ليحقق شيئاً وحده وكأنه أراد تبرير استعانته بالدرك.

ثم أضاف قائلاً: "لم أكن أظن أنني سأتجاوز سنة 1995".

لطرد أجواء الحزن، خطر على بال حراسه الشخصيين أن يغطوا كل رف من المكتبة بزخرفات تبقى حتى النهاية. (...)

أخيراً، تكلمتُ مع كلير عن كتاب Lettres à Anne (رسائل إلى آن) الذي نشرته دار "غاليمار" في العام 2016. أخبرتني كلير بأنها تلقّت هذا الخبر بكل هدوء. لقد مرّ وقت طويل وهي تشعر اليوم بالسلام. بعد تلك السنوات المريرة والمضنية التي أمضتها وهي تنتظره وتخاف من فكرة موته، لم تعد تخشى شيئاً. هي تشعر براحة تامة.

قرأت كلير تلك الرسائل المبهرة التي كتبها ميتران إلى آن بينجو بين العامين 1962 و1995. في البداية، اختارت تواريخ تحمل معنىً في حياتها، مثل عيد ميلادها الذي كان يحتفل به معها كل سنة في فترة المساء، أو ذكرى لقائهما الأول في 12 تموز. أرادت أن تعرف إذا كان يكتب للمرأة الأخرى في تلك الأيام وما يقوله لها. لكنها لم تجد أي ملاحظة لافتة. هي تعترف بأن آن حبّه الكبير، ولا يعكس صوتها أي شكل من المرارة حين تقول ذلك. (...)

في آخر يوم له في قصر الإليزيه، في 16 أيار 1995، كادت تمطر في أي لحظة. دعا ميتران كلير إلى تناول الغداء. كان يرتدي بدلة رمادية داكنة وقميصاً أبيض اللون ويضع ربطة عنق أرجوانية. جلس الثنائي في الأقسام المعزولة من المقهى، داخل القاعة التي استُقبِلت فيها كلير قبل 11 سنة مع صديقها بونوا لتناول الفطور.

كان الجو داكناً لدرجة أن يشعلوا الأضواء هناك. بدا ميتران قلقاً ومتوتراً وبالكاد لمس طبقه. كانت الخدمة سيئة. من الواضح أن الحاكم السابق لم يعد يخيف أحداً. فضّلت كلير أن تراه وهو ينفجر غضباً ويُرجِع طبقاً لم يعجبه إلى المطبخ أو يقوم بأي نزوة بدل أن يستسلم بهذا الشكل.

فجأةً قال النادل: "سيدي الرئيس، اعذرني لكنّ زوجتك جاءت وحدها وتريد الانضمام إليك".

تجمّدت كلير في مكانها. لكن فات الأوان على التحرك لأن زوجته دانيال وصلت إلى المكان. فجلست من دون توجيه أي كلمة أو نظرة إليها. تكلم الزوجان عن الأربع عشرة سنة التي مرّت عليهما بسرعة فائقة (...) ثم طلبت من زوجها أن يستضيفا مجموعة من المناصرين والمناضلين الاشتراكيين الذين سيأتون في ذلك المساء وهم يحملون الورود. لم تعجبه هذه الفكرة كثيراً. لكن أخبرته دانيال بأن عددهم لن يبقى كبيراً في المرحلة اللاحقة وأنه يحتاج إلى سماع كلمات الحب من الآخرين ثلاث مرات كي يفهمها.

حين تركتهما دانيال وحدهما، جلس ميتران وكلير للحظة على كنبته، لكن بدا الرئيس مرهقاً ومنزعجاً بعد ذلك اللقاء الثلاثي. فرفض أن تلمسه كلير وذهب للتمدد في غرفته قبل الانضمام إليها مجدداً. (...)

توفي فرانسوا ميتران يوم الإثنين ودُفِن يوم الخميس، في 11 كانون الثاني 1996.

عشية الجنازة، تدفق عشرات آلاف الناس نحو "ساحة الباستيل" لتكريمه للمرة الأخيرة وسط الأمطار والرياح. يشهد "عمود المجد" تجمّع اليساريين في فترات الحداد. يوقّع الباريسيون في هذا المكان على رسائل تعزية وتضع الشخصيات الاشتراكية الورود. ارتفعت صورة ضخمة للرئيس الراحل هناك. وعلى وقع موسيقى الأوبرا، راحت المغنية باربرا هندريكس تنشد أغنيةLe Temps des cerises. ثم انتهى كل شيء.

وقفت كلير هناك مع إحدى صديقاتها. هي تتذكر جيداً الحشد الضخم الذي تجمّع في ذلك المكان والصمت الذي خيّم على الأجواء. كانت توشك حينها على بلوغ عمر الثلاثين...


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.