هل بدأت روسيا تمتعض من الصين؟

02 : 01

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ في قصر الصداقة في بكين / 26 نيسان 2019
يقال إن أفضل الأصدقاء قد يتحولون إلى أسوأ الأعداء. هل يُفترض أن تتذكر الصين هذه المقولة عند تقييم علاقتها مع روسيا؟ في الوقت الراهن، تبدو العداوة بين هذين البلدَين الشريكَين مستبعدة جداً، لا سيما بعدما أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببكين علناً خلال مؤتمر "أسبوع الطاقة الروسي" الأخير. لكن رغم التصريحات العلنية المتناغمة، قد لا ينجح التقارب الصيني الروسي في إخفاء جميع مظاهر الامتعاض التي تحملها النُخَب الروسية تجاه بكين.

تتطرّق أحدث مقالة كتبها الأستاذ ألكسندر لوكين في مجلة "واشنطن كوارترلي" إلى هذا التغيير. في العام 2018، ناقش كتابه China and Russia: The New Rapprochement (الصين وروسيا: التقارب الجديد) الجوانب الواعدة من التعاون الصيني الروسي. لكن يعترف لوكين صراحةً الآن بأن "أي تغيرات محتملة في السياسة الأميركية لن تردع زيادة التقارب بين روسيا والصين بقدر المخاوف الروسية من توسّع النفوذ الصيني". هو يظن أن التقارب بين روسيا والصين سبق وبلغ ذروته على الأرجح.

هذا الرأي ليس غريباً وسط المحللين الغربيين أو الخبراء الروس الموالين للغرب. لكن لا ينتمي لوكين إلى أيٍّ من هاتين الفئتين، بل إن خلفيته تعطي أهمية كبرى لتحليله الأخير.

عمل لوكين سابقاً في وزارة الخارجية السوفياتية والسفارة السوفياتية في الصين، وكان نائب رئيس الأكاديمية الدبلوماسية الروسية. ما كان لوكين ليستلم أياً من هذه المناصب لو أنه ليبرالي وموالٍ للغرب. بل تثبت منشوراته الماضية عمق ارتباطه بالأوساط الدبلوماسية الروسية. خلال سلسلة مقابلات أجراها "مركز كارنيجي موسكو" مع علماء متخصصين بالحضارة الصينية، كان لوكين واحداً من الخبراء القلائل الذين اعترفوا بتراجع ميل كبار المسؤولين الروس إلى قراءة الأعمال المرتبطة بالحضارة الصينية.

في غضون ذلك، يتمتع لوكين بمكانة مرموقة في الصين، فهو تلقى ميدالية من الرئيس الصيني السابق هيو جين تاو بسبب "مساهماته العظيمة لتطوير العلاقات الصينية الروسية"، فضلاً عن ميدالية أخرى من "منظمة شنغهاي للتعاون" في الذكرى العاشرة لتأسيسها نظراً إلى دوره في إنشاء هذه المنظمة وتطويرها. كذلك، يتولى لوكين منصب أستاذ فخري في جامعة "جيجيانغ". تثبت هذه التكريمات كلها مجدداً أن لوكين مسؤول ناشط في الأوساط الدبلوماسية الصينية وأنه يتبنى مواقف ودّية تجاه الصين بشكل عام.

قد يعكس رأي لوكين إذاً تحولاً معيناً في طريقة تفكير جزءٍ من النُخَب الروسية التي تعجز عن التعبير عن مخاوفها علناً، نظراً إلى ضرورة الحفاظ على تناغم ظاهري في العلاقات الصينية الروسية. إذا كان انتقاد لوكين صحيحاً، يعني ذلك أن النُخَب الروسية تعبّر عن قلقها من الصين وراء الأبواب المغلقة. تتعدد العوامل التي تؤثر على هذه العلاقة الثنائية، لكن يبقى توسّع النفوذ الصيني في آسيا الوسطى من أكثر العوامل التي تثير قلق الروس.

يُعتبر حجم التجارة والاستثمارات الروسية في هذه المنطقة باهتاً مقارنةً بالصين، لكن قد ترحّب هاتان القوتان العظميان بازدهار آسيا الوسطى لأنهما قد تستفيدان من تراجع مظاهر الإرهاب أو التطرف فيها. لكن بدأت قوة الصين المتزايدة في آسيا الوسطى حديثاً تُضعِف المؤسسات الروسية الاقتصادية والعسكرية التي نشأت في الأصل لإعادة دمج هذه المنطقة مع روسيا غداة انهيار الاتحاد السوفياتي.

على المستوى الاقتصادي، طغت "مبادرة الحزام والطريق" الصينية على "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" الذي تقوده روسيا. ورغم الاتفاق على الربط بين المشروعَين، تفضّل بكين وأعضاء آسيا الوسطى التفاوض على ركيزة ثنائية لإضعاف دور روسيا القيادي في "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي". يظن الباحث بينو زوغ أن روسيا ومشاريعها الجامدة والحمائية والمُسيّسة في أوراسيا تبدو باهتة مقارنةً بقوة الصين الاقتصادية، ولا سيما حجم التمويل المخصص لمشاريع البنية التحتية في إطار "مبادرة الحزام والطريق".

في هذا السياق، كان لافتاً ألا يحضر وزير الخارجية الروسي مؤتمر الفيديو الذي دعت إليه بكين لمناقشة "مبادرة الحزام والطريق" بين الوزراء في حزيران 2020، بل إنه أرسل سفيراً متجولاً مكانه. إنها المرة الأولى التي ترسل فيها روسيا ممثلاً برتبة منخفضة لهذه الدرجة إلى مؤتمر خاص بـ"مبادرة الحزام والطريق". كان بوتين شخصياً قد حضر قمتَين حول هذا المشروع سابقاً. يمكن تبرير غياب لافروف باستمرار أزمة كورونا، لكنه قد يشير أيضاً إلى استياء موسكو من بكين.



الأهم من ذلك هو تغيّر الافتراض العام الذي يعتبر موسكو المسؤولة الأولى عن الأمن في آسيا الوسطى. في الوقت الراهن، لا تكتفي الصين بتقديم الأسلحة والتدريبات العسكرية إلى دول آسيا الوسطى، بل إنها ترسل الجيش الصيني إلى هناك أيضاً. تهدف القاعدة العسكرية التي بَنَتها الصين في طاجيكستان إلى الدفاع عن المصالح الوطنية في "شينجيانغ"، لا تقليص الدور الروسي في آسيا الوسطى. لكن يظن المحلل ألكسندر غابيف أن بكين ودوشانبي لم تستشيرا موسكو حول بناء تلك القاعدة في البداية، مع أن طاجيكستان هي حليفة روسيا العسكرية منذ العام 1992، كما أنها منتسبة إلى "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي تقودها روسيا. قد يشير رضوخ موسكو في الفترة الأخيرة إذاً إلى تراجع إصرارها على التصدي لبكين في آسيا الوسطى. لا يزال دور موسكو الأمني في هذه المنطقة أقوى من دور بكين، لكن بدأت تلك الهيمنة تتلاشى الآن.

مع ذلك، لا تزال قوة روسيا الناعمة في آسيا الوسطى واسعة الانتشار بفضل روابطها التاريخية الطبيعية وتفوّقها اللغوي هناك. تنتشر البرامج التلفزيونية ومظاهر الثقافة الشعبية الروسية في آسيا الوسطى، لكن لا يعرف السكان المحليون أي فنانين صينيين معاصرين في المقابل. وفي آخر سنتين، انطلقت أكثر من أربعين حملة ضد "التوسع الصيني" في آسيا الوسطى. وفق معطيات مؤسسة "بارومتر آسيا الوسطى"، يحمل 35% من سكان قيرغيزستان و30% من سكان كازاخستان نظرة سلبية عن الصين وسياساتها. هذه العوامل تسهم في الحفاظ على النفوذ الروسي في آسيا الوسطى.

لكن قد يتغير هذا السيناريو على المدى الطويل بسبب دبلوماسية الصين التي تُركّز على التعليم. أطلقت بكين خطة تعليمية مدتها عشر سنوات لصالح أعضاء "منظمة شنغهاي للتعاون"، بما في ذلك أربع دول من أصل خمسة في آسيا الوسطى. ستقدّم هذه الخطة 30 ألف منحة دراسية من الحكومة، وسيتلقى 10 آلاف أستاذ وطالب من "معهد كونفوشيوس" دعوة للمجيء إلى الصين.

بدأت هذه المقاربة تعطي مفعولها. بناءً على بحث أجرته جولي يو وين تشين وسوليداد جيمينيز توفار، يثق طلاب الجامعات في آسيا الوسطى بتفوق النفوذ الصيني على موسكو، ويظن معظمهم أن منافع الصين تتفوق عـلى أضرارها في هذه المنطقة. تذكر الباحثة نيفــــا ياو أن بعض المدارس في قيرغيزستان يقدم حصصـــــاً مجانية وإلزامية لتعلّم اللغة الصينية بدءاً من الصف الخامس. بدا معظم الطلاب الذين تكلمت معهم ياو مقتنعين بالنظرة الإيجابية التي يحملونها عن الصين. قد يبدو هذا التحول بسيطاً اليوم، لكن قد يصبح تأثيره الجيوسياسي واسعاً وعميقاً.

بعبارة أخرى، من حق النُخَب الروسية أن تشعر بالقلق من مسار تطوّر النفوذ الصيني في آسيا الوسطى. لكن يظن لوكين أن الضغوط التي تفرضها الولايات المتحدة والغرب على روسيا تبقى أقوى من النفوذ الصيني المتزايد لتحفيز السياسات المرتقبة. من المستبعد أن تتغير السياسة الخارجية الروسية على المدى القصير إذاً. لكن قد يكون تحوّل روسيا إلى شريكة صغيرة في آسيا الوسطى أمراً غير مقبول بالنسبة إلى القوميين المحليين في روسيا على المدى الطويل. في النهاية، ترمز هذه المنطقة إلى الماضي المجيد، حين كانت روسيا قوة عظمى.

إذا تفوّقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر قوة عظمى في العالم مستقبلاً، قد يتغير ميزان القوى العالمي بطريقة جذرية ويؤثر على السياسة الخارجية الروسية. في هذه الحالة، ستصبح جميع الاحتمالات واردة. في هذا السياق، أعلن ديمتري ليكاتشيف، وهو مفكر روسي بارز من القرن العشرين، أن روسيا هي دولة لا يمكن توقّع أحداثها تاريخياً، ويحمل تاريخها مؤشرات كبرى حول قدرتها على إحداث تغيرات مفاجئة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.