ماري جيغو

جان جاندان... مثال حيّ على قوة القمع التركي

9 تشرين الثاني 2021

المصدر: Le Monde

02 : 01

إعتُبِر المخرج والمحاضِر في جامعة "البوسفور" في اسطنبول، جان جاندان، "شخصاً غير مرغوب فيه" في جامعته التي تُعتبر نسخة تركية من جامعة "هارفارد" حيث علّم طوال 14 سنة. حصل جاندان على هذه الصفة الجديدة في صباح 11 تشرين الأول، حين رفض حراس الأمن على مدخل حرم الجامعة رفع الحاجز للسماح بمرور سيارته.

أوضح لهم جاندان أنه على موعد مهم مع طلابه ولا يستطيع التخلي عن التزاماته تجاههم، ومع ذلك بقي الحاجز مقفلاً. قال له الحراس: "الأمر صادر عن رئيس الجامعة". ثم وصل رجال شرطة بملابس مدنية لدعمهم، ولحقهم عناصر من قوات مكافحة الشغب المتمركزة وراء دروع من الزجاج الواقي الشبكي.

يروي المدرّس البالغ من العمر 52 عاماً ما حصل معه قائلاً: "وصل زملاء لي وطلاب لمساعدتي. ثم حصلت نقاشات طوال ساعتين لكن بلا جدوى. قررتُ الرحيل في لحظة معينة. ما الذي يمكنني فعله؟ ما كنتُ لأتعارك مع أحد كي أمرّ... لم يجد رئيس الجامعة حلاً أفضل من تطويقي بعناصر الشرطة لفصلي عن الجامعة. هذا التصرف يتعارض مع روحية جامعة "البوسفور" المبنية على الانفتاح والتسامح، لكنه تصرّف وحشي قبل كل شيء...".

في حرم الجامعة، وهو عبارة عن حديقة خضراء ضخمة ومزهرة تُطِلّ على مضيق البوسفور في الجانب الأوروبي من اسطنبول، يملك جاندان مكتبه الذي لم يفرغ بعد، ويجري هناك اجتماعاته مع الطلاب، ولديه مقعده وطبيبه الخاص. أُلغِيت حصة هواة السينما التي دُعِي إليها في 25 تشرين الأول. إنها ضربة موجعة لجاندان، مخرج الأعمال الوثائقية المخضرم. عُرِض فيلمه الطويل Benim çocuum (طفلي) في مناسبات متكررة في العام 2013، وهو عبارة عن قصة مؤثرة حول ردود أفعال العائلات التركية حين تعرف أن أولادها مثليون. في تلك السنة، كانت حرية التعبير أفضل مما هي عليه اليوم بكثير.

تشهد جامعة "البوسفور"، التي اعتُبِرت لفترة طويلة معقلاً للنخبة التركية، حالة من الغليان منذ أن أصرّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على فرض سيطرته في شهر كانون الثاني. زاد الوضع تعقيداً نتيجة صدور مرسوم رئاسي لترقية مليح بولو، وهو أستاذ جامعي متوسط لكنه يستفيد من خدمات "حزب العدالة والتنمية" الذي يحكم البلد منذ العام 2002، ما أدى إلى اندلاع حركة احتجاجية من جانب الطلاب والمعلمين.



حرم جامعي مُحصّن

كانت النسخة التركية من جامعة "هارفارد" تُعتبر حتى الفترة السابقة رمزاً للتميّز والحرية الأكاديمية، لكنها اضطرت للرضوخ على غرار الجامعات المحلية الأخرى التي شهدت حملات تطهير واسعة غداة محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016. أُقِيل أكثر من 6 آلاف معلّم بموجب مرسوم رسمي، من دون إجراء أي تحقيقات أو السماح لأحد بالطعن بالقرار. في تلك المرحلة بالذات، سمح الرئيس أردوغان لنفسه بتعيين رؤساء الجامعات، من دون أخذ آراء المؤسسات المعنية بالاعتبار.

يقول جاندان وهو يبتسم بكل هدوء رغم تجربته المريرة: "في الماضي، كان المعلمون ينتخبون رئيس الجامعة وكانت السلطات في أنقرة تصادق على تعيينه، لكن تبقى موافقتها مجرّد شكليات. لا يمكن المسّ باستقلالية الجامعة. هذا الجانب هو الذي يمنح الجامعة سمعتها المرموقة. لكن بات رئيس البلد يختار عميد الجامعة من الآن فصاعداً ومن دون استشارة أحد. إنه انتهاك للحرية الأكاديمية، ونحن لا نقبل بهذا الوضع ولن نستسلم".

بدأ كل شيء في 16 تموز، حين تلقى جاندان رسالة فصل تحمل توقيع مساعد رئيس الجامعة الجديد، ناجي إنجي، وهو جامعي عيّنه أردوغان بدل مليح بولو الذي طُرِد من دون تقديم أي تفسير. في تلك الرسالة، عَلِم المخرج أنه "أهان رؤســـــاءه وإدارة الجامعة حين نشر مواد تهدف إلى توجيه إهانات شخصية".

تشير تلك المواد إلى الوثائق التي ينشرها دوماً على مواقع التواصل الاجتماعي لتنبيه الرأي العام حول محاولات إخضاع جامعة "البوسفور". يوضح جاندان: "تقول السلطات إن المحتجين يمثلون الأقلية، لكنّ الواقع مختلف. مُنِعت وسائل الإعلام من دخول حرم الجامعة وتحرص الصحافة الموالية للحكومة على عدم التطرق إلى الاحتجاجات الحاصلة. تهدف جميع هذه العوامل إلى قمع المعلومات. أنا أريد أن أوضح حقيقة هذا النضال".

كانت أعماله ولقاءاته مع الطلاب وتحركاته في حرم الجامعة كفيلة بإثارة قلق رئيسها. في آخر عشرة أشهر، تحوّلت جامعة "البوسفور" إلى مكان مُحصّن. يقول المخرج مذهولاً: "رُكّبت كاميرات مراقبة في كل مكان تقريباً، ولا يكف رجال شرطة بملابس مدنية عن تصوير حرم الجامعة بهواتفهم الخلوية. أتساءل عن الجهة التي تهتم برؤية هذه الصور".

رغم جميع حملات الترهيب والاعتقالات والمحظورات، منها إقفال نادٍ خاص بالمثليين في الجامعة منذ كانون الثاني، لا تزال الاحتجاجات مستمرة. حصلت تظاهرات حديثاً أمام محكمة "جاغلايان" في اسطنبول، حيث يخضع طلاب للمحاكمة. في الوقت نفسه، يتابع الأساتذة احتجاجهم في حرم جامعة "البوسفور"، حتى أن طلابهم باتوا يديرون قناة على يوتيوب.



عـــقـــوبـــات وتـــهـــم

على مر الأشهر السابقة، أصبح جان جاندان محور الحركة الاحتجاجية، فراح ينشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تفاصيل تحركات المحتجين. هو لا يغفل عن أي تفصيل، لا سيما الحركة التي يقوم بها حوالى مئة أستاذ أسبوعياً، فيجتمعون تحت نوافذ مكتب رئيس الجامعة ويديرون ظهورهم كدليل على استيائهم. يمضي جاندان أيضاً وقتاً غير قصير في أروقة المحاكم التي يحضر إليها طلاب من جامعة "البوسفور" بعد اتهامهم بالتحريض على الكراهية وإهانة الدين الإسلامي.

يُحاكَم سبعة منهم في الوقت الراهن في محكمة اسطنبول لأنهم حاولوا عرض لوحة اعتُبِرت مهينة للإسلام في حرم الجامعة. تُمثّل تلك اللوحة الكعبة (أقدس موقع إسلامي في المملكة العربية السعودية) وقد وُضِعت على زواياها الأربع أعلام قوس قزح، رمز المثلية الجنسية.

لكنّ هذه الخطوة قد تكلّفهم الكثير، فقد يُسجَنون لمدة تصل إلى ثلاث سنوات بتهمة تضعها وزارة الداخلية في خانة "إهانة الدين". لكنّ جريمة الكفر ليست واردة في قانون العقوبات، وتركيا ليست جمهورية إسلامية على عكس ما يتمناه الجناح المتطرف من معسكر المحافظين الإسلاميين. قال الرئيس أردوغان إن الفنانين المتّهمين "مخرّبون"، وذهب وزير الداخلية سليمان صويلو إلى حد اعتبارهم "مثليين منحطين".

يريد جان جاندان أن يقنع نفسه بأن روح الحرية في جامعة "البوسفور" ستقاوم الحصار الرئاسي. لكن تراوده أفكار سوداء أيضاً من وقتٍ لآخر، فيقول: "أشعر أحياناً بأننا محتجزون داخل تابوت نصف مدفون يرمي عليه البعض حفنات من التراب". جاء قرار رئيس الجامعة الأخير، يوم الخميس 4 تشرين الثاني، بإغلاق دار النشر الجامعية المعروفة بإصدار منشورات تثقيفية ومتنوعة ليرسّخ تلك المخاوف في داخله.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.