بنجامين بارت

قضيّة رياض سلامة إنطلاق تحقيق عابر للحدود

8 تشرين الثاني 2021

المصدر: Le Monde

02 : 01

القضاة الأوروبيون يتعاونون في ملف حاكم مصرف لبنان المتّهم باختلاس مبالغ كبيرة من الأموال العامة...

يبدو أن التحقيق في قضية حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة (71 عاماً)، المتّهم بتبييض واختلاس الأموال العامة من جانب القضاء الفرنسي والسويسري واللبناني، يتقدم بخطى صغيرة. وفق معلومات صحيفة "لوموند"، بدأ القضاة المعنيون بهذا الملف يتعمقون في تفاصيل المقتنيات والحسابات والعقارات التي يملكها حاكم مصرف لبنان في أنحاء أوروبا، علماً أن قيمتها قد تفوق مئات ملايين الدولارات. لكنّ الدور المحوري الذي يؤديه سلامة حتى الآن على الساحة السياسية والمالية في لبنان يحدّ من التقدم الذي يحرزه المحققون، فيمنع أي شكل من رفع السرية المصرفية عن سلسلة من الحسابات المشبوهة.

يتكل التحقيق الفرنسي على تحديد مواقع الأصول العقارية التي يملكها سلامة، وهي عملية شاركت فيها منظمات غير حكومية اقتناعاً منها بأن تلك الأملاك تدخل في خانة المكاسب غير المشروعة. في 21 تشرين الأول، وبموجب قرار القاضية المسؤولة عن التحقيق الفرنسي، حصلت مداهمات لعدد من الشقق الباريسية التي يملكها سلامة، وشقيقه رجا، وآنا كوساكوفا، وهي امرأة أوكرانية عمرها 44 عاماً كان المصرفي اللبناني الكبير قد أنجب منها ابنة من دون زواج. كشفت صحيفة "لوتان" السويسرية في شهر تموز حجم العقارات الهائلة التي جمعتها تلك المرأة بين العامين 2007 و2012، في الشانزليزيه والدائرة السادسة عشرة في باريس، وتفوق قيمتها العشرة ملايين يورو. يقول المحامي ويليام بوردون الذي قدّم شكوى ضد سلامة في فرنسا نيابةً عن جمعية "شيربا" المتخصصة بمكافحة الجرائم الاقتصادية حول العالم: "التحقيق يتقدم بخطى ثابتة. لقد أرسلنا مذكرة فيها معلومات جديدة إلى القاضية".

تستفيد الإجراءات الجارية أيضاً من بدء التعاون بين الأنظمة القضائية في بلدان أوروبية مختلفة تتوزع فيها ثروة سلامة سراً. اجتمع قضاة من لوكسمبورغ وألمانيا وسويسرا وبريطانيا في 14 تشرين الأول في لاهاي، في مقر وكالة "يوروجست" (منصة المساعدة القانونية المتبادلة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)، دعماً للقاضية الفرنسية والمدعي العام اللبناني المسؤول عن ملف سلامة. كذلك، يجري العمل على إنشاء فريق تحقيق مشترك لتسهيل تبادل المعلومات بين مختلف القضاة. تُلاحق زينة واكيم، محامية في المؤسسة السويسرية Accountability Now، شكوى ثانية مُقدّمة في فرنسا فتقول: "نظراً إلى انتشار الأملاك التي يملكها رياض سلامة في أماكن مختلفة، من الضروري أن يحصل تحقيق أوروبي شامل. حتى أن الأبحاث يجب أن تمتد إلى موناكو وبَنَما وسنغافورة حيث يملك رياض سلامة، بحسب معلوماتنا، عدداً من الحسابات المصرفية". يتوقف مصير هذا التحقيق العابر للحدود جزئياً على الحكومة اللبنانية ومدى استعدادها للسماح للقضاة المحليين بالتعاون مع نظرائهم الأوروبيين. لكن تكمن المشكلة الحقيقية في هذا المجال بالذات. لم يَلْقَ طلب التعاون الذي أرسلته القاضية الفرنسية أي رد، ولا يبدو السلك القضائي اللبناني مستعجلاً للتعاون معها.

كذلك، يبدو وكيل النيابة في محكمة التمييز مكبّل اليدين، وهو المسؤول الذي وصل إليه الملف في شهر كانون الثاني بعد صدور أول طلب لتبادل المساعدة القضائية من سويسرا. تمكّن هذا الأخير من استجواب رياض سلامة مرتَين، لكنه يصطدم دوماً بالعوائق التي يفرضها القطاع المصرفي في بلد الأرز. يُصرّ هذا القطاع، رغم إفلاسه، على الدفاع عن مبدأ السرية الذي بُنِي على أساسه.




دعــــم الــــحــــاكــــم مــــســــتــــمــــر

طلب القضاء الفرنسي من أربع مؤسسات مالية في بيروت الحق بالوصول إلى حسابات حُوِّل منها أكثر من 200 مليون دولار خلال العامَين 2000 و2010. يشتق هذا المبلغ من عمولات دفعها مصرف لبنان إلى شركة غامضة اسمها "فوري" تخضع لإدارة رجا سلامة بموجب عقد وساطة خاص بسندات الخزينة. يشكك المحققون السويسريون بحقيقة الأعمال التي تقوم بها شركة "فوري" ويشتبهون بحصول اختلاس مالي.

بنى نائب المدعي العام طلبه على المادة السابعة من القانون اللبناني الخاص بالسرية المصرفية، وهي تنصّ على استحالة معارضة هذا المبدأ من جانب السلطات القضائية في التحقيقات المتعلقة بالإثراء غير المشروع. لكن من بين البنوك الأربعة التي تم التواصل معها (بنك عودة، وبنك البحر المتوسط، وبنك مصر لبنان، وبنك الاعتماد اللبناني)، وحده بنك عودة بدا مستعداً لتقديم المعلومات إلى المدعي العام. أما البنوك الأخرى، فقد أرسلت الطلب إلى لجنة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان لأنها تعتبرها الجهة الوحيدة المخوّلة رفع السرية المصرفية، لكنها تناست بذلك أن رياض سلامة شخصياً هو الذي يرأس تلك الهيئة.

يقول محامي الضرائب، كريم ضاهر، متذمراً: "في أي بلد آخر، كانت السرية المصرفية لتُرفَع منذ وقت طويل عند مواجهة قضية مماثلة". في منتصف شهر تشرين الأول، كشفت الصحيفة اللبنانية "لوريون لوجور" أن جمعية مصارف لبنان تجاهلت طلب النائب العام بالكشف عن أسماء شخصيات حوّلت مبالغ مالية إلى الخارج منذ العام 2019، مع أن هذا التصرف ينتهك قانون الكابيتال كنترول الذي فرضته البنوك. وتأكيداً على احتفاظ حاكم مصرف لبنان بدعم قوي، كان هذا الأخير جزءاً من الوفد الذي استأنف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض لصالح لبنان. تقول زينة واكيم متنهدة: "سلامة ليس في صلب اللعبة، بل إنه اللعبة كلها".

اتصلت صحيفة "لوموند" بمحامي الحاكم في باريس، بيار أوليفييه سور، فأكد هذا الأخير على أن "العمليات التي نفذتها شركة "فوري" لم تستعمل أي أموال تعود إلى الدولة اللبنانية و/أو مصرف لبنان". بعبارة أخرى، كانت العمولات التي تتلقاها الشركة تأتي من المكتتبين بسندات الخزينة. وتعليقاً على الشكوك المرتبطة بأصل ثروة حاكم مصرف لبنان، يقول سلامة بلا تردد إن أصوله الشخصية بلغت 23 مليون دولار (19 مليون يورو) في العام 1993، وهو تاريخ وصوله إلى مصرف لبنان، ويشتق هذا المبلغ من ميراثَين ورواتبه من بنك الاستثمار "ميريل لينش". بحسب قوله، تنجم زيادة ثروته بعد ذلك التاريخ عن استثمارات قانونية بالكامل.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.