ليبان صليبا

عندما لا يصحّ إلّا الصحيح

4 تشرين الثاني 2021

02 : 00

يستطيع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن يتنفس الصعداء على محرابه في معراب وأن يزهو القواتيون سعداء لتقدّم قناعاتهم بأنه لا يصحّ إلا الصحيح ولو بعد حين، لا بل أحيان شاقة وأليمة ولئيمة عاشها لبنان وعاناها اللبنانيون بسبب الخيارات المفروضة عليهم والمرفوضة منهم، ورغم ذلك مارس بعض السياديين لعبة "أم الصبي" التي تحولت إلى لعنة قصمت ظهرهم وقسمت في ما بينهم حول سبل المواجهة وانتظار اللحظة المناسبة فيما كانت النكبات تتوالى على عدد اللحظات، فانكفأ البعض وحرد البعض الآخر وتردد البعض الأخير، ليبقى ويستمر صوت القوات الصارخ في البرية دائماً وأبداً، لا يصح إلا الصحيح.

إختار رئيس القوات سمير جعجع الطريق الآخر بعد فشل جميع محاولات فتح صفحات جديدة تؤدي إلى تأمين مصلحة اللبنانيين بعد انسداد أفق الفصل بين السياسة وابتزاز الشعب برزقه، فكانت الجلسة الحوارية في بعبدا يوم 2 أيلول 2019 التي أعلن فيها جعجع يأسه من هذه المنظومة ودعوته إلى تشكيل حكومة من الإختصاصيين المستقلين تتولى شؤون البلاد والعباد وترك المسائل الشائكة للبحث بين القوى السياسية بعيداً عن لقمة عيش المواطن، وبقيت الدعوة من دون جدوى، ثم كانت ثورة "17 تشرين" من العام نفسه وأيدها جعجع شعبياً بدعوة المحازبين والمناصرين للمشاركة فيها تحت شعاراتها وراياتها وقبضتها واستكمل الدعم الشعبي بدعم سياسي بإعلان طلاقه من هذه السلطة واستقالة وزرائه لتسقط الحكومة بعد أيام وتحظى الثورة بانتصارها الأول وربما الوحيد. وتأكيداً على الطلاق مع هذه المنظومة رفض جعجع المشاركة في أي حكومة تكليفاً وتأليفاً لينصرف إلى التحضير للمرحلة المقبلة في محاولة نزع الميثاقية عن المجلس النيابي وإسقاطه والذهاب إلى انتخابات نيابية من دون أن يجاريه بطرحه أحد، ليبدأ النضال الديموقراطي الأكبر لنزع الأكثرية النيابية من المنظومة الحاكمة وتغيير قواعد الإشتباك لصالح الدولة والشعب، لتأتي أخيراً وبالتأكيد ليس آخراً "غزوة عين الرمانة" التي هدفت إلى فرملة اندفاعة القوات شعبياً، ولكن مرة من جديد، لم يصح إلا الصحيح.

إستطاعت القوات اللبنانية تجاوز سلسلة امتحانات بفضل ثباتها ورغم انخراطها في السلطة لم تنحرف إلى الرذيلة، ومع انغماسها في الثورة لم تنجرف في الموجة العبثية لشيطنة كل الدولة ومؤسساتها ولم ترتكب خطأ الإستقالة من المجلس النيابي وحافظت على شعرة معاوية التي تربطها بالدولة وثبت جدواها في محطات عدة أبرزها في التعديلات على قانون الإنتخابات لتأمين إجرائها في موعدها على أبعد تقدير ومواجهة كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تأجيلها.

كان لمسيرة القوات ضمن ثوابتها وقناعاتها عراقيل وانتقادات شعبية وخسائر مرحلية، إنما اليوم وبعد اتضاح الرؤية ونضوج بعض اللبنانيين الناجم عن المعاناة التي وصلوا إليها والثمن الكبير الذي دفعوه على كافة الأصعدة، عادت رؤية القوات لتتصدر المشهد الوطني وترسم طريق الخلاص من خلال عدة محطات صبّت في صالحها:

- مشاركتها في حكومتَي العهد الأوليين وتقديم نموذج راقٍ ونزيه وشفاف وقريب من نماذج الحكم في الدول المتطورة وكادت أن تنقل عدواها إلى وزراء آخرين لو كانت هناك نية للإصلاح والتغيير حقاً، فقدّمت القوات دليلاً على أن لبنان لا تنقصه الكفاءات بل تنقصه الإرادة.

- تمكنت القوات من دحض مقولة "كلن يعني كلن" بعدما ثبت أن التهم لها إما باطلة أو تافهة، ومع بروز الخلافات في صفوف مجموعات الثورة حول الترشيحات وبلغت الإنقسامات إلى صميم شعارات الثورة، سقطت "كلن يعني كلن" وبقيت القوات.

- ساهمت "غزوة عين الرمانة" في استنهاض روح المواجهة لدى سائر اللبنانيين المناهضين الصامتين لممارسات "حزب الله" وأكدت تلك الأحداث أن بين خيار الخنوع والميوعة وخطر الحرب الأهلية هناك مساحة واسعة من ممارسة العمل السياسي والوطني بكرامة وندية بين الجميع على الساحة الداخلية، وتلقائياً شئنا أم أبينا صبت تلك المواجهة في صالح القوات.

- نتيجة هذه التراكمات من المواقف انتشرت سمعة القوات كالنسيم في لهب الجحيم بين اللبنانيين الطامحين للخروج من الأحوال البائسة التي يعيشونها ورأوا في القوات نموذجاً يحتذى وهذا ما أثبتته إحصاءات غير معدّة للنشر والإستهلاك جرت قبل وبعد "غزوة عين الرمانة" قام بها أكثر من طرف سياسي من ميول متشعبة في أكثر من منطقة وأكدت تفوق القوات شعبياً واكتساحها للإنتخابات في ما لو جرت اليوم.

هذه النقطة الأخيرة بين الإيجابيات ستضع القوات في مرمى الإستهداف ولا شك، بالسبل المشروعة وغير المشروعة، أضف إلى ذلك زيارة السفير السعودي وليد البخاري إلى معراب بعد ساعات على النقطة التي وضعها على السطر في تغريدته ليعزز التأييد الداخلي لرئيس القوات سمير جعجع بدعم معنوي خليجي من دول تؤيد المليح والصحيح، وتلك المحاولات ستسقط كما سقطت سابقاتها حتى لا يصح إلا الصحيح.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.